أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - عشيرة عرب السّمنيّة... الجليل ليس محطة وصول، بل موطن الجذور والانتماء














المزيد.....

عشيرة عرب السّمنيّة... الجليل ليس محطة وصول، بل موطن الجذور والانتماء


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 16:02
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست كل العشائر التي حملت أسماءها عبر التاريخ جماعاتٍ جاءت من مكانٍ واستقرت في مكان آخر؛ فبعضها ارتبطت جذوره بالأرض التي نشأت عليها، وتشكّلت حياتها من طبيعتها ومياهها وتضاريسها، حتى أصبح المكان جزءاً من هويتها وذاكرتها. وعشيرة عرب السّمنيّة واحدة من هذه العشائر التي ارتبط تاريخها بأرض الجليل في شمال فلسطين.

فالجليل بالنسبة إلى عرب السّمنيّة لم يكن محطة وصول عابرة، ولا أرضاً اختيرت للإقامة بعد رحلة نزوح من منطقة عربية أخرى، بل كان موطن الجذور التاريخية، والأرض التي احتضنت أجيالاً من أبنائها، وشهدت تفاصيل حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية.

ولم يكن استقرار العشيرة في الجليل منفصلاً عن طبيعة المكان وخصائصه الجغرافية؛ فقد كانت وفرة المياه من أبرز المقومات التي جعلت أرض عرب السّمنيّة ملائمة للحياة والاستقرار. فالأرض التي ارتبطت بالعشيرة غنية بمصادر المياه، وتمتد بين وادي كَركَرَه ووادي القرن، في منطقة تتداخل فيها الأودية والينابيع مع الأراضي والمراعي الطبيعية.

وفي هذه الأرض، تنبع ثلاثة ينابيع ارتبطت بأرض العشيرة وتاريخها، هي: نبع أم طمرون، ونبع القلعة، ونبع الهردويل. وليست هذه الينابيع مجرد معالم جغرافية، بل شواهد على طبيعة الأرض التي عاش عليها أبناء العشيرة، وعلى أهمية المياه في تشكيل حياتهم اليومية وتوفير مقومات بقائهم واستقرارهم.

فالمياه لم تكن مجرد مورد للشرب، بل كانت أساس الحياة؛ منها تُسقى المواشي، وتُروى الأراضي، وتنشأ حولها مظاهر الاستقرار البشري. وكانت الأودية والينابيع والمراعي الطبيعية تشكّل معاً بيئة ملائمة لنمط الحياة الزراعية والرعوية الذي ارتبط بتاريخ العشائر الفلسطينية في الجليل.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة التي نشأت بين عرب السّمنيّة وأرضهم؛ فالأرض لم تكن مساحة جغرافية فحسب، بل كانت مصدر الرزق ومجال الحركة ومكان السكن، وكانت الينابيع والأودية جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، ومن ذاكرة الأجداد التي انتقلت إلى الأبناء والأحفاد.

وقد ارتبط وجود العشيرة بمنطقة الجليل الغربي، في محيط عكا التاريخي، حيث عُرفت مواقع ومواضع ارتبطت بحياتها وتاريخها، ومنها جالين وخربة الصوانة وحوارة وخربة عربين وعين حور. ولم تكن هذه الأسماء مجرد نقاط على خريطة، بل أماكن تحمل دلالات اجتماعية وتاريخية في ذاكرة أبناء العشيرة.

وتكشف مساحة الأراضي التي ارتبطت بعرب السّمنيّة، والبالغة نحو 1872 دونماً وفق التوثيق التاريخي، عن طبيعة حضورهم في المنطقة، وعن ارتباطهم بالأرض بوصفها مجالاً للعيش والعمل والاستقرار، لا مجرد مكان للإقامة المؤقتة.

ولذلك فإن الحديث عن أصل عرب السّمنيّة لا ينبغي أن يبدأ بافتراض أنهم قدموا من الحجاز أو نجد أو اليمن أو غيرها من المناطق العربية، ثم البحث عن محطة استقرار لهم في فلسطين. فالرواية التي تحفظها العشيرة تؤكد تجذّرها في أرض الجليل، بوصفها موطنها التاريخي الذي ارتبطت به عبر الأجيال.

إن الجذور ليست دائماً طريقاً يبدأ من مكان وينتهي في آخر؛ فقد تكون الجذور في الأرض نفسها، في ينابيعها ووديانها وحقولها، وفي حياة أناس عاشوا عليها، وتركوا أسماءهم وذكرياتهم محفورة في تضاريسها.

ثم جاءت نكبة عام 1948، فاقتُلعت العشيرة من موطنها، وتفرّق أبناؤها، وحملت العائلات أسماء قراها ومواضعها وذاكرتها إلى أماكن اللجوء. لكن الاقتلاع من الأرض لم يكن اقتلاعاً للجذور، كما أن فقدان البيوت والحقول لم يمحُ تاريخ الأجيال التي عاشت هناك.

ولم تكن الأودية والينابيع بمنأى عن مصير الأرض الفلسطينية؛ فكما احتُلّت الأرض وانتهكت حرمات البيوت، وامتدت الاعتداءات إلى البشر والشجر، أصبحت مياهُ أراضي عشيرة عرب السّمنيّة وأوديتُها وينابيعُها هي الأخرى عرضةً للاحتلال والانتهاك والحرمان. حتى الماء الذي كان يوماً يجري حراً بين وديان الجليل، ويروي الأرض والمواشي، أصبح شاهداً آخر على ما تعرّضت له عشيرة عرب السّمنيّة من اقتلاع وحرمان، وما خلّفته النكبة من جراحٍ في ذاكرة أبنائها.

لكن المياه لا تنسى مجاريها، والأرض لا تفقد ذاكرتها، والينابيع التي ارتبطت بحياة الأجداد ستبقى حاضرة في حكايات الأبناء والأحفاد.

ستجري مياه أرض عشيرة عرب السّمنيّة يوماً بحرية، وستعود ينابيعها لتروي أرضها وأهلها، وتستعيد الأودية جمالها الطبيعي، حاملةً عذوبة مياهها المباركة، بعيداً عن الاحتلال والحرمان. فالماء حقّ للأرض وأهلها، كما أن العودة حقّ لا يسقط بالتقادم.

لقد بقي الجليل حاضراً في ذاكرة عرب السّمنيّة، لا باعتباره مكاناً قديماً عاش فيه الأجداد فحسب، بل باعتباره موطن الجذور والانتماء، والأرض التي تشهد على تاريخ عشيرة ارتبطت بها قبل أن تفرّقها النكبة.

عرب السّمنيّة... لم يكن الجليل محطة وصولهم، بل كان موطن جذورهم. وبين وادي كَركَرَه ووادي القرن، ومن نبع أم طمرون ونبع القلعة ونبع الهردويل، امتدت حكاية أرضٍ احتضنت الأجداد، وما زالت تنتظر أبناءها. فمهما طال الزمن، ستظل الينابيع تعرف طريقها إلى الأرض، وسيظل لأهلها حقّ العودة إليها.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أم العبد عنتر... أمّ الشهداء من صفد إلى مخيم شاتيلا
- ميسرة أبو حمدية ونزار بنات... وداعٌ في المستشفى، وجوارٌ أبدي ...
- وعد بلفور... لماذا وبّخني الدكتور أنيس صايغ حين وصفته بالمشؤ ...
- غزة في غِيَابَةِ الجُبِّ... حين تخلّى العالم عن ضميره
- دغموش، وخليل نزار بنات... ما زال في القلب متّسع للأمل
- باجس أبو عطوان... ملك الجبل الذي لم يحتمل الاحتلال بقاء صورت ...
- نزار بنات والزيتون الفلسطيني... جذورٌ لا تُقتلع وذاكرةٌ لا ت ...
- نزار بنات... وجع الخليل وصمت العالم
- نزار بنات... تعازينا لهذه الأمة العظيمة في استشهاد عظمائها
- من زيتون ترمسعيا إلى دم نزار بنات… أين حماة الوطن؟
- اقتلعوا أشجار الزيتون… ولم يقتلعوا الحكاية
- من نزار بنات إلى مزيد سقف الحيط... العدالة في قفص الاتهام
- مزيد سقف الحيط… حين يصبح صاحب الرأي زبوناً دائماً في المحاكم
- سمر حمد… حين تُغيَّب الأم وينكسر قلب الطفولة
- سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال
- سمر حمد… حوارٌ يتيم، وغيابٌ ترك في القلب غصّة
- أنيس النقاش ونزار بنات… رحل الرجال وبقيت الكلمات
- 7 أكتوبر… الانفجار الذي سبقه الخراب
- معلمو غزة… يُعلِّمون الحياة من تحت الركام
- فلسطين… شعبٌ يُذبح بالحرب ويُغدر به بالسلام


المزيد.....




- من 62 ألفًا إلى 80 مليون دولار.. رحلة لوحة لكاندينسكي في سوق ...
- أهازيج عربية تشعل الأجواء خلال كلمة عبدالرحمن السيد.. شاهد ر ...
- زيلينسكي يحذّر من خطورة أي هيكل أمني أوروبي روسي مشترك
- غزة.. غرق 70 ألف خيمة للنازحين بمياه الأمطار
- الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة في غرب كردفان
- فوز عبد الرحمن السيد يُظهر أن الديمقراطيين يكررون خطأ الجمهو ...
- وسط تلويح بمراجعة العقيدة النووية.. إيران تُطوّر مدى ترسانته ...
- -شخصية سامة-… سفير أميركي سابق يحذّر من تعثّر إصلاح علاقات ت ...
- جدل في الولايات المتحدة بعد منع ولاية واشنطن المتحولين جنسيا ...
- محافظ القليوبية يتفقد أعمال رصف بلاط الإنترلوك بمتفرعات شارع ...


المزيد.....

- العصر الفارسي وأصول إسرءيل / محمود الصباغ
- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - عشيرة عرب السّمنيّة... الجليل ليس محطة وصول، بل موطن الجذور والانتماء