أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - من زيتون ترمسعيا إلى دم نزار بنات… أين حماة الوطن؟















المزيد.....

من زيتون ترمسعيا إلى دم نزار بنات… أين حماة الوطن؟


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 14:56
المحور: القضية الفلسطينية
    


في ترمسعيا، حيث تمتد أشجار الزيتون في الأرض كأنها ذاكرة شعبٍ يرفض النسيان، يتجدد وجع الفلسطينيين مع مشاهد الاعتداء على المزارعين. لم تعد مصادرة الأراضي واقتلاع الأشجار كافيةً لمعاناتهم، حتى بات الوصول إلى حقولهم مغامرةً محفوفةً بالخوف والخطر.

في ترمسعيا، لا يقف المزارع أمام شجرة زيتون فحسب، بل أمام عمرٍ كامل من التعب والذكريات. زرعها أبوه أو جدّه، وسقاها بعرق جبينه، وانتظر سنواتٍ حتى كبرت وأثمرت. في ظلها اجتمعت العائلة، وبين أغصانها تعلّم الأطفال معنى الأرض والانتماء. لذلك حين تمتد أيدي المستوطنين بالاعتداء على المزارعين وأرضهم، فإنها لا تستهدف شجرةً وحدها، بل تحاول اقتلاع حكاية عائلة، وطمس ذاكرة شعب، وقطع ما يصل الإنسان بجذوره.

ما سرّ هذا العداء الذي يكنّه الاحتلال وقطعان مستوطنيه لشجرة الزيتون الفلسطينية؟ لماذا تصبح هدفاً للاقتلاع والحرق والتخريب؟ أَلأنها شجرة مباركة، أم لأنها تقف شاهداً على أصحاب الأرض، وتقول بصمت أغصانها إن لهذه الأرض أهلاً وجذوراً وذاكرةً لا تمحوها سنوات الاحتلال؟

إنهم يعرفون أن اقتلاع الشجرة لا ينتزع انتماء صاحبها، وأن حرق الأغصان لا يحرق الحكاية التي تناقلتها الأجيال. ومع ذلك، يواصلون اعتداءاتهم، فيما يتمسك المزارع الفلسطيني بأرضه، كأنه يقول لكل الذين يريدون اقتلاعه؛ قد تكسرون غصناً، لكنكم لن تنتزعوا جذوري.

لكن خلف مشهد الزيتون المعتدى عليه ينهض سؤال أكبر وأكثر إيلاماً:
أين حماة الوطن؟

أين أصحاب الأجهزة الأمنية الذين يتحدثون عن الأمن والاستقرار، وأين أصحاب ما يُسمّى «التنسيق الأمني المقدس»، حين يحتاج المزارع الفلسطيني إلى الحماية ويقف في أرضه مهدداً باعتداءات المستوطنين؟ وأين هؤلاء الذين يجدون طريقهم إلى بيوت الفلسطينيين ليلاً لاعتقال أصحاب الرأي والموقف، بينما يفتقر المزارع إلى الحماية وهو يحاول الوصول إلى أرضه وجني ثمار زيتونه؟

إنها مفارقة موجعة؛ مزارعٌ يريد الوصول إلى أرضه فلا يجد الحماية التي ينتظرها، ومواطنٌ يرفع صوته احتجاجاً فيجد نفسه في مواجهة أجهزة يُفترض أن تكون في خدمته، لا أن تتحول إلى مصدر خوفٍ له.

ومن هنا، لا يعود السؤال عن حماة الوطن مرتبطاً بما يجري في ترمسعيا وحدها، بل يمتد إلى قضية الشهيد نزار بنات، حيث تصبح المساءلة أكثر إيلاماً، ويصبح الحديث عن الأمن والكرامة اختباراً حقيقياً لمعنى السلطة ومسؤوليتها.

كيف لسلطةٍ تتحدث باسم الوطن أن تتحمّل أجهزتها الأمنية مسؤولية مقتل مواطنٍ تعرّض للاعتقال والاعتداء على أيدي أفرادها؟

لقد اختُطف الشهيد نزار بنات على أيدي أفراد من الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة رام الله، وتعرّض للضرب المبرّح أثناء نومه، وانتهت تلك الواقعة بمقتله. لم تكن القضية حادثةً عابرة في سجل الأحداث، بل جرحاً عميقاً في الوجدان الفلسطيني، فتح أبواباً من الأسئلة عن معنى الأمن، وحدود السلطة، وحق الإنسان في التعبير عن رأيه، والثمن الذي قد يدفعه حين يختار أن يقول ما يؤمن به.

نزار بنات لم يكن شجرة زيتون، لكنه كان مثلها، متجذراً في هذه الأرض. آمن بأن الكلمة الحرة حق، وأن كرامة الإنسان ليست منحةً تمنحها السلطة متى شاءت، ولا امتيازاً يُسحب حين يعارض صاحبها أصحاب النفوذ. أرادوا إسكات صوته، لكن اسمه بقي حاضراً، وظلت قضيته شاهداً على أن الكلمة قد تُحاصَر، وأن صاحبها قد يُستهدف، لكن الأسئلة التي يتركها خلفه تظلّ حيّةً في ذاكرة الناس.

فأيُّ أمنٍ هذا الذي لا يشعر المواطن بظله حين يعتدي المستوطن على أرضه، لكنه يشعر بثقله حين يرفع صوته مطالباً بالحرية والكرامة؟

وأيُّ وطنٍ هذا الذي يخشى فيه المزارع على زيتونه، ويخشى فيه صاحب الرأي على حياته، فيما يفترض أن تكون مؤسساته ملاذاً لأبنائه وسنداً لهم في مواجهة الخطر والظلم؟

إن حماية الوطن لا تكون بالشعارات، ولا بكثرة الدوريات، ولا بملاحقة أصحاب الرأي الحر. إنها تبدأ بحماية الإنسان، والدفاع عن أرضه، وصون كرامته، ومحاسبة كل من يعتدي عليه، أيّاً كان موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها. فالأمن الذي لا يحمي الناس ولا يصون حقوقهم يفقد معناه حين يصبح المواطن مضطراً إلى السؤال عمّن يحميه من الخطر، وعمّن ينصفه إذا وقع عليه الظلم.

وما أشدّ قسوة أن يشعر الفلسطيني بأنه وحيد في أرضه؛ يرى زيتونه مهدداً، ولا يجد الحماية التي يحتاج إليها، ثم ينظر إلى مؤسسات وطنه فلا يجد الإجابة التي ينتظرها عن حقه في الأمان والكرامة.

فالوطن ليس سلطةً فوق الناس، ولا جهازاً أمنياً، ولا اتفاقاً سياسياً. الوطن هو المزارع الذي يتكئ على جذع زيتونته، والأم التي تخشى على أبنائها، والطفل الذي يتعلّم من أبيه أن الأرض لا تُباع، وأن الكرامة لا تُساوَم، وأن الحرية ليست جريمة.

وفي قلب هذه الحكاية، تقف زوجة الشهيد نزار بنات وأطفاله أمام فراغٍ لا تملؤه الكلمات. ما أقسى أن يكبر الأطفال بعيداً عن أبيهم، وأن تبقى الزوجة تحمل ألم الغياب وأسئلة العدالة، تنتظر إنصافاً يردّ الاعتبار إلى زوجها، ويمنح أبناءها حقهم في الحقيقة والعدالة.

إن العدالة ليست مطلباً خاصاً بعائلة الشهيد وحدها، ولا ألماً يخصّ من عرفوه وأحبّوه؛ إنها حقٌّ عام، وميزانٌ تُقاس به قيمة المؤسسات، ودليلٌ على أن حياة الإنسان وكرامته ليستا أمرين قابلين للتفاوض أو النسيان. فلا يمكن لوطنٍ أن يطلب من أبنائه الثقة بمؤسساته، فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلّقةً بلا إجابات تداوي الجرح وتعيد الحقوق إلى أصحابها.

في ترمسعيا، يبكي المزارع زيتونه، وفي ذاكرة الفلسطينيين يبقى مقتل الشهيد نزار بنات جرحاً لم يندمل. بين المشهدين خيطٌ واحد؛ إنسانٌ يريد أن يعيش على أرضه بكرامة، وأن يحمي ما يحب، وأن يقول ما يؤمن به من دون أن يخشى الاعتداء أو البطش.

الفقراء، أينما كانوا، هم الذين يدفعون الثمن، لكن الفلسطيني يدفعه من أرضه وبيته وزيتونه، وأحياناً من حياته نفسها؛ يدفعه حين يُحرم من الأمان، وحين يصبح الدفاع عن أرضه معركةً يومية، وحين تتحول المطالبة بالحرية والكرامة إلى مواجهةٍ لا يعرف إلى أين تقوده.

قد تُقتلع أشجار، وقد تُحرق حقول، وقد يُقتل أصحاب الكلمة، لكن الأرض لا تنسى أبناءها، والزيتونة التي شهدت تعب الآباء ستظل تحكي للأبناء قصة الجذور والصمود. وستبقى ذاكرة الناس أقوى من محاولات الطمس، ما دام هناك من يرفض الصمت، ويصرّ على أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن العدالة ليست ترفاً، بل ضرورةٌ لحياة تليق بالإنسان.

فأين حماة الوطن؟
أين هم حين يحتاج المزارع إلى من يحمي أرضه، وحين يحتاج المواطن إلى من يصون كرامته، وحين تنتظر زوجة الشهيد وأطفاله عدالةً طال انتظارها؟

إن الوطن الذي لا يحمي أبناءه، ولا يصون كرامتهم، ولا يحاسب من يعتدي عليهم، لا يستطيع أن يكتفي برفع شعارات الأمن والاستقرار. عليه أن يواجه السؤال الأصعب: لمن وُجدت السلطة؟ ولمن تعمل المؤسسات؟ وما قيمة الأمن إذا ظلّ الإنسان خائفاً على أرضه وحياته وحريته؟

فالوطن لا يُقاس بما ترفعه السلطة من شعارات، بل بما تمنحه للإنسان من أمان وكرامة وعدالة.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اقتلعوا أشجار الزيتون… ولم يقتلعوا الحكاية
- من نزار بنات إلى مزيد سقف الحيط... العدالة في قفص الاتهام
- مزيد سقف الحيط… حين يصبح صاحب الرأي زبوناً دائماً في المحاكم
- سمر حمد… حين تُغيَّب الأم وينكسر قلب الطفولة
- سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال
- سمر حمد… حوارٌ يتيم، وغيابٌ ترك في القلب غصّة
- أنيس النقاش ونزار بنات… رحل الرجال وبقيت الكلمات
- 7 أكتوبر… الانفجار الذي سبقه الخراب
- معلمو غزة… يُعلِّمون الحياة من تحت الركام
- فلسطين… شعبٌ يُذبح بالحرب ويُغدر به بالسلام
- لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شها ...
- غزة تنزف دماً… والخذلان العربي يكتب فصول العار
- عبد الهادي أبو شمسية.. رجل الخير الذي غيّبته القضبان
- وليد إبراهيم الهودلي… بالأمس كان يدعو لهم، واليوم ندعو له
- علاء الريماوي ونزار بنات... روحٌ مثقلة بالوداع
- ما سرّ عداء المستوطنين لشجرة الزيتون الفلسطينية؟
- نزار بنات وعلاء الريماوي… حين يبدأ التحريض قبل الاعتقال
- بعد كل هذه الشهادات… ما زلت أسأل: كيف يصبح الإنسان وحشاً؟
- ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي): «دفنتُ زوجي وابني…»
- محمد سرور (أبو علي): دفنتُ أبي وإخوتي… وبقيتُ شاهداً على صبر ...


المزيد.....




- -الربيع في إمروز-.. مريم أوزرلي وخالد أرغنتش في أول عرض لفيل ...
- قائد الجيش الباكستاني يزور طهران
- فرنسا.. حلول أمنية تتجاهل جذور الأزمة
- ترامب يصف الصومال بـ-البلد البائس- ويهاجم إلهان عمر بقسوة شد ...
- ترامب يكشف عن حصيلة مأساوية لما جنته أمريكا من 350 مليار دول ...
- القاضي المزيف خلف القضبان.. السجن 10 سنوات بحق متهم -تريند ا ...
- ترامب: على أوروبا تغيير مسارها وإلا فلن يتبقى منها أثر
- إسرائيل.. تهديدات وزيارات سرية
- رضائي: لن تُنقل ذرة واحدة من اليورانيوم المخصب إلى خارج إيرا ...
- اليمن.. تواصل المعارك البرية بجبهة تعز


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - من زيتون ترمسعيا إلى دم نزار بنات… أين حماة الوطن؟