أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - دغموش، وخليل نزار بنات... ما زال في القلب متّسع للأمل














المزيد.....

دغموش، وخليل نزار بنات... ما زال في القلب متّسع للأمل


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 12:01
المحور: القضية الفلسطينية
    


هناك أطفالٌ لا يحتاجون إلى خطبٍ طويلة كي يشرحوا لنا معنى الحياة، ولا إلى كلماتٍ كبيرة كي يعلّمونا كيف نتمسك بالأمل. يكفي أن نستمع إليهم، ونراقب عفويتهم، ونرى كيف يصنعون من تفاصيل صغيرة عالماً يخصّهم، حتى في زمنٍ يبدو فيه الفرح ترفاً بعيد المنال.

من هؤلاء الطفل دغموش باشا، الذي أراه واحداً من الوجوه التي تختصر حكاية الطفولة الفلسطينية ومعاناتها في غزة. طفلٌ يستطيع بتعليقاته العفوية وحضوره المحبّب أن ينتزع من القلب ابتسامة، رغم كل ما يحيط به من وجع. لديه كلبٌ أطلق عليه اسم «عتاب»، وكأن هذا الصغير، وسط عالمٍ أثقلته الحرب، يصرّ على أن يحتفظ لنفسه بصديقٍ يشاركه تفاصيل أيامه ومغامراته.

كلما استمعت إلى تعليقات دغموش، أشعر بسعادة لا أستطيع وصفها. أبتسم من القلب، وأجد في كلماته العفوية فسحةً صغيرة أتنفس فيها بعيداً عن أخبار القتل والدمار. ليس لأنني نسيت ما يحدث في غزة، بل لأن هذا الطفل يمنحني شيئاً بتنا نفتقده كثيراً؛ الأمل.

يذكّرني دغموش باشا بخليل، ابن الشهيد نزار بنات، وبمغامراته مع كلبه «كشكش». هناك شيء مشترك بين الطفلين يتجاوز مجرد وجود كلبٍ في حياة كلٍّ منهما. فكلاهما يأخذنا إلى عالم الطفولة البسيط، حيث يمكن لمغامرة صغيرة أو حديث عابر مع صديق أن يصنع حكايةً كاملة، وحيث لا تزال الضحكة قادرة على أن تجد طريقها إلى القلب، مهما اشتدّ الحزن.

لكن خلف هذه الحكايات البسيطة تختبئ حكاية أكبر، هي حكاية الطفل الفلسطيني الذي لم يُترك له دائماً ما يكفي ليعيش طفولته.

في غزة هناك أطفالٌ عرفوا أصوات الطائرات والقصف قبل أن يعرفوا أصوات العصافير، وعرفوا النزوح والخيام والجوع قبل أن يعرفوا معنى الاستقرار. أطفالٌ فقدوا آباءهم وأمهاتهم وإخوتهم، ووجدوا أنفسهم فجأة أمام حياةٍ لا تشبه أعمارهم، ولا تحتملها قلوبهم الصغيرة. بعضهم لم يعد يملك بيتاً يعود إليه، وبعضهم يبحث بين الركام عن لعبة أو صورة أو ذكرى.

وليست غزة وحدها التي تحمل وجع الطفولة الفلسطينية. ففي الضفة الغربية، يكبر أطفالٌ على وقع الاقتحامات والاعتقالات والخوف، وتلاحقهم مشاهد الجنود والحواجز، فيما يعيش أطفال مخيمات الشتات حكايةً أخرى من الحرمان والانتظار؛ يكبرون بعيداً عن أرضهم، ويحملون فلسطين في روايات الأهل وذاكرة البيوت التي هُجّر منها الأجداد. قد تختلف تفاصيل المعاناة من مكانٍ إلى آخر، لكن القاسم المشترك بينها أن الطفل الفلسطيني ما زال يدفع ثمن حكاية لم يخترها.

ومع ذلك، لا يتوقف الأطفال عن اختراع الفرح. يبحثون عن لعبة، أو كرة، أو صديق، أو كلبٍ يطلقون عليه اسماً يحبونه. يركضون خلفه، ويتحدثون إليه، ويصنعون معه مغامراتهم الصغيرة، كأنهم يتمسكون بحقهم في أن يكونوا أطفالاً، لا مجرد أرقام في نشرات الأخبار أو وجوهٍ عابرة في صور المآسي.

كم هو مؤلم أن يصبح ضحك طفلٍ فلسطيني خبراً جميلاً وسط هذا الكم الهائل من الأخبار الحزينة! وكم هو موجع أن نفرح لأن طفلاً استطاع أن يضحك، بينما كان ينبغي أن تكون الضحكة أبسط حقوقه، لا حدثاً استثنائياً نتمسك به كي لا نفقد ما تبقى فينا من إنسانية.

وأنا أستمع إلى دغموش باشا، أفكر في خليل ابن الشهيد نزار بنات، وفي كلبه كشكش، وفي كل أطفال فلسطين الذين لا نعرف أسماءهم، ولا نعرف ماذا حلّ بأحلامهم الصغيرة. أتخيلهم لو اجتمعوا في مكانٍ واحد، بعيداً عن الحروب والخوف، يلعبون ويتبادلون الحكايات والمغامرات، ولا يشغلهم سوى ما يشغل الأطفال في كل مكان.

لكن الواقع أكثر قسوة من الخيال. فهناك أطفالٌ لن يكبروا مع أصدقائهم، وآخرون لن يجدوا من يروي لهم حكايات ما قبل النوم، وهناك من سيحملون في ذاكرتهم مشاهد لا ينبغي لطفلٍ أن يراها، وأوجاعاً سترافقهم طويلاً.

لا أعرف ماذا سيصبح دغموش عندما يكبر، ولا ماذا تخبئ الأيام لخليل. لكنني أتمنى أن يكبرا في عالمٍ لا يخاف فيه الأطفال من أصوات الطائرات، ولا يبحثون فيه عن الأمان بين الركام. أتمنى أن يبقى عتاب إلى جانب دغموش، وأن يواصل كشكش مغامراته مع خليل، وأن تكون أكبر مشكلاتهما خلافاً على لعبة أو شجاراً عابراً بين طفلٍ وكلبه.

دغموش باشا وكلبه عتاب... وخليل وكلبه كشكش. أربعة أسماء صغيرة، لكنها تفتح في القلب أبواباً واسعة من الحزن والأمل.

ربما لا يستطيع دغموش أن يوقف حرباً، ولا يستطيع خليل أن يعيد والده الشهيد نزار بنات، الذي قُتل ظلماً، ولا يستطيع عتاب وكشكش أن يحميا الأطفال من قسوة هذا العالم، لكن هؤلاء الصغار، دون أن يعرفوا، يمنحوننا درساً في التمسك بالحياة. يذكّروننا بأن الأمل قد يطلّ أحياناً من تعليقٍ عفوي لطفل، أو من مغامرةٍ صغيرة مع كلبه، وأن الحياة، مهما حاصرها الموت، تظل تبحث عن نافذةٍ تعبر منها.

نحن لا نريد من أطفال فلسطين أن يكونوا أبطالاً، ولا أن يتعلموا الصبر قبل أوانه، ولا أن يكبروا قبل أن يعيشوا طفولتهم. لا نريد منهم أن يعتادوا الخوف، أو أن يصبح صوت القصف جزءاً من ذاكرتهم اليومية.

نريدهم أطفالاً فقط؛ يضحكون ويلعبون ويخطئون ويحلمون، ويكبرون دون أن يسرق أحدٌ منهم أعمارهم.

فلسطين لا تحتاج إلى مزيدٍ من الأطفال الذين يعرفون الموت، بل تحتاج إلى أطفالٍ يعرفون الحياة.

وإلى دغموش باشا وخليل ابن نزار بنات أقول، من بعيد: واصلا الضحك، واحتفظا بعتاب وكشكش، وواصلا مغامراتكما الصغيرة. أتمنى أن تكبرا وتحققا أحلامكما، وأن تبقى في حياتكما مساحةٌ واسعة للفرح، وألا ينتزع هذا العالم القاسي منكما حقكما في الطفولة.

دغموش، وخليل... ربما لا نملك اليوم ما يكفي لنمنحكما عالماً آمناً، لكنكما، دون أن تعرفا، تمنحاننا أنتما ما تبقى لنا من أمل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتمناه لكما أن يأتي يومٌ لا نكتب فيه عن طفولتكما بوصفها حكاية صمودٍ في وجه الألم، بل بوصفها طفولةً عادية، مليئة بالضحك والمغامرات والأحلام.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- باجس أبو عطوان... ملك الجبل الذي لم يحتمل الاحتلال بقاء صورت ...
- نزار بنات والزيتون الفلسطيني... جذورٌ لا تُقتلع وذاكرةٌ لا ت ...
- نزار بنات... وجع الخليل وصمت العالم
- نزار بنات... تعازينا لهذه الأمة العظيمة في استشهاد عظمائها
- من زيتون ترمسعيا إلى دم نزار بنات… أين حماة الوطن؟
- اقتلعوا أشجار الزيتون… ولم يقتلعوا الحكاية
- من نزار بنات إلى مزيد سقف الحيط... العدالة في قفص الاتهام
- مزيد سقف الحيط… حين يصبح صاحب الرأي زبوناً دائماً في المحاكم
- سمر حمد… حين تُغيَّب الأم وينكسر قلب الطفولة
- سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال
- سمر حمد… حوارٌ يتيم، وغيابٌ ترك في القلب غصّة
- أنيس النقاش ونزار بنات… رحل الرجال وبقيت الكلمات
- 7 أكتوبر… الانفجار الذي سبقه الخراب
- معلمو غزة… يُعلِّمون الحياة من تحت الركام
- فلسطين… شعبٌ يُذبح بالحرب ويُغدر به بالسلام
- لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شها ...
- غزة تنزف دماً… والخذلان العربي يكتب فصول العار
- عبد الهادي أبو شمسية.. رجل الخير الذي غيّبته القضبان
- وليد إبراهيم الهودلي… بالأمس كان يدعو لهم، واليوم ندعو له
- علاء الريماوي ونزار بنات... روحٌ مثقلة بالوداع


المزيد.....




- كاميرا CNN توثق الآثار الكارثية لتحطم طائرة -ليرجيت-.. إليكم ...
- مُقيدة بشريط لاصق ومحشورة داخل حقيبة.. لقطات درامية لإنقاذ ط ...
- غارات وقصف إسرائيلي على جنوب لبنان.. وجرافات تهدم منازل في ز ...
- لانتراتوفا تكشف تفاصيل المهمة الإنسانية في أليشكي والخطط الم ...
- اليابان تعلن نجاح أول عملية في العالم لعلاج باركنسون بالخلاي ...
- اليمن.. طبيب يمني ومسؤول سابق يثير جدلا بعد اعتذاره عن دعم ا ...
- ليبرمان: سأرشح آيزنكوت لرئاسة الحكومة رغم انتقادي لحملته
- صدام حفتر ورئيس وزراء النيجر يوقعان بروتوكولا للتعاون الاستر ...
- بيسكوف: الهجمات السيبرانية تتجاوز المؤسسات الحكومية الروسية ...
- رئيس وزراء بلجيكا يقدم استقالته للملك والأخير يؤجل البت فيها ...


المزيد.....

- العصر الفارسي وأصول إسرءيل / محمود الصباغ
- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - دغموش، وخليل نزار بنات... ما زال في القلب متّسع للأمل