أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - نزار بنات... وجع الخليل وصمت العالم














المزيد.....

نزار بنات... وجع الخليل وصمت العالم


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 16:50
المحور: القضية الفلسطينية
    


في الخليل لا يبدو الليل هادئاً كما ينبغي لمدينة أنهكها الخوف، ولا تبدو البيوت قادرة على إخفاء القلق خلف أبوابها المغلقة. أمهات يخفين مخاوفهن عن أطفالهن، وآباء يحاولون أن يمنحوا أبناءهم أماناً لا يملكونه، ومدينة تنتظر الصباح ولا تعرف ماذا يحمل لها.

في الخليل لا يُعاش الاحتلال خبراً عابراً في نشرة أخبار، بل واقعاً يتسلل إلى تفاصيل الحياة، ويثقل الخطوات، ويحوّل أبسط حقوق الإنسان إلى مطالب مؤجلة. فالخليل ليست مجرد اسم يمر في الأخبار، بل مدينة لها ذاكرة وأهل وبيوت وأطفال وأحلام، وأناس يريدون أن يعيشوا بكرامة وأمان، بعيداً عن الخوف الذي يطارد تفاصيل يومهم.

لكن ما يزيد معاناة أهلها قسوةً أن يشعروا بأنهم يواجهون مصيرهم وحدهم، فيما تتكاثر الأسئلة ولا تأتي الإجابات بحجم ما يعيشونه.

من حق الناس أن يسألوا قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة رام الله: ماذا تفعلون من أجل الخليل؟ وأين موقفكم مما يعانيه أهلها؟

ومن حقهم أن يسألوا محمود عباس: هل يصل إليك صوت هذه المدينة؟ وهل تعرف ما يعيشه أبناؤها، وما يثقل حياتهم من خوف وقلق وانتظار؟

ليست هذه أسئلة خصومة سياسية، بل أسئلة شعب أنهكه الانتظار. فالناس لا يريدون خطباً طويلة ولا بيانات تُقرأ ثم تُنسى؛ يريدون قيادة تشعر بمعاناتهم، وتتعامل مع أمنهم وكرامتهم بوصفهما مسؤولية وطنية لا تفصيلاً هامشياً في حسابات السياسة.

ويزداد التناقض إيلاماً حين يُرفع شعار حماية الوطن والأمن، ويُقدَّم «التنسيق الأمني المقدس» باعتباره ضرورة، بينما يبحث المواطن عن الطمأنينة فلا يجدها. فما قيمة الشعارات إذا ظل الإنسان وحيداً أمام خوفه، عاجزاً عن تقديم جواب لأطفاله حين يسألونه: لماذا يحدث هذا لنا؟

وفي الضفة الغربية، لا تقتصر المأساة على ما تنقله الصور من دم ودمار؛ فهناك أيضاً شعور متراكم بأن المعاناة تتكرر، وأن العالم اعتاد مشاهد الألم حتى كاد يفقد القدرة على الإصغاء إلى أنين المتألمين. وحين يصبح وجع الناس مشهداً مألوفاً، تتحول المأساة من جرح مفتوح إلى خبر عابر، ويصبح الصمت شريكاً في إطالة معاناة الضحايا.

أما اللصوص وخفافيش الليل، فجميعهم بخير.
عبارة تختصر مرارة شعب يرى الفقراء يدفعون ثمن الأزمات، فيما تتواصل الأسئلة عن المصالح والفساد وغياب المحاسبة. وحين يشعر المواطن بأن الأعباء تقع على كتفيه، وأن العدالة لا تطال الجميع بالقدر نفسه، يصبح الظلم جرحاً إضافياً في حياة مثقلة بالجراح. فأي قسوة أشد من أن يخاف الإنسان على بيته وأبنائه، ثم يشعر بأنه عاجز حتى عن استرداد حقه من الظلم؟

وفي الخليل، لا يمكن الحديث عن الكرامة والمحاسبة من دون استحضار الشهيد نزار بنات؛ الرجل الذي جعل من مساءلة السلطة جزءاً من صوته، ومن المطالبة بالحقوق موقفاً لم يتخلَّ عنه.

لم يكن نزار بنات غريباً عن وجع مدينته، بل كان ابنها الذي حمل أسئلته إلى الناس، ورفع صوته مطالباً بالكرامة والمحاسبة، قبل أن تنتهي حياته في واقعة هزّت الضمير الفلسطيني وفتحت جرحاً لا يندمل، وألماً لا يخفّ مهما طال الزمن.

لم يكن رحيله فقداناً لإنسان فحسب؛ فقد ترك وراءه قضية تتجاوز حياته الشخصية إلى أسئلة جوهرية عن المسؤولية والعدالة وحق المواطن في أن يقول ما يؤمن به، وأن ينتقد من يحكمه من دون أن يخشى على حياته.

ولهذا، يعود اسم نزار كلما عادت أسئلة الخليل عن الكرامة والمحاسبة. فالرجل الذي طالب بمساءلة السلطة غاب عن أهله ومحبيه، لكن الأسئلة التي حملها لم تغب، ولم يعد ممكناً فصل ذكراه عن حق الناس في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة.

تخيّلوا ألم زوجته وأولاده؛ أن يغيب عنهم من كان جزءاً من تفاصيل حياتهم، وأن تتحول ذكراه إلى حضور يومي لا يخفف منه مرور الزمن. إنهم لا يواجهون فقدان زوج وأب عزيز فحسب، بل يحملون أيضاً ثقل قضية لا تزال العدالة فيها مطلباً حاضراً. وبين ألم زوجته وأولاده، ووجع مدينته، تتلاقى المأساة الشخصية مع المأساة الوطنية، ويصبح الغياب أكبر من أن تحتمله زوجته وأطفاله وحدهم.

والخليل التي أنجبت نزار بنات لا تستحضر اسمه لتبكيه فحسب، بل لتسأل عن الوطن الذي حلم به؛ وطن يكون فيه المواطن حراً وكريماً، وتُصان فيه حياته، وتُسمع فيه كلمته، ولا تتحول المطالبة بالحق إلى مخاطرة يدفع ثمنها صاحبها.

رحل نزار، وبقيت زوجته وأولاده يحملون ألم غيابه، وبقي اسمه حاضراً في الذاكرة الفلسطينية، شاهداً على أسئلة لم تجد أجوبتها بعد. وليس الوفاء له أن نكتفي باستعادة كلماته أو رثائه في المناسبات، بل أن نبقي قضية العدالة حية، وألا نسمح بأن يتحول رحيله إلى ذكرى تُستعاد ثم تُطوى.

فالخليل لا تحتاج إلى كلمات ترثي نزار ثم تمضي، ولا إلى شعارات تتغنى بالكرامة فيما يبقى المواطن وحيداً أمام خوفه. إنها تحتاج إلى مواقف ملموسة تشعر أهلها بأن معاناتهم ليست منسية، وأن حقهم في الأمان والكرامة ليس وعداً مؤجلاً إلى أجل مجهول.

أقسى ما يمكن أن يحدث لمدينة تنزف ليس أن تتألم، بل أن يصبح ألمها مألوفاً إلى الحد الذي يتوقف فيه الآخرون عن الإصغاء. وأقسى ما يمكن أن يحدث لشعب أن يفقد أبناءه، ثم يخشى أن تضيع الأسئلة التي تركوها خلفهم، وأن يُطوى حقهم في العدالة تحت ركام النسيان.

الخليل تنزف، ونزار غاب، والعدالة ما زالت سؤالاً مفتوحاً.
فمن يشعر بوجع الخليل؟ ومن ينصف أهلها؟ ومن يجيب عن الأسئلة التي تركها نزار وراءه؟ ومتى يصبح للإنسان الفلسطيني وطن تُصان فيه حياته وكرامته، ويستطيع فيه أن يرفع صوته من دون خوف، وأن يطالب بحقه من دون أن يشعر بأنه وحيد؟



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نزار بنات... تعازينا لهذه الأمة العظيمة في استشهاد عظمائها
- من زيتون ترمسعيا إلى دم نزار بنات… أين حماة الوطن؟
- اقتلعوا أشجار الزيتون… ولم يقتلعوا الحكاية
- من نزار بنات إلى مزيد سقف الحيط... العدالة في قفص الاتهام
- مزيد سقف الحيط… حين يصبح صاحب الرأي زبوناً دائماً في المحاكم
- سمر حمد… حين تُغيَّب الأم وينكسر قلب الطفولة
- سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال
- سمر حمد… حوارٌ يتيم، وغيابٌ ترك في القلب غصّة
- أنيس النقاش ونزار بنات… رحل الرجال وبقيت الكلمات
- 7 أكتوبر… الانفجار الذي سبقه الخراب
- معلمو غزة… يُعلِّمون الحياة من تحت الركام
- فلسطين… شعبٌ يُذبح بالحرب ويُغدر به بالسلام
- لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شها ...
- غزة تنزف دماً… والخذلان العربي يكتب فصول العار
- عبد الهادي أبو شمسية.. رجل الخير الذي غيّبته القضبان
- وليد إبراهيم الهودلي… بالأمس كان يدعو لهم، واليوم ندعو له
- علاء الريماوي ونزار بنات... روحٌ مثقلة بالوداع
- ما سرّ عداء المستوطنين لشجرة الزيتون الفلسطينية؟
- نزار بنات وعلاء الريماوي… حين يبدأ التحريض قبل الاعتقال
- بعد كل هذه الشهادات… ما زلت أسأل: كيف يصبح الإنسان وحشاً؟


المزيد.....




- الملكة رانيا تعزي في ضحايا هجوم الكرك.. وولي عهد الأردن: موا ...
- حتى بلا فوز.. الجمود الانتخابي يمنح نتنياهو أشهرا لتوجيه ضرب ...
- الحوثيون: 56 غارة جوية سعودية على اليمن خلال 24 ساعة
- إيران تحذر ألمانيا من الانخراط في النزاع العسكري ضدها
- غزة وإيران والحوثيون.. الجامعة العربية تفتح ملفات ملتهبة أما ...
- بيسكوف: بوتين وترامب قد يعقدان لقاء ثنائيا على هامش قمة آبيك ...
- نتنياهو ينشر صورة لانفجار نووي فوق تل أبيب والمعارضة تتهمه ب ...
- سالفيني: إيطاليا لم تعد قادرة على مواصلة تقديم الأموال والأس ...
- بوتين: اتهام أوروبا لنا يعكس ضعف قادتها
- إسرائيل تمنع عودة المئات مع أهالي الخليل


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - نزار بنات... وجع الخليل وصمت العالم