أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - وعد بلفور... لماذا وبّخني الدكتور أنيس صايغ حين وصفته بالمشؤوم؟














المزيد.....

وعد بلفور... لماذا وبّخني الدكتور أنيس صايغ حين وصفته بالمشؤوم؟


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 12:06
المحور: القضية الفلسطينية
    


ذات مرة، كنت أتحدث أمام الدكتور أنيس صايغ عن وعد بلفور، ووصفتُه بالوعد المشؤوم. توقفتُ عند هذه الكلمة، فإذا بالدكتور أنيس يوبخني على استخدامها.

لم أفهم يومها تماماً سرّ غضبه. كيف يمكن أن نختلف على وصف وعدٍ انتزع وطناً من أهله، وفتح أبواب المأساة على شعبٍ ما زال يدفع ثمنه حتى يومنا هذا؟ أليس مشؤوماً أن تصدر دولة لا تملك أرضاً، وعداً بمنحها لمن لا يملكها، على حساب شعبٍ يعيش فوقها وله فيها جذور وتاريخ وذاكرة؟

لكنني كلما استعدت تلك اللحظة، شعرت أن وراء توبيخه معنى أعمق من مجرد الاعتراض على كلمة. ربما كان يريد أن يلفت انتباهي إلى أن المأساة الفلسطينية أكبر من أن تختصرها صفة، وأعمق من أن تختزلها مفردة، وأقسى من أن نستعيدها كل عام بالبكاء والمراثي.

في ذكرى وعد بلفور، تتكرر الكلمات ذاتها، وتُستعاد الحكاية ذاتها، ونستحضر الرسالة التي بعث بها آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد في الثاني من تشرين الثاني عام 1917. نتحدث عن الخديعة البريطانية، وعن شعبٍ وُضع مصيره على طاولة المصالح الدولية من دون أن يُسأل، وعن وطنٍ تحوّل إلى قضية، وعن شعبٍ أصبح مطالباً كل يوم بإثبات حقه في أرضه.

لكن هل تكفي إدانة بريطانيا؟ وهل يكفي أن نلعن وعد بلفور، ونحمّل التاريخ وحده مسؤولية ما وصلنا إليه؟

لم تكن الكارثة في صدور الوعد وحده، بل في كل ما تلاه. في النكبة، وفي الاقتلاع، وفي المخيمات التي تحولت من محطات انتظار إلى أعمار كاملة، وفي الأجيال التي وُلدت بعيداً عن بيوتها، وكبرت وهي تحمل مفاتيح أبواب ربما لن تعود إليها أبداً.

كانت فلسطين تُنتزع من أهلها، فيما كان العالم يتفرج. ثم جاء زمن أصبح فيه الفلسطيني مطالباً بأن يشرح للعالم لماذا يريد العودة إلى بيته، ولماذا يرفض أن يكون لاجئاً في وطن آخر، ولماذا يتمسك بأرضٍ لم تفلح سنوات الاقتلاع في انتزاعها من ذاكرته.

وما يزيد الحزن أن وعد بلفور لم يعد مجرد ذكرى في كتاب تاريخ. فما زالت فلسطين تدفع ثمنه، وما زال شعبها يواجه الاحتلال والاستيطان والتهجير والحصار والقتل. وما زالت غزة تنزف، والضفة الغربية تواجه محاولات الاقتلاع ومصادرة الأرض، فيما تتسع المسافة بين وجع الفلسطينيين وخطابات المتضامنين معهم.

أما نحن، فقد أصبحنا بارعين في إحياء الذكريات، وإلقاء الخطب، وإصدار البيانات. نحفظ تاريخ وعد بلفور، ونعرف أسماء الذين وقّعوا الاتفاقيات، ونستطيع استعادة تفاصيل سايكس بيكو وسان ريمو، لكننا ما زلنا عاجزين عن الإجابة عن السؤال الأكثر إيلاماً: ماذا فعلنا كي لا تتكرر المأساة؟

لا أكتب ذلك دفاعاً عن بريطانيا، ولا تخفيفاً من مسؤولية القوى التي تآمرت على فلسطين، ولا مساواة بين الضحية والجلاد. فالمسؤولية التاريخية واضحة، والاحتلال هو الذي اغتصب الأرض، لكن الاعتراف بمسؤولية الآخرين لا يعفينا من مواجهة عجزنا وانقسامنا، ولا يمنحنا حق الهروب من أسئلة الحاضر.

إن أكثر ما يؤلم الفلسطيني أن يرى قضيته حاضرة في الخطب، غائبة عن الفعل، وأن يسمع عن الوحدة بينما يعيش الانقسام، وأن يسمع عن العودة فيما تتآكل الأرض، وأن يرى الأجيال الجديدة تتعلم أسماء القرى والمدن المهدمة من حكايات الأجداد، لا من شوارعها وبيوتها.

لم يكن بلفور بحاجة إلى أن يعيش طويلاً ليرى نتائج وعده، أما نحن فما زلنا نعيش نتائجه، ونورّث أبناءنا وجعه، ونقف كل عام أمام ذكراه كأن الزمن لم يتحرك، وكأن فلسطين ما زالت تنتظر من يقرر أن يكون لها وطن.

أتذكر اليوم توبيخ الدكتور أنيس صايغ، وأتساءل: هل كانت كلمة «مشؤوم» أصغر من أن تحمل كل هذا الوجع؟ أم أن الرجل أراد أن يقول لي إن علينا ألا نكتفي بوصف الكارثة، بل أن نفهمها، ونقرأ أسبابها، ونبحث عن الطريق الذي يمنع استمرارها؟

ربما لن أعرف على وجه اليقين ما الذي قصده يومها، لكنني أعرف أن تلك اللحظة بقيت عالقة في ذاكرتي، وأنني كلما جاءت ذكرى الثاني من تشرين الثاني، تذكرت الرجل والكلمة معاً.

رحم الله الدكتور أنيس صايغ، ورحم كل الذين حملوا فلسطين في عقولهم وقلوبهم، وعاشوا من أجل أن تبقى حكايتها حاضرة، لا بوصفها مأساة شعبٍ فقط، بل قضية حق وعدالة وكرامة.

في ذكرى وعد بلفور، لا أريد أن أكتفي بالبكاء على فلسطين، ولا أن أضيف كلمة جديدة إلى قاموس المراثي.

أريد أن أسأل: كم وعداً آخر سيُكتب على حسابنا؟ وكم أرضاً أخرى ستُنتزع، وكم جيلاً سيولد في المنافي، قبل أن ندرك أن الأوطان لا يحميها الحنين وحده، وأن الحقوق لا تعود بمجرد تكرار الحكاية؟

لقد كان وعد بلفور جريمة بحق فلسطين وشعبها، لكن الأكثر إيلاماً أن يمر أكثر من قرن، وما زال الفلسطيني يبحث عن العالم الذي ينصفه، وعن قيادة تجمعه، وعن أمة لا تكتفي بالبكاء عليه.

فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الذين يرثونها في ذكرى اغتصابها، بل إلى من يحملون مسؤولية الدفاع عنها في كل يوم.

وربما أفهم الآن، بعد كل هذه السنوات، لماذا وبّخني الدكتور أنيس صايغ حين وصفت وعد بلفور بالمشؤوم. لم تكن المشكلة في الكلمة وحدها، بل في أن المأساة التي نحاول وصفها ما زالت مستمرة، وأننا لم ننجح بعد في وضع حدّ لها.

فما أقسى أن يكون الوعد قد صدر قبل أكثر من قرن، وأن يظل شعبٌ بأكمله يعيش حتى اليوم تحت وطأة نتائجه.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزة في غِيَابَةِ الجُبِّ... حين تخلّى العالم عن ضميره
- دغموش، وخليل نزار بنات... ما زال في القلب متّسع للأمل
- باجس أبو عطوان... ملك الجبل الذي لم يحتمل الاحتلال بقاء صورت ...
- نزار بنات والزيتون الفلسطيني... جذورٌ لا تُقتلع وذاكرةٌ لا ت ...
- نزار بنات... وجع الخليل وصمت العالم
- نزار بنات... تعازينا لهذه الأمة العظيمة في استشهاد عظمائها
- من زيتون ترمسعيا إلى دم نزار بنات… أين حماة الوطن؟
- اقتلعوا أشجار الزيتون… ولم يقتلعوا الحكاية
- من نزار بنات إلى مزيد سقف الحيط... العدالة في قفص الاتهام
- مزيد سقف الحيط… حين يصبح صاحب الرأي زبوناً دائماً في المحاكم
- سمر حمد… حين تُغيَّب الأم وينكسر قلب الطفولة
- سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال
- سمر حمد… حوارٌ يتيم، وغيابٌ ترك في القلب غصّة
- أنيس النقاش ونزار بنات… رحل الرجال وبقيت الكلمات
- 7 أكتوبر… الانفجار الذي سبقه الخراب
- معلمو غزة… يُعلِّمون الحياة من تحت الركام
- فلسطين… شعبٌ يُذبح بالحرب ويُغدر به بالسلام
- لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شها ...
- غزة تنزف دماً… والخذلان العربي يكتب فصول العار
- عبد الهادي أبو شمسية.. رجل الخير الذي غيّبته القضبان


المزيد.....




- من بينها -أرز الستارة-.. تعرّف إلى أبرز 10 أطباق شعبية في تر ...
- تيجان الأزهار.. كيف تحوّلت الورود إلى إكسسوار للشعر مع النجم ...
- محامون و-فيتو-.. هكذا تستعد إدارة ترامب لاحتمال سيطرة الديمق ...
- -التحالف- يعلن إسقاط وتدمير مسيّرة في مكة.. والحوثيون يعلقون ...
- 8 أقمار روسية قادمة للملاحة والاتصالات
- -الرجال الزرق-.. الطوارق في عيون الرحالة الأوروبيين
- هل ينتظر ترامب إغلاق الصناديق لفتح باب الحرب؟ ابحثوا عن -جبل ...
- إغلاق مطار وارسو إثر إنذار بوجود قنبلة على متن طائرة ركاب قا ...
- نائب إيراني: نمتلك صواريخ تصل إلى الولايات المتحدة
- ناشط فرنسي يطالب باريس بكشف خرائط التجارب النووية في الجزائر ...


المزيد.....

- العصر الفارسي وأصول إسرءيل / محمود الصباغ
- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - وعد بلفور... لماذا وبّخني الدكتور أنيس صايغ حين وصفته بالمشؤوم؟