أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - ميسرة أبو حمدية ونزار بنات... وداعٌ في المستشفى، وجوارٌ أبديّ في مقبرة الشهداء














المزيد.....

ميسرة أبو حمدية ونزار بنات... وداعٌ في المستشفى، وجوارٌ أبديّ في مقبرة الشهداء


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 14:24
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليس كل الشهداء مجرد أسماء في سجل طويل من الغياب، فبعضهم يتركون خلفهم سيرةً تختصر حكاية وطن، ورجالاً عاشوا لقضيتهم ومضوا وهم يحملونها حتى اللحظة الأخيرة.

الشهيد ميسرة أبو حمدية واحد من هؤلاء الرجال الذين لم تكن فلسطين بالنسبة إليهم شعاراً يُرفع، بل كانت انتماءً وموقفاً وبوصلة حياة.

منذ شبابه اليافع، التحق ميسرة أبو حمدية بصفوف الثورة الفلسطينية، وكانت البندقية رفيقة دربه، وفلسطين بوصلته التي لم تتغير. جسّد في سلوكه معنى الوحدة الوطنية، وعُرف بتواضعه وهدوئه ودماثة أخلاقه، كما عُرف بشجاعته وجرأته وصلابة مواقفه. كان رجلاً واضح البوصلة، لا تلتبس عليه الاتجاهات، ولا تدفعه الظروف إلى التخلي عن قناعاته.

عاد إلى فلسطين عام 1998، لا قبولاً بالتسوية السياسية، بل إيماناً منه بأن وجوده على أرض الوطن يتيح له أن يكون في موقع نضالي متقدم، وأن يواصل دوره في المكان الذي اختاره قلبه وعقله.

كانت رحلة ميسرة مع الاعتقال طويلة وقاسية؛ اعتُقل للمرة الأولى عام 1969، ثم عام 1975، ومرة ثالثة عام 1976، قبل أن يُبعَد إلى الأردن عام 1978. وبعد عودته إلى الوطن عام 1998، اعتقله الاحتلال مجدداً عام 2002، ليبقى خلف القضبان حتى استشهاده في الثاني من نيسان/أبريل عام 2013.

وُلد ميسرة في الخليل، وتشير شهادة ميلاده الرسمية إلى أنه من مواليد عام 1949، فيما تفيد الحقيقة التي تعرفها عائلته بأنه وُلد عام 1948. وربما ارتبط اختلاف تاريخ الميلاد بصعوبة التسجيل في ظروف حرب النكبة وما أعقبها.

لم يكتفِ الاحتلال بحرمانه من العلاج، بل مضى في سياسة الإهمال الطبي، حتى استُشهد في مستشفى سوروكا، صباح الثلاثاء، الثاني من نيسان/أبريل 2013. رحل ميسرة بعد معاناة داخل الأسر، تاركاً خلفه سيرة رجل لم يتخلَّ عن انتمائه ومواقفه، حتى وهو يواجه المرض وقسوة السجن.

من مستشفى الأهلي إلى مقبرة الشهداء... حكاية وداع جمعت ميسرة ونزار

لم يلتقِ الشهيد ميسرة أبو حمدية بالشهيد نزار بنات في حياتهما، ولم تجمعهما جلسة أو لقاء أو حديث. لكن القدر شاء أن يقف نزار مودّعاً جثمان ميسرة في المستشفى الأهلي بالخليل، قبل أن يجمعهما الجوار الأبدي في مقبرة الشهداء (إم الدالية)، الواقعة في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل، بالقرب من وادي الهرية.

لم يكن لقاءً في الحياة، وإنما كان وداعاً في المستشفى، ولقاءً أخيراً تحت تراب فلسطين.

ففي صباح الثلاثاء، الثاني من نيسان/أبريل 2013، استُشهد ميسرة أبو حمدية داخل مستشفى سوروكا، بعد سنوات من الاعتقال والمعاناة.

وفي اليوم التالي، الأربعاء، أُفرج عن جثمانه، ونُقل إلى معهد الطب الشرعي الفلسطيني في بلدة أبو ديس، شرق القدس المحتلة.

ومع حلول فجر يوم الخميس، وصل الجثمان إلى المستشفى الأهلي في الخليل، قرابة الساعة الثالثة فجراً. كان المشهد مهيباً؛ جمهور رافق الجثمان من المشرحة، وآخرون احتشدوا عند مدخل الخليل لاستقباله، فيما كانت ساحات المستشفى الأهلي تمتلئ بالجماهير التي جاءت لاستقبال جثمان الشهيد وتوديعه.

وكان نزار بنات بين الحاضرين، فوقف أمام جثمان ميسرة في المستشفى الأهلي مودّعاً، دون أن يعلم أن تلك الوقفة ستكون آخر ما يجمعه بميسرة في الحياة، وأن الأيام ستخبئ له مصيراً يشبه مصيره، فيرحل هو الآخر شهيداً، ويُوارى الثرى إلى جواره في مقبرة الشهداء بالخليل.

لم يكن نزار يعلم أن المسافة بين ذلك الوداع ومثواه الأخير ستُطوى يوماً، وأن الرجل الذي وقف أمام جثمانه مودّعاً سيصبح لاحقاً جاره في المقبرة.

استُشهد ميسرة داخل سجون الاحتلال، ورحل نزار بعد اغتياله. اختلفت ظروف استشهادهما، لكنهما التقيا أخيراً في مقبرة الشهداء بالخليل، حيث جمعهما الجوار بعد أن فرّقتهما الحياة.

حتى بعد استشهادهم... لا يسلم الشهداء من حقد الاحتلال

يبدو أن الاحتلال لا يكتفي بملاحقة الفلسطيني في حياته، ولا يطمئن إلى غيابه بعد استشهاده. فحقده يمتد إلى صور الشهداء وأسمائهم وجدارياتهم، وكأن قتل الإنسان لا يكفي، بل لا بد من محاولة محو أثره من ذاكرة الناس أيضاً.

في التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أقدمت قوات الاحتلال على تحطيم جدارية الشهيد ميسرة أبو حمدية. وقبل نحو شهرين، كانت جدارية الشهيد نزار بنات، التي أنجزها الفنان يوسف كتلو بعد اغتياله بنحو شهرين، قد تعرضت هي الأخرى للتحطيم على يد قوات الاحتلال.

جدارية ميسرة حُطّمت، وجدارية نزار حُطّمت، وكأن الاحتلال يخوض معركته مع الصور والألوان والحجارة، بعدما عجز عن إسكات حكايات أصحابها.

ما الذي يخيف الاحتلال من صورة رجل استُشهد قبل ثلاثة عشر عاماً؟ وأيُّ انتصار يمكن أن يحققه بهدم جدارية أو طمس ملامح شهيد؟

إنهم لا يحاربون الصورة وحدها، بل يحاربون ما تحمله من ذاكرة، وما تتركه من أثر في وجدان الناس. يريدون أن يكون الموت نهاية الحكاية، وأن تتحول أسماء الشهداء إلى مجرد أرقام في سجلات قديمة، لكنهم ينسون أن الذاكرة الفلسطينية ليست جداراً يمكن هدمه، ولا لوحة يمكن تحطيمها.

لقد استُشهد ميسرة أبو حمدية داخل السجون، ورحل نزار بنات بعد اغتياله، ثم امتدت يد الاحتلال إلى جداريتيهما. وبين قبرين متجاورين وصورتين حُطّمتا، تتجسد حكاية احتلال لا يكتفي بملاحقة أصحاب المواقف، بل يواصل مطاردتهم حتى بعد أن يصبحوا في ذمة التاريخ.

قتلوا الجسد، ثم حطّموا الصورة، لكنهم لم يستطيعوا قتل الحكاية.

رحم الله الشهيد ميسرة أبو حمدية، والشهيد نزار بنات، وكل شهداء فلسطين.

فالشهداء لا يحتاجون إلى جداريات كي يبقوا في الذاكرة؛ نحن الذين نحتاج إلى أن نتذكرهم، كي لا ننسى الحكاية، ولا ننسى الرجال الذين دفعوا أعمارهم ثمناً لمواقفهم.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وعد بلفور... لماذا وبّخني الدكتور أنيس صايغ حين وصفته بالمشؤ ...
- غزة في غِيَابَةِ الجُبِّ... حين تخلّى العالم عن ضميره
- دغموش، وخليل نزار بنات... ما زال في القلب متّسع للأمل
- باجس أبو عطوان... ملك الجبل الذي لم يحتمل الاحتلال بقاء صورت ...
- نزار بنات والزيتون الفلسطيني... جذورٌ لا تُقتلع وذاكرةٌ لا ت ...
- نزار بنات... وجع الخليل وصمت العالم
- نزار بنات... تعازينا لهذه الأمة العظيمة في استشهاد عظمائها
- من زيتون ترمسعيا إلى دم نزار بنات… أين حماة الوطن؟
- اقتلعوا أشجار الزيتون… ولم يقتلعوا الحكاية
- من نزار بنات إلى مزيد سقف الحيط... العدالة في قفص الاتهام
- مزيد سقف الحيط… حين يصبح صاحب الرأي زبوناً دائماً في المحاكم
- سمر حمد… حين تُغيَّب الأم وينكسر قلب الطفولة
- سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال
- سمر حمد… حوارٌ يتيم، وغيابٌ ترك في القلب غصّة
- أنيس النقاش ونزار بنات… رحل الرجال وبقيت الكلمات
- 7 أكتوبر… الانفجار الذي سبقه الخراب
- معلمو غزة… يُعلِّمون الحياة من تحت الركام
- فلسطين… شعبٌ يُذبح بالحرب ويُغدر به بالسلام
- لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شها ...
- غزة تنزف دماً… والخذلان العربي يكتب فصول العار


المزيد.....




- عريس بفستان وعروس ببدلة.. مشروع فني يوثّق 17 عامًا من حياة ع ...
- ميلانيا ترامب ستستقبل ممثلين عن روسيا وأوكرانيا في البيت الأ ...
- قاليباف يعلق على منشور فانس بعد خسارة الانتخابات: دعك من محا ...
- وزيرا خارجية إيران وعُمان يبحثان الوضع في المنطقة
- روسيا.. العدوان على إيران هزّ الداخل الأمريكي
- إسرائيل فجّرت 3300 لغم في الجولان خلال 2026
- بعد خسارة الكونغرس.. ترامب يعزز دوره في السياسة الخارجية
- إثيوبيا والسودان يتبادلان طرد الدبلوماسيين والاتهامات
- مصر تنقذ ناقلة بترول في البحر المتوسط
- حاملات طائرات أمريكية مقابل سنت واحد!


المزيد.....

- العصر الفارسي وأصول إسرءيل / محمود الصباغ
- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - ميسرة أبو حمدية ونزار بنات... وداعٌ في المستشفى، وجوارٌ أبديّ في مقبرة الشهداء