|
|
-على حافة الغياب.. رقصة أخيرة فوق حديد بارد- مع مع قراءتين نقديتين
فاطمة الفلاحي
(Fatima Alfalahi)
الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 20:12
المحور:
الادب والفن
"على حافة الغياب.. رقصة أخيرة فوق حديد بارد" خُطىً وئيدة، تتلوى كأحلامٍ ضلت طريقها في زحام الهويات المستعارة. هناك، حيث يمتد قضيبان من حديدٍ بارد، لا يلتقيان أبدًا، تقف هي.. كأنها لاعبة سيركٍ أسطورية، تتوازن على خيط رفيع بين البقاء والتهاوي. كل خطوة تخطوها فوق تلك السكة المهجورة، هي مراوغة لجاذبية الحزن التي تشدها إلى الأسفل. وجهها يفيض بمرحٍ طفولي باذخ، ضحكاتها الصغيرة تتطاير في الهواء، مثل فقاعات صابون ملونة، تملأ الفراغ بهجةً وعنادًا. لكن، وا أسفاه على ما وراء الضحكة! تحت ذلك الفرح اللحظي، يربض ثقل دهرٍ من الخذلان، ومرارة زمنٍ كأنه سوق كبير للأقنعة، يبيع الزيف ويشتري النقاء، زمنٍ أورث روحها الغضة تشتتًا وشتاتًا لا أول له ولا آخر. لقد فرّت. انخلعت من صخب المدينة الكاذبة، وهربت من وجوهٍ ترتدي ملامح ليست لها. جاءت إلى هذا المدى المنسي، لتبحث بين الحصى والحديد عن طفولتها المفقودة، وعن ذاتها البكر التي لم تلوثها خيبات البشر. تمرح وحدها، لا لتنسى الحزن، بل لتروضه، ولتعيد ترتيب شظايا روحها بعيدًا عن عيون النفاق. إنها رقصة الروح في معزلها الأخير، استردادٌ للدهشة في زمنٍ أضاع بوصلة الحقيقة. --- فاطمة الفلاحي
القراءة الأولى :
رقصة الروح على حافة الانكسار: حين تصبح البهجة مقاومة للخذلان قراءة أدبية في نص «على حافة الغياب.. رقصة أخيرة فوق حديد بارد» للقاصة فاطمة الفلاحي بقلم:د. عادل جوده - العراق. المقدمة تنسج فاطمة الفلاحي في هذا النص نسيجا أدبيا مشبعا بالدلالات النفسية والرمزية، حيث تتجاور الطفولة مع الخذلان، والمرح مع الألم، والحرية مع احتمالات السقوط. نحن أمام مشهد يتجاوز صورته الخارجية ليتحول إلى مرآة لروح أنهكتها الأقنعة، فاختارت العزلة ملاذا تستعيد فيه نقاءها المفقود. إنها كتابة تفتح أبواب التأويل، وتجعل من الحركة البسيطة فوق قضبان الحديد حكاية إنسانية عميقة عن مواجهة العالم واسترداد الذات. أولا: رمزية الحديد وحافة الغياب منذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام مفارقة وجودية لافتة؛ فالغياب ليس مجرد ابتعاد عن المكان، بل انسحاب من عالم فقدت فيه الروح قدرتها على الاطمئنان. أما الحديد البارد، فيستحضر قسوة الواقع وجموده، بينما تتحول السكة المهجورة إلى فضاء رمزي تتقاطع فيه احتمالات النجاة والتهاوي. والقضيبان اللذان «لا يلتقيان أبدا» يبدوان كصورتين لطريقين متوازيين: ما تتمناه الذات وما يفرضه الواقع. وهكذا يغدو التوازن فوقهما استعارة دقيقة عن إنسان يحاول ألا يسقط، رغم أن الأرض النفسية تحته مثقلة بالخذلان. ثانيا: ضحكة تخفي جراح الروح تبلغ المفارقة ذروتها حين ترسم الكاتبة بطلتها بوجه يفيض بالمرح الطفولي، وضحكات تتطاير كفقاعات الصابون الملونة. إن الصورة تمنح المشهد خفة بصرية آسرة، لكنها تخفي خلف ألوانها هشاشة عميقة. فالضحكة هنا ليست دليلا على غياب الحزن، بل وسيلة لمقاومته، وقناع مضاد للأقنعة التي أرهقت صاحبتها. ومن جماليات النص أن الكاتبة لا تصرح بالألم منذ البداية، بل تترك البهجة تتفتح، ثم تكشف ما يختبئ تحتها من مرارة، فتمنح القارئ صدمة شعورية توقظ حساسيته تجاه الأحزان الصامتة. ثالثا: الهروب بوصفه استعادة للذات إن فرار البطلة من صخب المدينة ووجوهها المستعارة ليس هروبا جبانا، بل احتجاج على الزيف الاجتماعي. فالمدينة تتحول إلى سوق للأقنعة، حيث يباع الصدق وتضيع ملامح الحقيقة. وفي مقابل هذا العالم الملوث، تختار البطلة المكان المنسي بحثا عن طفولتها وذاتها الأولى. هنا تتجلى براعة فاطمة الفلاحي في تحويل العزلة من علامة انكسار إلى مساحة للترميم الداخلي؛ فالبطلة لا تهرب كي تنسى، وإنما كي تواجه جراحها بعيدا عن أعين لا تعرف الرحمة. رابعا: جمالية الصورة وانتصار الدهشة تتضافر الاستعارات في النص لتصنع لوحة تجمع الحركة بالسكون، والمرح بالحزن، والحديد بقابلية الروح للحياة. وتبرز عبارة «لتروضه» باعتبارها مفتاحا دلاليا؛ فالحزن ليس خصما يمكن محوه، بل قوة ينبغي تدجينها كي لا تستولي على الإنسان. وتنتهي التجربة باسترداد الدهشة، وهي قيمة جمالية وإنسانية تعني استعادة القدرة على رؤية العالم بعين لم يستنزفها اليأس. الخاتمة إن نص فاطمة الفلاحي ليس حكاية امرأة ترقص فوق قضبان مهجورة، بل حكاية روح تحاول إنقاذ ما تبقى من براءتها في عالم يضيق بالحقيقة. لقد جعلت الكاتبة من الرقصة فعلا للمقاومة، ومن العزلة بداية للمصالحة، ومن الضحكة نافذة تطل منها الحياة رغم الألم. وهنا تكمن قوة النص: أن يذكرنا بأن بعض الأرواح لا تبحث عن عالم بلا حزن، بل عن مساحة آمنة تستطيع فيها أن تحزن دون أن تنكسر، وأن تبتسم دون أن تتنازل عن حقيقتها. تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹
القراءة الثانية:
قراءة انطباعية تأويلية وجدانية بقلم الدكتور عاشور مرواني «على حافة الغياب.. رقصة أخيرة فوق حديد بارد» بقلم فاطمة الفلاحي تنسج فاطمة الفلاحي نصًّا تتجاور فيه براءة الطفولة مع قسوة العالم، وتتحوّل فيه الحركة فوق السكة الحديدية إلى صورة رمزية لروح تحاول استعادة توازنها في عالم فقد توازنه الأخلاقي والإنساني. انطباعيًا، تستوقفنا المفارقة بين المرح الظاهر والحزن المستتر؛ فضحكات المرأة وفقاعات الصابون الملونة لا تبدو نقيضًا للألم، بل محاولةً لاستعادة حقّ مسلوب في الفرح. كأنّ الشخصية لا ترقص لأنها تحرّرت من الحزن، بل لأنها ترفض أن تمنحه حياتها كاملة. تأويليًا، تكتسب السكة الحديدية دلالتها من امتدادها المتوازي الذي لا يلتقي؛ وكأنها تجسيد لمسارين متجاورين: الذات التي تتوق إلى الصفاء، والعالم الذي يدفعها إلى الأقنعة والاغتراب. أمّا الحديد البارد، فيقابل حرارة الروح، ويضع هشاشة الإنسان في مواجهة عالم لا يمنحه دائمًا ما يستحقه من أمان. وهنا يصبح العنوان عتبةً دلالية؛ فالغياب ليس غياب الآخرين فحسب، بل غياب الذات عن حقيقتها حين تضطر إلى ارتداء هويات لا تشبهها. وجدانيًا، أكثر ما يلامس الروح هو قول الكاتبة «لا لتنسى الحزن، بل لتروضه». ففي هذه العبارة تتجاوز الشخصية فكرة الهروب إلى معنى أكثر نضجًا؛ إنها لا تطلب محو ذاكرتها، بل استعادة قدرتها على العيش رغم ما خلّفته التجارب من شظايا. فاللعب هنا ليس طفولةً مستعادة بالكامل، بل مقاومةٌ رقيقة لقسوة النضج وخيبات البشر. نفسيًا، يمكن قراءة المرح الطفولي بوصفه محاولة لترميم الذات واستعادة شعورها بالأمان بعيدًا عن الضغوط الاجتماعية. غير أنّ هذه الحركة تحمل وجهين فقد تكون تعبيرًا عن التعافي، وقد تكون استراحة مؤقتة من عالم أثقل الروح بما يفوق احتمالها. وهذا التوتر هو ما يمنح المشهد عمقه؛ إذ لا نعرف إن كانت الشخصية قد استعادت حريتها فعلًا، أم أنها وجدت مساحة صغيرة تتنفّس فيها قبل العودة إلى العالم. فنيًا، يمتلك النص صورًا موحية، ولا سيما التناقض بين برودة الحديد وخفة الفقاعات، وبين الأقنعة والذات البكر. لكن بعض العبارات التفسيرية، مثل «استرداد الدهشة في زمنٍ أضاع بوصلة الحقيقة»، تصرّح بما نجحت الصور السابقة في الإيحاء به؛ وكان ترك مساحة أكبر للصورة كي تتكلم سيمنح النص كثافةً شعرية أعلى. خلاصة القراءة لا ترقص هذه المرأة فوق الحديد لتحتفل بالنجاة، بل لتختبر إن كان في داخلها متّسعٌ لفرحٍ لم تستطع الخيبات اغتياله. وهنا تكمن إنسانية النص: أحيانًا لا تكون استعادة الذات عودةً إلى ما كنّاه، بل محاولةً لإنقاذ ما تبقّى منّا قبل أن يتحوّل الحزن إلى هويتنا الأخيرة. تحية تقدير للأستاذة فاطمة الفلاحي، لنصّ يضع براءة الروح في مواجهة أقنعة العالم، ويتركنا أمام سؤال موجع: حين نهرب من زيف الآخرين، هل نعثر على ذواتنا، أم نكتشف كم ابتعدنا عنها؟ د. مرواني عاشور بن أحمد الناقد والمحلل الأدبي
#فاطمة_الفلاحي (هاشتاغ)
Fatima_Alfalahi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كيمياء الوحل للشاعر طاهر عرابي وبرفقة نخبة من أساتذة النقد
-
دهشة النص وعتب الكاتب
-
القيامة المرجئة: مدوّنة الطين والرماد * بقلم فاطمة الفلاحي م
...
-
عيد، الزاباي وشفاه، عازف الليل نصوص الشاعرة فاطمة الفلاحي بص
...
-
عزلة الملح والصولجان بقلم: فاطمة الفلاحي مع قراءتين نقدية بق
...
-
مرآة المحو الخالص مع قراءة نقدية بقلم الدكتور الناقد عادل جو
...
-
قراءة أدبية في نصوص الهايكو- الجزء الثاني للشاعرة فاطمة الفل
...
-
فن التوقيعة للشاعرة فاطمة الفلاحي مع قراءة أدبية بقلم الدكتو
...
-
طيف حزين في صوت جيلان مع قراة أدبية بقلم فاطمة الفلاحي
-
نجاة مؤجلة بقلم فاطمة الفلاحي مع قراءة أدبية بقلم الدكتور عا
...
-
الأم، الظل الظليل- قصائد هايكو بقلم الشاعرة فاطمة الفلاحي مع
...
-
صدفة عبور - قصيدة روحية صوفية في فناء الذات مع قراءة بقلم ال
...
-
أدب السجون - قصائد هايكو للشاعرة فاطمة الفلاحي والقراءة الأد
...
-
ملجأ من عظام وريح وقراءة نقدية بقلم فاطمة الفلاحي
-
قراءة نقدية فلسفية في القصة القصيرة بعنوان -ثماني ساعات- للق
...
-
قراءة في هايكو (أعودُ إليّ) لنص الشاعرة فاطمه الفلاحي بقلم س
...
-
أُمُّ جَبّار لا تَرمي شيئًا..!!!
-
قراءة أدبية نقدية في قصيدة -مَن أنا؟ - للشاعرة ماري العميري
...
-
قراءة صوفية وتأملية في نص الأديب الصوفي ابراهيم عثمان بقلم ف
...
-
قراءتان أدبية لنصين -مفتاح الصول- و -الساعة الآن- للشاعرة فا
...
المزيد.....
-
موسيقى السيرك في المدرجات.. جماهير فالنسيان الفرنسي تحتج بسخ
...
-
موسيقى السيرك.. جماهير نادٍ فرنسي تحتج بأسلوب ساخر على أداء
...
-
25 عاماً على أفلام هاري بوتر في السينما: إنتاج جديد كمسلسل ه
...
-
قاعات أمريكية كبرى ترفض استضافة جولة الفنان ماكلمور الداعمة
...
-
إليسا تعلن ارتباطها برجل ليس لبنانيا
-
خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
-
مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
-
-أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
-
رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس
...
-
-رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح
...
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|