أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - جذر الداء














المزيد.....

جذر الداء


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 17:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


رفع الخوارج شعار "إن الحكم إلا لله"، في الرد على علي بن أبي طالب بعد انشقاقهم عن جيشه بحجة قبوله التحكيم مع معاوية بن أبي سفيان. فرد عليهم علي، بقولة عميقة المعنى قوية الدلالة ما تزال تتردد في فضائنا الثقافي حتى اليوم:"كلام حق يُراد به باطل، القرآن لا ينطق، وإنما يتكلم به الرجال". على هذا النحو، وُلد مفهوم "القرآن حمَّال أوجه"؛ إذ كان يمكن لرؤى علي أن تؤسس لقراءة علمية للنص الديني، تُثمر تعددية ثقافية عربية، تقرأ النصوص في سياقاتها التاريخية وتُخضعها لقوانين عصرها. ودون ذلك، تذوب الفواصل بين الماضي والحاضر، فيظل الثاني أسيرًا في فلك الأول، ويخيم الجمود والركود. نعم، النص الديني لا يفسر نفسه بنفسه، بل يفسره البشر؛ وهم أبناء مراحل تختلف كل منها بمستجداتها وتحولاتها عن سابقتها، وبالتالي يُفترض أن يواكبها فهم الدين ودوره.
لقد توجهت النصوص الدينية إلى البشر بمنطوقها ومدلولها، مُذّ تجسدت في التاريخ واللغة، فخضعت وتخضع لتفسيراتهم وتأويلاتهم واجتهاداتهم. وهي اجتهادات مرهونة بمصالحهم، وبظروف الزمان والمكان، والإنسان ابن واقعه بأبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لذا، من الطبيعي أن يختلف الناس في فهم النصوص الدينية وتفسيرها وسيظلون مختلفين، لكونها ثابتة في المنطوق، متحركة في المفهوم بناء على ما سبق ذكره. وهذا ينفي قاعدة "لا اجتهاد في ما فيه نص"، إذ لا يكتسب النص صفته اللغوية والتشريعية دون تفسير وتأويل وفهم. فالظروف الموضوعية والذاتية للقارئ تقرر الفهم، وتوجِّه التأويل، مثلما تتحكم في التفسير.
برَّرَ الخوارج خروجهم على علي بحجة "إن الحكم إلا لله"، بناء على فهمهم للآية (44) في سورة المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). بالعودة إلى مراجعنا في تفسير آي القرآن الكريم، نجد أن هذه الآية لا علاقة لها بالسياسة وشؤون الحكم، بل تخص لجؤ يهود إلى النبي عليه السلام ليحكم بينهم في قضية زنا أقدم عليها اثنان منهم. لكن الخوارج انتزعوا الآية من سياقها التاريخي، ووظفوها سياسيًَّا. وما نزال نحن العرب، دون غيرنا من البشر، نعاني مصيبة انتزاع نصوص الدين من سياقاتها التاريخية، وتوظيفها لتبرير سياسات ليست بريئة وممارسات إجرامية. وعلى هذه الأرضية الخصبة بالصراع، اندلعت معركة العقل والنقل في ثقافتنا، ولعل من أفدح نتائجها تمحور العقل العربي حول النص الديني.
تتجلى هيمنة النقل في تقييد العقل داخل أسوار النص، واغتراب التاريخ في فلك السمعيات والمرويات. وهي خطورة مزدوجة الأثر، تتأكد شواهدها في ماضينا وحاضرنا على حد سواء.
يُفترض بمنطق النقل عجز البشر عن إدراك مقاصد النصوص الدينية، ما لم تَهِب العناية الإلهية بعضهم قدرات خاصة تمكنهم من ذلك، كما يقول المتصوفة. ولعل أخطر ما في هذا التصور أنه يفضي إلى منح الماضي (زمن النص)، أولوية معرفية مطلقة؛ لكونه الجوهر والثابت، فيغدو هو الأصل والحاضر فرعًا عنه، يَخضع له ويُستلب لصالحه. في هذا المنظور الرجعي الظلامي، الماضي أصل مثالي وأنموذج يجب أن يشاكله الحاضر وإلا صار منحرفًا وضالَّا وخارجًا عن الدين. وما يزال دمنا يُسفك على مذبح هذه "التهمة"، منذ قرون، وصولًا إلى جريمة قرية حمود، وحتى استشهاد العريف جواد السلايطة أخيرًا.
لا ريب أن أنماط التفكير المبيحة للقتل مضادة للإنسانية ولسنن تطور الحياة، لا سيما تلك المؤسَّسة على فهم مشوه شاذ لنصوص الدين المنتزعة من سياقاتها التاريخية.
كلمة أخيرة: الإرهاب باسم تطبيق شرع الله جريمة مكتملة الأركان، لا تكفي الحلول الأمنية في التعامل معها، بل إن الأهم تجفيف مستنقعاتها المرجعية.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إلى الطائشين على شبر ماء العواطف
- حَلٌّ لا حلَّ سواه
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (6) كيان بلا هوية.
- محاولة لتشخيص الداء ووصف الدواء
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (5)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (4)
- دول أم مجاميع قَبَلِيَّة ومذهبية؟!
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (3)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (2)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (1)
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (15) والأخيرة. السيطرة الأج ...
- الأردن ليس فقيرًا ولكن...!
- الطوفان سومري الأصل
- من أين اقتنص أحبارهم فكرة التوحيد؟
- ثلاث رؤى في خَلق الإنسان
- سر ذكورية الأديان السامِيَّة
- وهم الوطن البديل
- رافدا الخِصاء الفكري
- ليس بالنِّفاق تُبنى الأوطان
- تخلفنا ليس مُنْبَتِّ الجذور


المزيد.....




- الأوقاف الفلسطينية: الاحتلال الإسرائيلي يغلق الحرم الإبراهيم ...
- عاجل | آيزنكوت: من شروط الانضمام للحكومة الاعتراف بيهودية دو ...
- دراسة: تراجع نسبة المسيحيين بالقدس من 25 إلى 1.56 بالمئة خلا ...
- 70 ألفا يؤدون الجمعة في المسجد الأقصى
- إسرائيل تستعد لموجة هجرة يهودية أمريكية
- -كانوا جيراننا-... متحف -شماش- في بغداد يستحضر ذاكرة يهود ال ...
- فرانكفورت تشهد افتتاح أول أكاديمية يهودية من نوعها في أوروبا ...
- الجماعات الإسلامية: مراجعات فكرية أم مناورة؟
- عبدالرحمن السيد: ملتزم بحماية المجتمع اليهودي بقدر التزامي ب ...
- اتفاقية الطائف.. كيف تجاوز اللبنانيون عقدة صلاحيات الرئيس وإ ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - جذر الداء