أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - حَلٌّ لا حلَّ سواه














المزيد.....

حَلٌّ لا حلَّ سواه


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 12:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


رفض فصل الدين عن الدولة يعني، في أحد وجوهه، التعامل مع الدين كما لو أنه نظام سياسي اجتماعي يفرض على رعاياه الطاعة العمياء تحت طائلة العقوبات المشدَّدَة.
لم يعرف تاريخنا العربي بعد الاسلام دولة دينية، حتى في عصر النبوة. أما تعابير من نوع "الدولة الإسلامية"، و "الإسلام دين ودولة" فهي حديثة النحت، الأول بدأ يظهر في أدبياتنا خلال النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي، والثاني صاغه حسن البنا، مؤسس جماعة الأخوان المسلمين. والقرآن الكريم كتاب مقدس، وليس مؤلَّفًا في السياسة وشؤون الحُكم. ولا توجد في الإسلام نظرية سياسية محددة الملامح والآليات؛ ولو أن العكس هو الصحيح لاحتكم إليها كبار الصحابة بشأن الخلافة لتجنب الصراعات الدموية عليها. ففي معركة صفين وحدها بين جيشي علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قُتِل سبعون ألف مسلم على عُهدة مصادرنا التاريخية، وقبلها في معركة الجَمل بين علي وعائشة بلغ عدد الضحايا عشرة آلاف ترفعه بعض المصادر إلى عشرين ألفًا.
كما أن الحُكم وإدارة الدول شأن دنيوي، لا سيما في زمننا الراهن، حيث الدولة يُفترض أن تكون لكل مواطنيها بغض النظر عن الدين والعِرق واللون والجنس. في عالم اليوم، نكاد نكون الشعوب الوحيدة التي لم تُعطِ بعد لله ما لله ولقيصر ما لقيصر، إذ ما يزال وعينا الجمعي تائهًا في زحمة الاشتباك بين الديني والدنيوي.
وحصيلة ذلك، التنازع على صلاحيات السماء وخسارة الدنيا، إلى حدّ أننا نستورد جُل ما نستهلك، بما في ذلك رغيف الخبز وسجادة الصلاة. ولا دليل يبلسم الأنفس التائهة في العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين، ويطمئنها بأن الفوز في الآخرة مضمون. ومن الأقوال اللافتة بهذا الخصوص لعبدالرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد":" إن أسير الاستبداد المعذَّب المنتسب إلى دين يسلّي نفسه بالسعادة الأخروية، فَيَعِدها بجنان ذات أفنان ونعيم مقيم أعدَّه له الرحمن، ويبعد عن فكره أنَّ الدنيا عنوان الآخرة، وأنَّه ربما كان خاسراً الصفقتين". فالتجربة الدينية ذات طبيعة حدسية شعورية في أساسها، تقوم على الرجاء والاعتقاد، ولا يمكن إخضاعها لمعايير البرهنة العقلية. والطريق إلى الله تعالى بعدد أنفاس البشر، وليس من حق أحد ادعاء أن فهمه للدين هو الدين ذاته، فما يظنه أو يدعيه إنما يعبر عن قراءته الخاصة به للدين، والبون شاسع بين الدين والتديُّن. من هنا ندلف إلى حقيقة استحالة توافق أتباع أي دين على تفسير وفهم موحَّدين للدين؛ لأسباب لا تحتمل الجدل، من أهمها أن الدين مطلق ثابت بينما الحياة نسبية متحركة لا تتوقف عن الإتيان بالجديد المستجد. ويتمثل السبب الثاني في تباين المصالح والتدافع لتحقيقها، ولو استدعى الأمر توظيف المقدس في خدمة المُدَنَّس. ولا يفوتنا تأكيد سبب ثالث، وهو حقيقة أن نصوص الدين حمَّالة أوجه، يمكن تفسيرها في أكثر من اتجاه. ونستدعي رابعًا، أدلجة الدين، أي تحويله إلى أيديولوجيا. في هذه الحالة، يتحول الدين من حاجة انسانية نفسية إلى منظومة شمولية مغلقة، تعيد صياغة العقل على نحو ديماغوجي متحجر ومنقطع الصِّلة بالواقع. ولا ريب أن عقلًا هذا شأنه يفسر الأشياء بشيء واحد، ويستسلم لأحلام خلاصية لا تحتمل النقاش في نظره. دين الأيديولوجيا ذو طابع جزمي إطلاقي، يغلق نوافذ التفكير فيحاصر العقل ويرفض التفكير خارج صندوقه. ومن سِمات الأيديولوجيا توظيف المكبوتات التاريخية ومشاعر الكراهية، لتحريك الغرائز. والنتيجة الحتمية هي إشاعة أجواء التوتر والكراهية في المجتمعات، لا سيما متعددة الأديان والمذاهب، وقد يعقبها ما لا تُحمد عقباه.
على أرضية أدلجة الدين، لا غرابة في ذيوع مقولات من قبيل: "ابتعادنا عن الإسلام سبب أوضاعنا المتردية"؛ وكأن الدول العظمى في عالمنا غارقة في التعبد والتبتل!
والحق أن نرجسية مفرِطة تقف خلف طرح كهذا، يلوّكه البعض دون وعي، بينما يبتغيه صانعوه غطاء على العجز عن اللحاق بالأمم المتقدمة.
وننتقل خامسًا، إلى الفهم السائد للدين في مجتمعاتنا، بناء على ما نرى ونقرأ ونسمع ونلمس. في واقعنا العربي القائم، لا يُفهم الدين بناء على السياقات التاريخية لمرحلة ظهوره بأبعادها المادية والسياسية والاجتماعية، بل بإهدارها بحسبانه عابرًا للمراحل التاريخية ومتعاليًا على الخبرة الإنسانية. فلم يعد مقبولًا حتى الآن أن يدرَّس الدين في المؤسسات التعليمية بمعزل عن العلوم الحديثة ذات الصِّلة؛ كعلم الأديان المقارن وعلم نفس الأديان. ولا يعقل إلى الآن ألا يكون للفلسفة دور في تشكيل وعي أجيالنا، لا سيما في زمن الانفتاح والتعددية والفضاء المعرفي المفتوح.
مفاد القول؛ التدين السائد في حالتنا العربية، مقارنة بالدول الإسلامية غير العربية مثل تركيا العَلْمانية، على سبيل المثال، يُدخِل العقل في سُبات يرمي بنا خارج التاريخ؛ فالتاريخ لا يرحم من ينام عقله، وحين ينام تستيقظ الخزعبلات وتستبد الأوهام بالرؤوس.
إن كل ما ذكرنا متضافر الأثر في توليد التطرف، لا سيما في ظل بيئة محكومة بالفقر والبطالة والبؤس والتجهيل، فضلًا عن تسييس الدين؛ الذي تُعد الأنظمة الحاكمة أكثر المتشبثين به، لأسباب معروفة، تليها قوى الإسلام السياسي.
تأسيسًا على ما تقدم نتساءل: كم من الأثمان سيدفع العرب حتى يهتدوا إلى ما فعله غيرهم بعد تضحيات جسيمة، وتوصُّلٍ إلى حلٍّ لا حلَّ سواه كما يعلمنا التاريخ، وهو فصل الدين عن الدولة؟ وأهم عناصر هذا الحل إخراج الدين من ملعب السياسة نهائيًّا، والتعامل معه كشأن اعتقادي وتعبدي خاص مكانه دور العبادة.
في هذا الحل الضمانة الأكيدة لمكافحة التطرف واجتثاثه، وحتى لو ظهرت بعض تجلياته، فستبدو غريبة عن المجتمع واقعًا لا مجرد شعار.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (6) كيان بلا هوية.
- محاولة لتشخيص الداء ووصف الدواء
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (5)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (4)
- دول أم مجاميع قَبَلِيَّة ومذهبية؟!
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (3)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (2)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (1)
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (15) والأخيرة. السيطرة الأج ...
- الأردن ليس فقيرًا ولكن...!
- الطوفان سومري الأصل
- من أين اقتنص أحبارهم فكرة التوحيد؟
- ثلاث رؤى في خَلق الإنسان
- سر ذكورية الأديان السامِيَّة
- وهم الوطن البديل
- رافدا الخِصاء الفكري
- ليس بالنِّفاق تُبنى الأوطان
- تخلفنا ليس مُنْبَتِّ الجذور
- محنة الفلسفة في ثقافتنا
- حزب الأمة...أي مؤتمرات لها الأولوية؟!


المزيد.....




- بحماية قوات الاحتلال.. مستوطنون يؤدون طقوساً تلمودية و«انبطا ...
- مستوطنون يغلقون طرقاً حيوية في سلفيت ويعرقلون حركة المواطنين ...
- دار الإفتاء الليبية تحرم شراء ملابس -نايكي- بسبب شعارها ودعم ...
- لا يشجع ريال مدريد وروما فقط.. هذه الاهتمامات الرياضية لبابا ...
- تحالف غير مسبوق.. مطالب في إسرائيل بحكومة ائتلافية يهودية-عر ...
- بعد تجنيد نحو 230 يهوديا حريديا..الشرطة الإسرائيلية تواجه اح ...
- رغم خضوعه لجراحة السرطان.. بابا الفاتيكان يبدأ جولة طموحة في ...
- رئيس الأركان الإيراني يعلن إضافة أهداف جديدة -بلا قيود جغراف ...
- مرشحون عرب ومسلمون يسعون لتوسيع حضورهم في الكونغرس يخوض عشر ...
- البابا ليو يستقبل زملاءه السابقين في فريق كرة السلة بالفاتيك ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - حَلٌّ لا حلَّ سواه