أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - المدرسة التي تُدرّس الخوف














المزيد.....

المدرسة التي تُدرّس الخوف


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 23:52
المحور: الادب والفن
    


كان يعرف، منذ أيامه الأولى في المدرسة، أن لليد المرفوعة أكثر من معنى. بعضها يرتفع للإجابة، وبعضها يستأذن بالخروج، أما اليد التي ترتفع لتسأل سؤالًا لا يعجب المعلم، فلها حكاية أخرى.

في الصف الثالث، جلس سامر في المقعد الثاني قرب النافذة. كان يحب الأسئلة، ويخبئها في رأسه كما يخبئ الأطفال الحصى الملونة في جيوبهم.

ذات صباح، كتب المعلم جملة على اللوح، ثم قال:

— انسخوا كما هي. لا أحد يغيّر حرفًا.

توقف سامر عند كلمة بدت له خاطئة. فتح كتابه وقارن بين السطرين. كان متأكدًا. رفع يده.

لكن فؤاد، الجالس في المقعد الأخير، سبقه إلى الكلام:

— أستاذ، أظن أن في الكتاب كلمة مختلفة.

وضع المعلم الطباشير على حافة اللوح، واستدار نحوه.

— هل أصبحتَ أنت من يصحح للمعلم؟

— لم أقصد، أستاذ. أنا فقط...

— قف في الزاوية. وامدد يديك.

مدّ فؤاد كفيه، فوضع المعلم فوقهما كتابين ثقيلين، ثم عاد إلى الشرح.

كان فؤاد يحاول تثبيتهما. ارتجفت أصابعه، وحين سقط أحد الكتابين، ارتطم بالأرض بصوت جعل الصف يصمت.

التقت عيناه بعيني سامر. لم تكن في نظرته استغاثة، بل انتظار.

تحركت ركبة سامر تحت الطاولة. كادت يده ترتفع، لكنه نظر إلى المعلم، ثم أعادها إلى حضنه.

في الاستراحة، وجد فؤاد خلف المبنى يفرك راحتيه المحمرتين. اقترب منه سامر خطوتين، ثم توقف حين سمع ضحكات التلاميذ في الممر. عاد أدراجه.

ومنذ ذلك اليوم، لم ينسَ الخطوتين اللتين لم يكملهما.

تعلم أن بعض الأسئلة لها ثمن، وأن الصمت قد يبدو حكمة. صار ينتظر غيره ليجيب، ويطوي ملاحظاته في دفاتره. شيئًا فشيئًا، اختفت الأسئلة من جيوبه.

مرت السنوات. غادر سامر المدرسة، ثم عاد إليها معلمًا.

تغير المبنى، واستُبدلت المقاعد الخشبية بأخرى بلاستيكية، واختفى اللوح الأسود وحلّ مكانه لوح أبيض. لكن بعض الأشياء لم تتغير.

كان سامر معلمًا هادئًا، لا يحب الصراخ ولا العقاب أمام الآخرين. ومع ذلك، كان يشعر بانقباض حين يقاطعه تلميذ أو يراجعه أمام زملائه. لم يكن يحب ذلك الشعور، لكنه لم يكن ينجح دائمًا في إخفائه.

ذات صباح، كان يشرح درسًا في التاريخ، وكتب على اللوح تاريخًا معينًا.

— هل هناك سؤال؟

رفع آدم يده. كان يجلس في المقعد الثاني قرب النافذة.

— أستاذ، الكتاب يقول إن الحدث وقع في سنة أخرى.

فتح آدم كتابه وأشار إلى السطر.

اقترب سامر. كان التلميذ محقًا.

أمسك القلم، وشعر بحرارة تصعد إلى وجهه. راحت عيون التلاميذ تتنقل بينه وبين آدم.

وفجأة، عاد إليه صوت الكتاب وهو يرتطم بالأرض، ويدا فؤاد الممدودتان تحت ثقله.

سمع صوت معلمه القديم في داخله:

هل أصبحتَ أنت من يصحح للمعلم؟

فتح فمه:

— لا، أنت لم...

ثم سكت.

كان آدم قد بدأ يخفض كتابه ويضمه إلى صدره.

وضع سامر القلم على الطاولة، ومسح التاريخ المكتوب.

— أنت محق يا آدم. أخطأت في كتابة التاريخ.

ساد الصمت لحظة.

— شكرًا لأنك انتبهت.

جلس آدم ببطء، كأنه لم يعتد سماع هذه الجملة من معلم.

التفت سامر إلى الصف:

— من لديه ملاحظة أخرى؟

ارتفعت يد في الصف الأول، ثم أخرى قرب الباب. أما يد ثالثة، فبقيت معلقة في منتصف الطريق قبل أن تكتمل حركتها.

انتظرها سامر.

في نهاية الدوام، بقي وحده في الصف. كان ضوء العصر يرسم مستطيلًا شاحبًا على الأرض.

توقف أمام المقعد الثاني، ومرر يده على حافته. تذكر مقعده القديم، وفؤاد، والكتابين، والزاوية التي بدت له يومها أبعد من آخر العالم.

تذكر الاستراحة، والخطوتين اللتين لم يكملهما.

لم يكن يعرف أين صار فؤاد، ولا إن كان يتذكر ذلك الصباح.

حمل حقيبته، وقبل أن يغادر، التفت إلى اللوح الأبيض. كانت عليه لطخة صغيرة من أثر القلم. مسحها بإبهامه، فانمحت.

في اليوم التالي، دخل سامر الصف.

كان آدم جالسًا قرب النافذة، يفتح كتابه. رفع رأسه وسأل:

— أستاذ، هل يمكنني أن أسألك سؤالًا؟

توقف سامر.

— تفضل.

رفع آدم يده، ثم أنزلها قليلًا، كأنه لم يعتد بعد أن يتركها مرفوعة.

ابتسم سامر وانتظر.

وخلف النافذة، كانت شجرة الساحة تحرك أغصانها في ريح الصباح.

أما اليد الصغيرة، فبقيت مرفوعة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لسنا جميعًا على طيف التوحّد… لكن من يملك تعريف الطبيعي؟ في س ...
- عَتَبَةُ العالَم
- كلٌّ يدّعي أنّه شعب الله المختار… وأنا في أمرهم حائرة! في سي ...
- الحمد لله… عدتُ إلى نفسي في فلسفة الاغتراب عن الذات، ومعنى أ ...
- حين لا يكون الصمت غياباً… مرام حاج يحيى وسؤال الإنسان الذي ي ...
- لا أريد أن أعدَّ إلى العشرة
- النافذة التي ظلّت مفتوحة
- الكرك وامتحان الإنسانية: حين يصبح الأمان حقًا لا يقبل المساو ...
- الثالثة وسبع عشرة دقيقة
- حين نتحرّر من نفوذ الأذى في استرداد الذات والتحرّر من سلطة ا ...
- وها أنا أبتسم رغم كل شيء
- حين يتنفّس القلب… قراءة في رواية تُصغي إلى ما لا تقوله الأرو ...
- أن نصل إلى الطفل قبل أن نطالبه بالوصول إلينا في حضرة أطفال ط ...
- فريدة وهاب ضبيط… حين ترحل القلوب التي تشبه السماء
- الذين لا يتغيّرون حين تتغيّر حياتنا
- القميص الأزرق
- حين يصبح السجن سياسة
- وجوهٌ لا تغيب حين تكتب الذاكرةُ أصحابَها قراءة في «وجوه في ا ...
- حين يصبح ما أنقذنا سجنًا
- حين يطلب المجتمع من المقهور أن يكون إيجابيًا


المزيد.....




- -إلى من يشبهونني في الحطام-… مرح دلول تكتب الصمت والنجاة في ...
- باتمان: نايت فول.. قراءة سينمائية في الاحتراق النفسي وهشاشة ...
- وثائقي جديد يعيد فتح ملف مأساة فيلم «راست» ومحاكمة أليك بالد ...
- رحيل الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد مسيرة حافلة في الإبداع و ...
- بعد توقف قلبه.. نجل الفنان محمد الحلو يكشف تطورات حالته الصح ...
- وفاة الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد سنوات من الغياب وفقدان ا ...
- باربيس- حي ينبض بالموسيقى
- ميلوني تدعو لتوحيد التمثيل الأوروبي في مفاوضات السلام الأوكر ...
- مليون كتاب للبنان .. استعادة المكتبات من ركام الحرب
- كاريس بشار تكشف سرا عن ابنها وتعلق على مقارنتها بسلافة معمار ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - المدرسة التي تُدرّس الخوف