أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - رانية مرجية - حين يصبح السجن سياسة















المزيد.....

حين يصبح السجن سياسة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 20:47
المحور: أوراق كتبت في وعن السجن
    


ليس أخطر ما في السجن أن تكون له جدران عالية وأبواب لا تُفتح إلا بإذن.

الأخطر أن يصبح ما يحدث خلف تلك الجدران خارج مجال الرؤية، ثم خارج مجال السؤال، ثم، مع الوقت، خارج مجال الاهتمام.

في السجون الإسرائيلية، لا تتحدث الأرقام عن أعداد فقط. أكثر من 9,350 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم أكثر من 3,100 معتقل إداري، ونحو 90 امرأة، وما لا يقل عن 350 طفلًا، وفق المعطيات الواردة في الورقة التي ترصد أوضاع الأسرى حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2026.

خلف كل رقم إنسان. وخلف كل اسم حكاية. وخلف كل زنزانة منظومة كاملة من الإجراءات التي تجعل الألم جزءًا من الحياة اليومية للأسير.

لكن المسألة لا تتعلق بقسوة السجن وحدها. المشكلة تبدأ حين تتكرر القسوة بلا مساءلة، فتتحول من ممارسة إلى سياسة، ومن استثناء إلى قاعدة.

تصف الورقة خلال شهر أيلول سلسلة من الاقتحامات والاعتداءات والتفتيشات العقابية والعزل والحرمان من الاحتياجات الأساسية، إلى جانب تدهور الأوضاع الصحية والغذائية. ومن بين التفاصيل التي ترصدها، انتشار الأمراض الجلدية، ومنها الجرب، بفعل الاكتظاظ والرطوبة وسوء التهوية ونقص مستلزمات النظافة والملابس.

في ظروف طبيعية قد يكون الجرب مرضًا قابلًا للعلاج.

لكن داخل السجن، يمكن أن يتحول إلى حكة وجروح ونزف وحرمان من النوم، وأن يترك أثرًا نفسيًا يتجاوز المرض نفسه.

عندها لا يعود المرض مجرد حالة طبية، بل يصبح جزءًا من تجربة الاحتجاز.

ولعل ما جرى في سجن الدامون للنساء في السادس من أيلول/سبتمبر يكشف جانبًا آخر من هذه التجربة. اقتحام للغرف، إخراج للأسيرات، اعتداءات وإهانات، وإجبارهن على الاستلقاء على الأرض تحت الشمس. وتعرضت إحدى الأسيرات للضرب على ظهرها رغم إصابات وكسور سابقة، فيما صودرت ملابس ومستلزمات شخصية وأدوية واحتياجات أساسية.

هذه التفاصيل لا تحتاج إلى كثير من البلاغة.

يكفي أن نتخيل امرأة تُجبر على مواجهة الأرض تحت الشمس، ثم نسأل: ما الذي يجعل هذا السلوك ممكنًا؟ وما الذي يمنح صاحبه شعورًا بأنه قادر على فعله دون خوف من حساب؟

الإجابة لا توجد في الجدران وحدها، بل في غياب الرقابة والمساءلة.

ويبدو الوضع أشد قسوة بالنسبة إلى الأسرى من قطاع غزة، الذين ترصد الورقة تدهور ظروف احتجازهم، مع نقص الغذاء والملابس ومستلزمات النظافة، واستمرار الاعتداءات وانتشار الجرب، وتقييد الخروج إلى الساحة والاستحمام بالماء الساخن، إلى جانب تراجع الأوضاع الصحية وفقدان بعض الأسرى أوزانًا كبيرة.

وفي بعض المواقع، تتحدث المعطيات عن استخدام الرصاص المطاطي خلال عمليات القمع، وعن إصابات بين الأسرى، وعن ظروف احتجاز تحرم بعضهم من الشمس والصلاة والقراءة والاستحمام المنتظم والخروج إلى الساحة.

قد تبدو هذه الكلمات، حين تتراكم في تقرير، مجرد قائمة من الانتهاكات.

لكنها في حياة إنسان تعني شيئًا آخر تمامًا: يومًا بلا شمس، جسدًا يؤلم ولا يُعالج، طعامًا لا يكفي، مرضًا لا يجد الدواء، وخوفًا لا يعرف متى ينتهي.

والأمر لا يتوقف عند ظروف الاحتجاز اليومية.

فالورقة ترصد أيضًا استمرار التوجه نحو توسيع أدوات الاعتقال الإداري، واستخدام أطر قانونية خاصة بحق معتقلي غزة، إلى جانب الدفع باتجاه تشريعات وإجراءات تتصل بعقوبة الإعدام.

وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال ما يجري داخل السجن.

أي منظومة قانونية يجري بناؤها حول السجين الفلسطيني؟

القانون يفترض أن يكون أداة لحماية الإنسان وتنظيم السلطة. لكن حين يتحول إلى غطاء لتوسيع الاعتقال وإطالة الاحتجاز وتقليص الحقوق، تصبح المشكلة أعمق من الزنزانة نفسها.

تصبح المشكلة في الفكرة التي تقول إن هناك بشرًا يمكن أن تُعلّق حقوقهم لأنهم أسرى، أو لأنهم من غزة، أو لأنهم معتقلون إداريًا.

ومن أكثر ما ينبغي التوقف عنده أن غياب الرقابة الدولية لم يعد تفصيلًا هامشيًا.

بحسب الورقة، يستمر منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى، كما تستمر القيود على زيارات العائلات.

حين يُمنع الطبيب أو المحامي أو العائلة أو الجهة الدولية المستقلة من الوصول، تصبح الجدران أعلى. ليس لأن الأسمنت ازداد، بل لأن عدد الشهود القادرين على رؤية ما يحدث خلفها أصبح أقل.

لهذا لا يكفي أن نوثّق.

التوثيق ضروري، لكنه ليس النهاية. الأسماء والأرقام والشهادات يجب أن تتحول إلى مساءلة، وإلى ضغط سياسي وقانوني، وإلى حماية فعلية لمن هم داخل السجون، خصوصًا الأطفال والنساء والمرضى وأسرى غزة.

لا يمكن أن تصبح حياة الأسير الفلسطيني ملفًا ينتظر اجتماعًا، أو رقمًا يضاف إلى تقرير، أو خبرًا يمر في نهاية نشرة.

فالإنسان الذي يفقد صحته داخل السجن لا يحتاج فقط إلى أن نعرف أنه مريض؛ يحتاج إلى علاج.

والطفل الذي يقبع خلف القضبان لا يحتاج فقط إلى أن نعرف عمره؛ يحتاج إلى أن تتوقف معاناته.

والمرأة التي تتعرض للإهانة والضرب لا تحتاج فقط إلى أن تُروى قصتها؛ تحتاج إلى حماية ومحاسبة.

أما المجتمع الدولي، فإن استمرار غياب الرقابة المستقلة لا يمكن أن يبقى أمرًا عابرًا. فغياب الشاهد لا يعني غياب الانتهاك، بل يعني أن الطريق إلى كشفه ومحاسبة المسؤول عنه يصبح أطول.

السجن ليس مكانًا خارج القانون.

والأسير، مهما كانت التهمة الموجهة إليه، لا يفقد إنسانيته لحظة إغلاق الباب خلفه.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا يحدث في السجون؟

السؤال الأهم هو: كم من الوقت يمكن أن يستمر ذلك من دون أن يصبح الصمت جزءًا منه؟

فأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يصبح السجن قاسيًا.

الأخطر أن تصبح قسوته عادية.

أن نقرأ عن الاعتداء فلا نتوقف.

أن نسمع عن طفل خلف القضبان فننتقل إلى الخبر التالي.

أن نعرف أن مريضًا لا يتلقى العلاج، ثم نكتفي بالقول إن الأمر «موثق».

عندها لا تكون الجدران قد عزلت الأسير عن العالم فقط.

تكون قد بدأت تعزل العالم عن إنسانيته.

وهذا هو الباب الذي لا ينبغي أن نسمح لأحد بإغلاقه.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وجوهٌ لا تغيب حين تكتب الذاكرةُ أصحابَها قراءة في «وجوه في ا ...
- حين يصبح ما أنقذنا سجنًا
- حين يطلب المجتمع من المقهور أن يكون إيجابيًا
- شُموسٌ ووطن من فائض العشق إلى سؤال الكينونة قراءة نقدية تأوي ...
- قبل أن يصل الصوت إلى الصندوق في معركة الشطب: من يقرر حدود ال ...
- أعتذر، لن أصبح روبوتاً
- هل ستعود الحرب؟ حين يصبح السلام امتحانًا للذاكرة
- انهيار كاتب
- نداء خسايكة.. حين نصغي إلى السلوك لنسمع الإنسان
- سلام ابو جمعة … حين تصبح المهنة حبًا، ويصبح الاحتواء أثرًا ل ...
- حين يصحو الضمير،
- المفتاح الذي أضاعه الزمن قراءة في «شقاء الهناء» لإياد الحاج
- الأحياء الأموات: حين تصبح الحياة صورةً للموت قراءة في قصة «ا ...
- افتحوا لهم المسارح… عمو روني روك وذاكرة لا يجوز أن تموت
- حين يعانق الهلالُ الصليب
- الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور قراءة تأويل ...
- جعفر فرح.. حين تصبح العدالة أصعب من الاصطفاف
- الأب عبد المسيح فهيم خمسون عامًا من «نعم»… حين يتحول الكهنوت ...
- «مِلحَةٌ وذابَت»… حين لا يكون الغياب نهاية الحكاية قراءة تأو ...
- الذاكرة حين تصير سنبلة قراءة تأويلية في قصيدة «اكتبني ذكرى ل ...


المزيد.....




- زاخاروفا: كييف تدير زنازين تعذيب سرية
- مندوب تل أبيب بالأمم المتحدة: قرار مهاجمة إيران أمريكي وليس ...
- لم يركّب قسطرة منذ 13 عاما.. مفاجأة بشأن طبيب إعدام كريستا ب ...
- وفاة طالب بانفجار داخل مدرسة بالحسكة.. واليونيسف توثق 550 حا ...
- مدير جمعية الإغاثة الطبية في غزة: المساعدات المصرية تمثل الش ...
- رشاد عبدالغني: توجيهات الرئيس السيسي بشأن أراضي وقف الأمير م ...
- النائب سامي سوس: توجيهات الرئيس السيسي بشأن أراضي وقف الأمير ...
- عضو مركزية حزب الجبهة الوطنية: توجيهات الرئيس السيسي بإنهاء ...
- شهداء وجرحى باستهداف خيام النازحين ومناطق سكنية في غزة
- مخطط -سوندرز- لتفكيك -الأونروا-: استهداف تاريخي لتصفية الشاه ...


المزيد.....

- رهائن عاصفة الصحراء / ملهم الملائكة
- ١-;-٢-;- سنة أسيرا في ايران / جعفر الشمري
- في الذكرى 103 لاستشهادها روزا لوكسمبورغ حول الثورة الروسية * / رشيد غويلب
- الحياة الثقافية في السجن / ضرغام الدباغ
- سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مذكراتي في السجن - ج 2 / صلاح الدين محسن
- سنابل العمر، بين القرية والمعتقل / محمد علي مقلد
- مصريات في السجون و المعتقلات- المراة المصرية و اليسار / اعداد و تقديم رمسيس لبيب
- الاقدام العارية - الشيوعيون المصريون- 5 سنوات في معسكرات الت ... / طاهر عبدالحكيم
- قراءة في اضراب الطعام بالسجون الاسرائيلية ( 2012) / معركة ال ... / كفاح طافش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - رانية مرجية - حين يصبح السجن سياسة