أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - انهيار كاتب















المزيد.....

انهيار كاتب


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 10:39
المحور: الادب والفن
    


كانوا يقولون عنه إنه يرى ما لا يراه الآخرون.

وكان يصدقهم.

لم يكن يعرف إن كان ذلك موهبة، أم نوعًا آخر من العمى.

كان يلتقط الأشياء الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد: يدًا ترتجف وهي ترفع فنجانًا، ابتسامة تأتي في غير وقتها، امرأة تقول: «أنا بخير»، وهي تخبئ أصابعها تحت الطاولة.

ثم يمنح كل تفصيل حكاية.

وهكذا صار كاتبًا.

كتب عن الخوف، والفقد، والخيانة، والأمهات اللواتي يخفين دموعهن، والآباء الذين لا يعرفون كيف يحبون، والأطفال الذين يكبرون قبل أوانهم.

وكان القراء يقولون إن أكثر ما يميزه أنه يكتب عن أشياء لم يعشها أحد إلا وشعر أنها تخصه.

لم يعرفوا أنه كان يكتب، طوال سنوات، عن ليلة واحدة.

ليلة لم يكن يتذكرها كاملة.

ماتت أمه في شتاء بارد.

اتصل خاله صباحًا.

قال:

«أمك ماتت.»

بقي صامتًا.

لم يبكِ.

أغلق الهاتف، وجلس إلى مكتبه.

كانت أمامه صفحة بيضاء.

كتب:

«ماتت أمي.»

ظل ينظر إليها.

ثم شطبها.

كتب:

«رحلت المرأة التي علّمتني الخوف.»

توقف.

شطبها أيضًا.

لأول مرة منذ ثلاثين عامًا، لم يعرف كيف يكتب عن أمه.

وكان ذلك أول ما أخافه.

في طفولته، كانت أمه تستخدم يدها اليمنى في كل شيء.

تفتح بها الباب.

تقطع بها الخبز.

تمشط بها شعره.

لكن في الليلة التي تأتيه أحيانًا في نومه، كانت يدها اليسرى هي التي تمسك كتفيه.

كان في التاسعة.

وكان المطر شديدًا.

ضوء المطبخ مفتوح.

وفي الغرفة المجاورة كان رجل يصرخ.

لم يرَ وجهه.

فقط كتفًا، وظلًا يتحرك على الجدار.

ثم انكسر الزجاج.

بكى.

جاءت أمه.

كانت ترتجف.

أمسكت كتفيه وقالت:

«إذا سألك أحد… قل إنك لم ترَ شيئًا.»

ثم سكتت.

وقالت:

«ولا تتذكر هذه الليلة.»

بعدها…

لا شيء.

أو هكذا ظن.

كبر.

ولم يسألها.

بعض الأسئلة لا تموت لأنها أُجيب عنها، بل لأنها دُفنت جيدًا.

وحين أصبح كاتبًا، بدأت تلك الليلة تتسرب إلى كتبه.

في قصة، امرأة تبكي في المطبخ.

في أخرى، طفلة تختبئ خلف باب نصف مفتوح.

في ثالثة، رجل يخرج من بيت بعد أن ينكسر زجاج النافذة.

كان المحرر يسأله:

«من أين تأتيك هذه التفاصيل؟»

فيجيب:

«من الخيال.»

وكان يصدقه.

في إحدى رواياته، كانت امرأة تهرب من زوجها مع رجل آخر.

ينتظرها الرجل في سيارة سوداء.

لكن السيارة لا تأتي.

سأله المحرر:

«لماذا لم يأتِ؟»

رفع رأسه وقال، دون أن يفكر:

«لأنه كان يجب ألا يأتي.»

ظل المحرر ينظر إليه لحظة.

أما هو، فشعر ببرودة عابرة، ولم يعرف سببها.

كانت هناك أشياء أخرى لا يعرف ماذا يفعل بها.

رائحة عطر رجالي في بعض كوابيسه.

لم تكن رائحة أبيه.

سيارة توقفت أمام البيت في تلك الليلة، ثم اختفت.

ومعطف أمه كان مبتلًا، رغم أنها كانت تقول إن المطر بدأ بعد عودتها.

وفي الصور القديمة، كان أبوه يقف دائمًا على طرف الصورة.

بعيدًا.

كأنه لم يكن يعرف أين يضع نفسه بينهم.

وحين كان يسأل أمه:

«هل كان أبي رجلًا سيئًا؟»

تجيبه:

«كان رجلًا صعبًا.»

لم تقل أكثر.

كان يكره هذه الإجابة.

فالكاتب يحب الأشياء الواضحة.

قبل موتها بشهر، جلس معها في المطبخ.

كانت تقشر تفاحة.

وفجأة قالت:

«هل ما زلت تحتفظ بالساعة؟»

رفع رأسه.

«أي ساعة؟»

توقفت يدها.

ثم قالت:

«لا شيء.»

ضحك.

«أنتِ التي سألتِ.»

لم تجبه.

وضعت السكين جانبًا، وظلت تنظر إلى النافذة.

لم يفهم.

وبعد أسابيع ماتت.

عاد إلى البيت القديم بعد الدفن.

لم يكن يريد البقاء.

فتح الأدراج واحدًا واحدًا.

ملاعق.

مفاتيح.

إيصالات قديمة.

أشياء صغيرة تركها الموت خلفه دون أن يعرف أنها ستصبح ذات يوم مهمة.

ثم وجد الساعة.

ساعة رجالية.

زجاجها مشروخ.

وعقاربها متوقفة عند:

12:17.

ظل يمسكها.

شعر، لسبب لم يعرفه، أنه لمس شيئًا من طفولته.

فتح الدرج مرة أخرى.

كان هناك صندوق صغير.

مقفل.

وجد المفتاح تحته.

لم يكن الصندوق جميلًا.

خشب قديم.

قفل صغير.

ولا شيء يوحي بأنه يحمل سرًا يمكن أن يهدم حياة إنسان.

فتحه.

أوراق.

صورة.

ثلاثة أظرف.

واحد منها باسمه.

بخط أمه.

ظل يحدق فيه طويلًا.

ثم فتحه.

إذا وصلتَ إلى هذه الورقة، فقد كبرت بما يكفي لتعرف أنني كذبت عليك.

لكنني لا أعرف أيّنا كنت أحاول حمايته:

أنت…

أم أنا.

أعرف أنك ستبحث عن مذنب.

لا تفعل.

ما حدث في تلك الليلة لم يكن كما حفظته ذاكرتك.

ولم يكن كما تخيلته أنا بعد سنوات.

الرجل الذي صرخ لم يكن الشخص الذي صنعته في أحلامك.

وأبوك لم يكن الرجل الذي أخبرتك عنه قصصك.

أنا كنت خائفة.

وكنت مخطئة.

وأنت كنت طفلًا.

أما أنا، فكنت امرأة تعرف أكثر مما ينبغي، وأقل مما يلزم.

هناك شخص واحد يعرف ما حدث كاملًا.

ستجد رسالته خلف الصورة.

قلب الصورة.

كان هو في المنتصف.

أمه تضع يدها على كتفه.

وأبوه يقف بعيدًا قليلًا.

خلف الصورة، بخط مختلف:

لم تكن وحدك تلك الليلة.

كانت الرسالة الأخيرة من خاله.

قرأها مرة.

ثم أعاد قراءتها.

لم يكن فيها شيء يصلح لحكاية سهلة.

كان أبوه قد عرف أن أمه تستعد لمغادرة البيت.

لم يعرف إن كانت ستغادر وحدها.

أم مع رجل آخر.

حدث شجار.

ارتفع الصوت.

انكسر الزجاج.

سقط الأب وأصيبت يده.

خرج من البيت.

والسيارة التي رآها الطفل كانت هناك فعلًا.

أما الرجل الذي كان يفترض أن يأتي…

فلم يأتِ.

توقف عند هذه الجملة طويلًا.

ثم أكمل.

لم يكن خاله يعرف أكثر.

أو ربما لم يكتب كل شيء.

لم يكن هناك من يمكن أن يعيد له الليلة كاملة.

فقط شظايا.

صوت.

زجاج.

مطر.

وخوف طفل.

أغلق الرسالة.

ونظر إلى الساعة.

12:17.

لم ينهَر عندما عرف ما حدث.

انهار عندما فهم ما فعله هو.

طوال حياته، لم يكن يكتب عن أمه.

كان يكتب عن الصورة التي احتاج أن تكون عليها.

لم يخترع كذبة واحدة.

اخترع نظامًا كاملًا من الأكاذيب الصغيرة.

جعل أمه ضحية.

وأباه قاسيًا.

واخترع رجلًا آخر، أكثر نبلاً، ليملأ الفراغ.

ثم أعاد كتابة طفولته حتى صارت أكثر احتمالًا.

وكان القراء يحبونها.

وكانوا يبكون.

وكانوا يقولون:

«كأنك عشت هذا.»

نعم.

عاشه.

لكن ليس كما كتبه.

جلس إلى مكتبه بعد عودته.

فتح ملفًا جديدًا.

كتب:

«كان أبي…»

وتوقف.

شطب.

كتب:

«كانت أمي…»

وشطب.

ثم كتب:

«في تلك الليلة…»

وظل ينظر إلى الجملة.

لأول مرة، لم يجد كلمة تليق بما لا يعرف.

أغلق الحاسوب.

غاب عامًا.

لم يكتب.

رفض اللقاءات.

لم يرد على الصحفيين.

وحين سأله أحدهم:

«متى ستعود؟»

كان يقول:

«لا أعرف.»

وكانت تلك أول إجابة شعر أنها لا تخونه.

بعد عام، عاد إلى مكتبه.

فتح صفحة جديدة.

وكتب:

لا أعرف ما الذي حدث تلك الليلة.

أعرف أن أمي كذبت.

وأعرف أن أبي تألم.

وأعرف أنني كنت طفلًا.

لكنني لا أعرف أي جزء من القصة صار ذاكرتي، وأي جزء صار خيالي.

وهذا هو الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أكون صادقًا بشأنه.

ثم تابع الكتابة.

لم يكتب عن أمه.

ولا عن أبيه.

كتب عن الذاكرة.

عن خوف الإنسان من الفراغ.

عن حاجته إلى قصة مكتملة حتى يستطيع أن يعيش.

وعن الطريقة التي نعيد بها ترتيب ماضينا، لا لنعرفه دائمًا، بل لنستطيع احتماله.

وفي الصفحة الأخيرة ترك مساحة بيضاء.

في مقابلة بعد صدور الكتاب، سأله الصحفي:

«لماذا تركت الصفحة الأخيرة فارغة؟»

نظر إلى الصفحة.

ثم قال:

«لأنني كنت أظن أن الكاتب هو الشخص الذي يملك الكلمات.»

سكت.

«ثم اكتشفت أن الكتابة ليست دائمًا أن تقول ما تعرفه… أحيانًا أن تعرف أين تتوقف.»

سأله الصحفي:

«هل سامحت أمك؟»

صمت.

«لا أعرف.»

«وأباك؟»

«لا أعرف.»

«إذن ماذا تعرف؟»

رفع عينيه إلى النافذة.

كان المطر قد بدأ.

قال:

«أعرف أنني ظلمتهما حين جعلتهما شخصيتين في قصة كنت أحتاجها.»

بعد أشهر، عاد إلى بيت أمه.

دخل المطبخ.

كان أصغر مما يتذكر.

النافذة نفسها.

الطاولة نفسها.

والضوء الأصفر نفسه.

وضع الساعة أمامه.

لم يحاول أن يتخيل وجه الرجل.

لم يبحث عن صوت في ذاكرته.

لم يجعل المطر استعارة.

لم يجعل أمه ضحية.

ولم يجعل أباه مذنبًا.

ترك الأشياء حيث وجدها.

ناقصة.

مربكة.

وحقيقية.

خارج النافذة، كان المطر يسقط.

باردًا.

عاديًا.

بلا معنى إضافي.

لأول مرة، لم يحتج أن يحوله إلى شيء آخر.

ظل جالسًا قليلًا.

ثم نهض.

وأغلق الباب.

كان لا يزال لا يعرف تمامًا ماذا حدث في تلك الليلة.

ولأول مرة في حياته…

لم يكن عليه أن يعرف.

مشى.

كان المطر ينزل خلفه.

ولم يكتب عنه شيئًا.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نداء خسايكة.. حين نصغي إلى السلوك لنسمع الإنسان
- سلام ابو جمعة … حين تصبح المهنة حبًا، ويصبح الاحتواء أثرًا ل ...
- حين يصحو الضمير،
- المفتاح الذي أضاعه الزمن قراءة في «شقاء الهناء» لإياد الحاج
- الأحياء الأموات: حين تصبح الحياة صورةً للموت قراءة في قصة «ا ...
- افتحوا لهم المسارح… عمو روني روك وذاكرة لا يجوز أن تموت
- حين يعانق الهلالُ الصليب
- الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور قراءة تأويل ...
- جعفر فرح.. حين تصبح العدالة أصعب من الاصطفاف
- الأب عبد المسيح فهيم خمسون عامًا من «نعم»… حين يتحول الكهنوت ...
- «مِلحَةٌ وذابَت»… حين لا يكون الغياب نهاية الحكاية قراءة تأو ...
- الذاكرة حين تصير سنبلة قراءة تأويلية في قصيدة «اكتبني ذكرى ل ...
- مَهْلًا، فَإِنَّكَ لا تَرَى كُلَّ الحِكَايَة
- حين تصبح فلسطين أزمةً قابلة للإدارة
- حين ترضى عن نفسك… يبدأ نجاحك الحقيقي
- سليمان منصور… حين يضع حاملو البلاد أحمالهم الأخيرة
- عماد فرو… صديقي الذي علّمني أن أجمل العطاء ما لا يُرى
- لن أشفى من موت أمي
- من يكتب اليوم التالي لفلسطين؟
- ما تركناه لله


المزيد.....




- سوريا.. ثمانية أشهر تبعث الحياة مجددا في أحد مسارح دمشق
- وتر الفرح وملاذ النزوح.. -الربابة- توثق ذاكرة أهالي بعلبك
- -الإعدام للخونة-.. فيلم عن غزة يفجر حملة ضد مخرجيه في إسرائي ...
- بعد جدل واسع.. القضاء المصري يحسم مصير فيلم -الست- لأم كلثوم ...
- كتاب -تخيل الذكاء الاصطناعي-.. بين الأساطير ومرآة الشعوب
- خطباء المساجد يصوبون على حفل أصالة نصري ووزير الثقافة ضمن دا ...
- من -نازا- إلى جولة شيران.. -الحرية لفلسطين- تلاحق الرواية ال ...
- الثقافة والهوية.. فنان وشم يحتفي بتراثه المكسيكي
- أصالة تتلقى هدية استثنائية من شاب سوري كفيف في دمشق
- جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - انهيار كاتب