أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - رانية مرجية - أعتذر، لن أصبح روبوتاً














المزيد.....

أعتذر، لن أصبح روبوتاً


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 20:46
المحور: كتابات ساخرة
    


في السنوات الأخيرة، أصبح الإنسان مشروعاً دائماً للتحسين.

تطبيقات تنظّم النوم، وبرامج تقيس الإنتاجية، ودورات تعلّمنا السيطرة على مشاعرنا، ونصائح لا تنتهي عن كيف نصبح أكثر كفاءة، أكثر هدوءاً، أقل تعلقاً، أقل تأثراً، وأقل حاجة إلى الآخرين.

كأن النموذج المثالي للنجاح لم يعد الإنسان.

بل الآلة.

أن تعمل دون تعب.
أن تعطي دون انتظار.
أن تنجز دون تردد.
وأن تمرّ فوق الخيبات كما تمرّ البيانات داخل الأسلاك: بلا أثر.

أعترف أن الفكرة أغرتني.

فكرت طويلاً أن أتحول إلى روبوت أنيق؛ لا ينتظر رسالة، لا يفسّر الصمت، ولا يهدر أيامه في محاولة فهم أشخاص لا يعرفون ماذا يريدون.

روبوت لا يسأل:

لماذا يتغيّر الناس؟

لماذا أصبحت العلاقات أسرع من أن تُبنى، وأسرع من أن تنهار؟

ولماذا صار الاعتذار نادراً، والرحيل سهلاً، والبدائل أكثر من أن تُحصى؟

في عالم يبدّل كل شيء بضغطة إصبع، بدأ بعض البشر يتعاملون مع القلوب بالطريقة نفسها: إذا تعطل شيء، لا يُصلحونه، بل يستبدلونه.

ربما لهذا أصبح كثيرون يحلمون بالبرود.

ليس لأنهم بلا مشاعر، بل لأنهم تعبوا من دفع ثمنها.

لكن ثمة حقيقة لا نحب الاعتراف بها:

المشكلة ليست في أن الإنسان يشعر كثيراً.

المشكلة أن العالم الحديث يحتفي بالكفاءة أكثر مما يحتفي بالصدق، وبالصورة أكثر مما يحتفي بالعمق، وبالسرعة أكثر مما يحتفي بالمعنى.

صرنا نتعلم كيف نبدو بخير، أكثر مما نتعلم كيف نكون بخير.

ونتقن إخفاء التعب، أكثر مما نتقن فهمه.

ونخشى أن نبدو ضعفاء، حتى لو كان الثمن أن نعيش غرباء عن أنفسنا.

أما المرأة، فيُطلب منها أن تحقق المعجزة كاملة:

أن تكون قوية، لكن ليست قاسية.

مستقلة، لكن ليست بعيدة.

حساسة، لكن ليست هشة.

ناجحة، لكن لا تُخيف أحداً.

وأن تعطي باستمرار، ثم يُفاجأ الجميع عندما تقرر يوماً أن تضع حدوداً لما تعطيه.

لهذا لا أريد أن أصبح روبوتاً.

لا أريد قلباً من معدن.

أريد قلباً يعرف متى يفتح بابه، ومتى يغلقه.

لا أريد أن أتوقف عن الشعور.

أريد فقط أن أتوقف عن الاعتذار عنه.

لا أريد أن أتعلم القسوة.

أريد أن أتعلم الوضوح.

ولا أريد أن أفقد قدرتي على الحب.

أريد فقط ألا أهب قلبي لمن يتعامل معه كشيء عابر.

فالقوة ليست أن تصبح بارداً.

القوة أن تشعر دون أن تفقد نفسك.

أن تمنح دون أن تلغي ذاتك.

أن تعرف متى يكون البقاء وفاءً، ومتى يتحول إلى استنزاف.

وأن تفهم أن وضع الحدود ليس أنانية، بل طريقة لحماية ما تبقى منك.

أعتذر إذن.

لن أصبح روبوتاً.

سأبقى إنسانة.

سأخطئ، وأتعلم، وأغضب، وأسامح، وأكتب.

وسأدافع عن حقي الكامل في أن أشعر، حتى في زمن يبدو أنه يكافئ من يتقنون إخفاء مشاعرهم.

فليس مخيفاً أن يكون للإنسان قلب.

المخيف حقاً أن يعتاد العيش من دونه.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل ستعود الحرب؟ حين يصبح السلام امتحانًا للذاكرة
- انهيار كاتب
- نداء خسايكة.. حين نصغي إلى السلوك لنسمع الإنسان
- سلام ابو جمعة … حين تصبح المهنة حبًا، ويصبح الاحتواء أثرًا ل ...
- حين يصحو الضمير،
- المفتاح الذي أضاعه الزمن قراءة في «شقاء الهناء» لإياد الحاج
- الأحياء الأموات: حين تصبح الحياة صورةً للموت قراءة في قصة «ا ...
- افتحوا لهم المسارح… عمو روني روك وذاكرة لا يجوز أن تموت
- حين يعانق الهلالُ الصليب
- الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور قراءة تأويل ...
- جعفر فرح.. حين تصبح العدالة أصعب من الاصطفاف
- الأب عبد المسيح فهيم خمسون عامًا من «نعم»… حين يتحول الكهنوت ...
- «مِلحَةٌ وذابَت»… حين لا يكون الغياب نهاية الحكاية قراءة تأو ...
- الذاكرة حين تصير سنبلة قراءة تأويلية في قصيدة «اكتبني ذكرى ل ...
- مَهْلًا، فَإِنَّكَ لا تَرَى كُلَّ الحِكَايَة
- حين تصبح فلسطين أزمةً قابلة للإدارة
- حين ترضى عن نفسك… يبدأ نجاحك الحقيقي
- سليمان منصور… حين يضع حاملو البلاد أحمالهم الأخيرة
- عماد فرو… صديقي الذي علّمني أن أجمل العطاء ما لا يُرى
- لن أشفى من موت أمي


المزيد.....




- أزمة نيشان وياسمين عز تعود إلى الواجهة.. حكم جديد في دبي وآخ ...
- تأجيل مهرجان البحر الأحمر مع استمرار برامجه السينمائية
- وزير الثقافة اليمني: فرص التسوية تتلاشى وصنعاء هي هدفنا الاس ...
- توقيف المدون نيكوغلاي في مولدوفا بشبهة الاتجار بالمخدرات
- السعودية.. تأجيل الدورة الـ 6 من مهرجان البحر الأحمر السينما ...
- إعادة المسروقات... العالم بأسره يترقب مصير كنوز القرم
- كيف تعمل مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون على رعاية المواهب الإ ...
- إد شيران يعتذر لجمهوره بعد تصاعد الجدل حول جولته بسبب القضية ...
- من روريك إلى ألفية روسيا-.. كيف صاغت نوفغورود ذاكرة نشأة الد ...
- في ذكرى معركة كوليكوفو.. كيف مهّد انتصار دميتري دونسكوي لصعو ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - رانية مرجية - أعتذر، لن أصبح روبوتاً