أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - الكرك وامتحان الإنسانية: حين يصبح الأمان حقًا لا يقبل المساومة














المزيد.....

الكرك وامتحان الإنسانية: حين يصبح الأمان حقًا لا يقبل المساومة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 10:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة مآسٍ لا تنتهي عند حدود ضحاياها، بل تترك خلفها أسئلة تمسّ جوهر المجتمع: كيف نحمي الإنسان حين يصبح الخوف جزءًا من حياته؟ وكيف نتمسّك بالعدالة من دون أن نسمح للألم بأن يتحوّل إلى كراهية؟

ما شهدته الكرك يعيد هذه الأسئلة إلى الواجهة بقسوة. فحين يُمسّ أمن الإنسان في لحظة وداع، وحين يتعرّض الناس للخطر في مناسبة يفترض أن تكون مكرّسة للحزن والسكينة، فإنّ ما يُصاب ليس الأفراد وحدهم، بل الشعور الأساسي بأنّ الحياة وكرامة الإنسان موضع حماية واحترام.

في لحظات الفقد، لا يطلب الإنسان الكثير. يريد أن يودّع من أحبّ بسلام، وأن يجد في محيطه ما يخفّف وطأة الغياب، وأن يمارس حقه في الصلاة والحزن من دون خوف. ولهذا، فإنّ المساس بأمان الناس في مثل هذه اللحظات ليس خبرًا عابرًا، بل جرح إنساني يفرض علينا موقفًا واضحًا ومسؤولية لا يجوز تأجيلها.

غير أنّ الموقف الأخلاقي لا يُقاس بحدّة الإدانة وحدها، بل بما يترتب عليها من التزام بالحقيقة والعدالة. فالتضامن مع الضحايا لا يكتمل بالكلمات، وإنما بالإصرار على صون حقوقهم، واحترام الإجراءات القانونية، ومحاسبة المسؤولين وفق الأدلة والقانون. كما أنّ خطورة أي اعتداء لا تبرّر استباق الوقائع أو تداول معلومات غير موثقة؛ فالحقيقة ليست تفصيلًا ثانويًا في طريق العدالة، بل أساسها الذي لا تستقيم من دونه.

العدالة ليست انتقامًا من أجل الضحايا، بل ضمانة بألّا يُترك حقّهم للغضب أو النسيان.

وفي قلب هذه المأساة تبرز مسألة تتجاوز حدود المكان: حرمة دور العبادة وحق الإنسان في ممارسة معتقده بأمان. فحماية الكنائس ليست شأنًا يخصّ المسيحيين وحدهم، كما أنّ حماية المساجد ليست شأنًا يخصّ المسلمين وحدهم. إنّها مسؤولية عامة تتصل بجوهر المواطنة، وبحق كل إنسان في أن يعيش معتقده بحرية وكرامة، من دون أن يشعر بأنّ هويته تجعله أقل أمنًا أو أقل استحقاقًا للحماية.

إنّ المواطنة المتساوية لا تُقاس بما يقال عنها في المناسبات، بل بما يلمسه الناس في حياتهم اليومية: في حماية القانون لهم، وفي عدالة المؤسسات، وفي قدرتهم على ممارسة حقوقهم من دون خوف أو تمييز. وعندما يتعرض أيّ مواطن للأذى، فإنّ مسؤولية المجتمع والدولة هي أن تضمن له الإنصاف والحماية، لا أن تتركه وحيدًا أمام القلق أو أن تجعل من مأساته موضوعًا عابرًا ينتهي بانتهاء الاهتمام الإعلامي.

وفي المقابل، لا يجوز أن يتحوّل الألم إلى اتهام جماعي، أو أن تصبح الفاجعة مدخلًا إلى خطاب يزرع الشك والعداء بين أبناء المجتمع الواحد. فالمسؤولية تُحدَّد بالوقائع والأدلة، لا بالانتماءات الدينية أو الاجتماعية. وإدانة العنف تفقد جانبًا من معناها إذا تحوّلت إلى ذريعة لإيذاء الأبرياء أو المساس بكرامتهم.

هنا تحديدًا يُختبر معنى العيش المشترك. ليس حين تكون العلاقات هادئة، بل حين يصبح الغضب مفهومًا، ويكون الخوف حاضرًا، وتصبح الكلمات قادرة على توسيع الشرخ أو الحدّ منه. العيش المشترك ليس مطالبة المتضررين بتجاوز آلامهم، ولا الاكتفاء بترديد عبارات التسامح؛ إنّه التزام بحماية الحقوق، وتحقيق العدالة، ورفض كل خطاب يحوّل الاختلاف إلى سبب للتمييز أو العداء.

وللإعلام والكتابة مسؤولية خاصة في هذه اللحظات. فالكلمة قد تسهم في حماية الحقيقة وتهدئة المخاوف، وقد تزيد الألم إذا انفصلت عن الدقة وتحولت إلى أداة للإثارة. المهنية ليست برودًا أمام المأساة، كما أنّ التحقق من المعلومات ليس تراجعًا عن الموقف الأخلاقي. بل إنّ صدقية الكاتب تظهر تحديدًا في قدرته على إدانة العنف بوضوح، من دون أن يتجاوز ما تثبته الوقائع أو يفتح الباب أمام أحكام متسرعة.

أكتب عن الكرك لأنّ كرامة الإنسان لا تتجزأ، ولأنّ التضامن الحقيقي لا ينبغي أن تحدده هوية الضحية، ولأنّ احترام الإنسان لا يُختبر في أوقات الراحة وحدها، بل في اللحظات التي يصبح فيها الدفاع عن حقوقه ضرورة أخلاقية ووطنية.

لا تستطيع الكلمات أن تعيد من رحلوا إلى عائلاتهم، ولا أن تمحو أثر الفقد من حياة من بقوا. لكنها تستطيع أن ترفض اختزال الضحايا في أرقام، وأن تذكّر بأنّ خلف كل مأساة حياةً وعائلةً وذكرياتٍ ومستقبلًا تغيّر إلى الأبد. وتستطيع أيضًا أن تجعل من الحزن مسؤولية مستمرة، لا انفعالًا مؤقتًا ينحسر حين يغيب الخبر عن العناوين.

إنّ ما تحتاج إليه المجتمعات بعد المآسي ليس مزيدًا من الشعارات، بل مؤسسات تحمي، وقانون ينصف، وإعلام يحترم الحقيقة، ووعي اجتماعي يرفض أن يجعل من الخوف أساسًا للعلاقة بين الناس.

فالاختبار الحقيقي لإنسانيتنا ليس في قدرتنا على إدانة العنف بعد وقوعه فحسب، بل في قدرتنا على حماية الإنسان، وصون كرامته، ومنع الخوف من أن يتحوّل إلى قاعدة تحكم حياته.

رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر، ومنح المصابين الشفاء.

إنّ الوفاء للضحايا يبدأ بالتضامن معهم، لكنه لا يكتمل إلا بالعدالة. وإنّ حماية الأمان ليست شعارًا يُرفع بعد وقوع المأساة، بل مسؤولية دائمة تُقاس بما تفعله المؤسسات والمجتمعات كي لا يُترك الإنسان وحيدًا أمام الخوف.

العدالة كرامة للضحايا، والأمان حق للجميع، والإنسانية مسؤولية لا تسقط في لحظات الألم.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثالثة وسبع عشرة دقيقة
- حين نتحرّر من نفوذ الأذى في استرداد الذات والتحرّر من سلطة ا ...
- وها أنا أبتسم رغم كل شيء
- حين يتنفّس القلب… قراءة في رواية تُصغي إلى ما لا تقوله الأرو ...
- أن نصل إلى الطفل قبل أن نطالبه بالوصول إلينا في حضرة أطفال ط ...
- فريدة وهاب ضبيط… حين ترحل القلوب التي تشبه السماء
- الذين لا يتغيّرون حين تتغيّر حياتنا
- القميص الأزرق
- حين يصبح السجن سياسة
- وجوهٌ لا تغيب حين تكتب الذاكرةُ أصحابَها قراءة في «وجوه في ا ...
- حين يصبح ما أنقذنا سجنًا
- حين يطلب المجتمع من المقهور أن يكون إيجابيًا
- شُموسٌ ووطن من فائض العشق إلى سؤال الكينونة قراءة نقدية تأوي ...
- قبل أن يصل الصوت إلى الصندوق في معركة الشطب: من يقرر حدود ال ...
- أعتذر، لن أصبح روبوتاً
- هل ستعود الحرب؟ حين يصبح السلام امتحانًا للذاكرة
- انهيار كاتب
- نداء خسايكة.. حين نصغي إلى السلوك لنسمع الإنسان
- سلام ابو جمعة … حين تصبح المهنة حبًا، ويصبح الاحتواء أثرًا ل ...
- حين يصحو الضمير،


المزيد.....




- أوباما يهاجم ترامب خلال حملته لصالح الديمقراطيين قبيل انتخاب ...
- هجّر 2000 من سكانها.. الاحتلال يعتزم تطبيق -نموذج جنين- في ا ...
- رويترز: إدارة ترمب قادت حملة لإعادة عائلة بولسونارو إلى السل ...
- أوباما ساخرا من ترامب وصيانة البيت الأبيض: يبدو كأن صدام حسي ...
- استمرار الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية يثير غضب ...
- كيف وجهت واشنطن أقوى ضربة لكييف منذ بداية النزاع؟
- زاخاروفا: موسكو لم توصد الباب أمام الراغبين في الحفاظ على ال ...
- ترامب يدلي بصوته في انتخابات الكونغرس
- ميلانيا ترامب تلمح إلى احتمال زيارة أوكرانيا عقب اتفاق وقف ا ...
- الشرطة الإيطالية توقف أكثر من 370 شخصا أثناء الاحتجاجات


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - الكرك وامتحان الإنسانية: حين يصبح الأمان حقًا لا يقبل المساومة