أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - وها أنا أبتسم رغم كل شيء














المزيد.....

وها أنا أبتسم رغم كل شيء


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 09:50
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست كل ابتسامة دليلًا على السعادة؛ فبعض الابتسامات تولد من معرفةٍ عميقة بالألم، ومن إدراكٍ متأخر أن النجاة لا تعني ألّا ننكسر، بل ألّا نسمح لانكساراتنا بأن تختصرنا.

وها أنا أبتسم رغم كل شيء.

لا إنكارًا لما أوجعني، ولا ادّعاءً بأنني تجاوزت كل شيء، بل لأنني أدركت أن الألم، مهما اتّسعت مساحته فينا، لا يملك وحده حق تفسيرنا. قد يعيد تشكيل نظرتنا إلى العالم، لكنه لا ينبغي أن يتحوّل إلى هويتنا الأخيرة.

لطالما اعتقدنا أن القوة تعني ألّا ننكسر، حتى علّمتنا الحياة أن الصلابة ليست غياب الهشاشة، بل ألّا يتحوّل الجرح إلى هوية، والحزن إلى وطن، والخيبة إلى فلسفةٍ نحاكم بها العالم. فليست خطورة الألم في ما يتركه فينا فحسب، بل في أن نستعير منه نظرتنا إلى كل ما يأتي بعده.

هنا تبدأ الحرية؛ لا في قدرتنا على اختيار كل ما يحدث لنا، بل في موقفنا مما حدث. فنحن لا نختار خساراتنا دائمًا، لكننا نستطيع ألّا نجعلها معيارًا لكل علاقة، وألّا نمنح من آذانا سلطةً دائمة على مستقبلنا.

ليست حريتي في ألّا أنكسر، بل في ألّا أسمح لانكساري بأن يتحوّل إلى تعريفٍ نهائي لوجودي.

في أفق ألبير كامو، يواجه الإنسان عبث عالمٍ لا يمنحه المعنى جاهزًا، لكنه لا يتخلّى عن حقه في أن يحيا ويختار ويقاوم. ومن هنا، لا تكون الحرية وعدًا بالانتصار على الألم، بل رفضًا لأن يصبح الألم قدرًا يحدّد كل ما نحن قادرون على أن نكونه. فليس لكل خسارة تعويض، ولا لكل جرح حكمةٌ خفية؛ وبعض ما يحدث لا يحتاج إلى تبرير بقدر ما يحتاج إلى شجاعة مواجهته.

ليس علينا أن نشكر الألم كي نثبت نضجنا، ولا أن نحوّل القسوة إلى فضيلة. فثمة فرقٌ بين أن نتعلّم من الجرح وأن نبرّره، وبين أن نسامح وأن نعود إلى من آذانا. النضج ليس أن نجد الخير في كل ما أصابنا، بل ألّا نسمح للشر الذي اختبرناه بأن يصبح منطقنا في التعامل مع الحياة.

والتعافي ليس نسيانًا، بل تغييرٌ في علاقتنا بالماضي؛ أن يصبح جزءًا من حكايتنا، لا سلطةً مطلقة على حاضرنا. نتعلّم أن انتظار الاعتذار قد يتحوّل إلى ارتهان، وأن الكرامة لا تحتاج إلى اعتراف الآخرين كي تستعيد مكانها. فالتسامح لا يعني العودة، والمحبة لا تفرض علينا البقاء حيث نتأذى، والحدود ليست نقيضًا للعاطفة، بل شرطٌ لاستمرارها دون أن تستنزفنا.

لكن التحرّر من الخيبة لا ينبغي أن يتحوّل إلى خيبةٍ من الحياة نفسها. فالقلب الذي يغلق أبوابه اتقاءً للأذى قد ينجو من الخذلان، لكنه يخسر أيضًا إمكان الدهشة والبدايات الجديدة. والحكمة ليست أن نعود إلى سذاجتنا الأولى، بل أن نحتفظ بقدرتنا على الثقة دون أن نتنازل عن وعينا، وعلى الحب دون أن نفقد ذواتنا.

ولعلّ أصعب أشكال النضج أن نكفّ عن محاكمة ذواتنا القديمة بمعرفتنا الجديدة. أن نفهم الإنسان الذي كنّاه، بما امتلكه آنذاك من وعيٍ وخوفٍ وأمل، دون أن نبرّئ كل اختياراته أو نُبقيه أسير الندم. فالمصالحة مع الذات ليست إنكارًا للأخطاء، بل تحريرٌ للوعي من تكرار العقوبة بعد أن أصبح التعلّم ممكنًا.

الحياة لا تنتظر اكتمال فهمنا كي تبدأ من جديد. إنها تمضي، لا لتقلّل من أحزاننا، بل لتذكّرنا بأن الحزن، مهما اتّسع، ليس التجربة الوحيدة الممكنة. لذلك لا أريد تأجيل فرحي إلى أن تصبح الحياة عادلةً تمامًا، ولا تعليق طمأنينتي على اعتذارٍ قد لا يأتي. ليس لأن ما ينقصني لم يعد مهمًّا، بل لأنني أرفض أن أجعل ما ينقصني شرطًا لحرماني مما لا يزال ممكنًا.

فالأمل ليس يقينًا بأن الغد أجمل، بل استعدادٌ لأن نترك له فرصةً كي يكون مختلفًا. والابتسامة، حين تتحرّر من التظاهر، تصبح موقفًا من الوجود: لا تنكر المأساة، ولا تدّعي الانتصار عليها، لكنها ترفض أن تمنحها الكلمة الأخيرة.

وها أنا أبتسم رغم كل شيء؛ لا لأثبت أنني أقوى ممن خذلني، بل لأنني لم أعد أريد أن يظلّ الذين أوجعوني مركز الحكاية. أريد أن أستعيد حياتي من أسر ردود الفعل، وأن أختار ما أحب لأنني أحبّه، لا لأبرهن أنني تجاوزت ما كرهت.

ربما لا تكون النجاة أن نستعيد أنفسنا القديمة، بل أن نصالح أنفسنا الجديدة؛ أن ندرك أن الإنسان ليس مجرد أثرٍ لما جرى له، بل كائنٌ يشارك، بوعيه واختياراته، في تحديد ما سيؤول إليه.

وها أنا أبتسم رغم كل شيء؛ لا لأن الألم صار صغيرًا، بل لأنني لم أعد أقبل أن تكون روحي أصغر من ألمي.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتنفّس القلب… قراءة في رواية تُصغي إلى ما لا تقوله الأرو ...
- أن نصل إلى الطفل قبل أن نطالبه بالوصول إلينا في حضرة أطفال ط ...
- فريدة وهاب ضبيط… حين ترحل القلوب التي تشبه السماء
- الذين لا يتغيّرون حين تتغيّر حياتنا
- القميص الأزرق
- حين يصبح السجن سياسة
- وجوهٌ لا تغيب حين تكتب الذاكرةُ أصحابَها قراءة في «وجوه في ا ...
- حين يصبح ما أنقذنا سجنًا
- حين يطلب المجتمع من المقهور أن يكون إيجابيًا
- شُموسٌ ووطن من فائض العشق إلى سؤال الكينونة قراءة نقدية تأوي ...
- قبل أن يصل الصوت إلى الصندوق في معركة الشطب: من يقرر حدود ال ...
- أعتذر، لن أصبح روبوتاً
- هل ستعود الحرب؟ حين يصبح السلام امتحانًا للذاكرة
- انهيار كاتب
- نداء خسايكة.. حين نصغي إلى السلوك لنسمع الإنسان
- سلام ابو جمعة … حين تصبح المهنة حبًا، ويصبح الاحتواء أثرًا ل ...
- حين يصحو الضمير،
- المفتاح الذي أضاعه الزمن قراءة في «شقاء الهناء» لإياد الحاج
- الأحياء الأموات: حين تصبح الحياة صورةً للموت قراءة في قصة «ا ...
- افتحوا لهم المسارح… عمو روني روك وذاكرة لا يجوز أن تموت


المزيد.....




- شاهد.. سياح يشقون طريقهم وسط الاحتجاجات في شوارع باريس
- -شات EGYPT-.. منصة مصرية رسمية لرصد الشائعات باستخدام الذكاء ...
- بزشكيان يبلغ رئيس الأركان الباكستاني شرط طهران لاستئناف المف ...
- ترامب: روسيا تمتلك موارد بشرية هائلة مقارنة بأوكرانيا وحان ا ...
- سقوط 7 قتلى منذ فجر اليوم برصاص الجيش الإسرائيلي في قطاع غز ...
- ترامب وإيران.. صفقة هرمز أو عودة للحرب
- روسيا وأوزبكستان تبدآن مناورات -خامكورليك-2026- لمكافحة التش ...
- رسائل موسكو في الخليج
- صحفي أمريكي انضم إلى قوات -أحمد- الروسية يروي تفاصيل تدريبه ...
- أبرز ما يميز هاتف هواوي القادم القابل للطي


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - وها أنا أبتسم رغم كل شيء