أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - رانية مرجية - لسنا جميعًا على طيف التوحّد… لكن من يملك تعريف الطبيعي؟ في سلطة المعايير، ووحشة الاختلاف، وحق الإنسان في أن يكون كما هو















المزيد.....

لسنا جميعًا على طيف التوحّد… لكن من يملك تعريف الطبيعي؟ في سلطة المعايير، ووحشة الاختلاف، وحق الإنسان في أن يكون كما هو


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 14:58
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


ثمة عبارة تتردد كثيرًا، أحيانًا بدافع التعاطف وحسن النية: «كلنا على طيف التوحّد». تبدو، للوهلة الأولى، محاولة لتقريب المسافة بيننا وبين الأشخاص المتوحدين، لكنها تثير سؤالًا يستحق التأمل: هل نفهم الاختلاف حقًا حين نُذيبه في تجربة عامة، أم أننا نطمس بذلك خصوصيته وما يميّزه؟

لسنا جميعًا على طيف التوحّد. فالتوحّد ليس استعارة لتفاوت الطباع، ولا وصفًا لكل من يفضّل العزلة أو ينزعج من الضجيج أو يجد صعوبة في التواصل. إنه اختلاف نمائي عصبي له خصائصه وتجلياته واحتياجاته، وتتباين تجارب الأشخاص المتوحدين من فرد إلى آخر. واحترامهم يبدأ بالاعتراف بخصوصية تجربتهم، لا بتحويل التوحّد إلى تعبير مجازي يشمل الجميع.

لكن المسألة تتجاوز دقة المصطلح إلى سؤال أعمق: من يملك حق تعريف الطبيعي؟ وكيف اكتسبت بعض أنماط السلوك سلطة التحول إلى معايير نقيس بها الآخرين ونحاكمهم على أساسها؟

نعيش داخل منظومة من التوقعات التي تبدو بديهية لكثرة ما اعتدناها: أن ينظر الطفل في عيني من يحدثه، وأن يجلس بهدوء، وأن يستجيب للكلام بالطريقة المتوقعة، وأن يتحمل الضجيج، وأن يعبّر عن مشاعره وفق الإشارات التي ألفها المحيطون به. وحين لا يفعل ذلك، يصبح سلوكه موضع تساؤل، ثم تدخل، ثم محاولات لتصحيحه.

غير أن الاعتياد ليس دليلًا على الصواب، وما تراه الأغلبية طبيعيًا ليس بالضرورة المعيار الوحيد الذي ينبغي أن يُقاس به الإنسان.

فالطفل الذي يبتعد عن الضجيج قد يكون مثقلًا بما تستقبله حواسه من أصوات، لا رافضًا للعالم. والذي يتجنب التواصل البصري قد يتواصل بطريقة مختلفة، لا يتجاهل من أمامه. أما تكرار حركة معينة، فقد يكون وسيلة لتنظيم إحساس داخلي، لا عبثًا أو تحديًا.

تبدأ المشكلة حين نفسّر السلوك قبل أن نحاول فهمه، وحين نخلط بين ما يزعجنا نحن وما يؤذي الطفل فعلًا. فليس كل ما يخرج عن المألوف علامة على خلل، وليس كل ما يبدو غريبًا يحتاج إلى تصحيح.

في أحد المشاهد اليومية داخل ساحة البستان، كان طفل صغير يخلع حذاءه مرارًا أثناء اللعب. وكانت أخصائية النطق واللغة مرام حاج يحيى تعيد إلباسه الحذاء، ثم تواصل اللعب معه وتشجعه على المشاركة. تكررت المحاولة مرة بعد أخرى، حتى بلغت نحو عشر محاولات.

قد يبدو المشهد عابرًا، لكن ما يستحق التوقف عنده ليس عدد المحاولات، بل ما اختزنه من صبر وفهم وإصرار مهني وإنساني. فمرام لم تتعامل مع خلع الحذاء بوصفه تحديًا ينبغي كسره، ولم تجعل من تكرار السلوك سببًا للتراجع أو إقصاء الطفل عن اللعب. بل واصلت المحاولة، محافظة على التواصل معه، وكأنها تقول له بالفعل لا بالكلمات: قد تكون خائفًا، وقد يربكك ما يحدث حولك، لكننا هنا معك، ولن نتركك وحدك في مواجهة ما يصعب عليك احتماله.

إن الوصول إلى طفل يعيش العالم بطريقة مختلفة لا يبدأ دائمًا بتقديم التعليمات أو تكرار المطالب، بل ببناء مساحة من الأمان والثقة؛ مساحة يشعر فيها بأنه ليس مضطرًا إلى مواجهة ما يربكه وحده. نحن لا ننتزعه من عالمه بالقوة، ولا نطالبه بالتخلي عما يمنحه الطمأنينة، بل نمد إليه جسرًا يتيح له الاقتراب من عالمنا والمشاركة فيه، من دون أن يفقد حقه في أن يكون مختلفًا.

ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذا المشهد أن أثر المحاولات امتد إلى المرات التالية؛ إذ لم يعد الطفل يخلع حذاءه، بل بقي منتعلًا إياه أثناء اللعب. لم تكن النتيجة مجرد نجاح في إبقاء الحذاء في قدميه، بل تجربة أظهرت أهمية الاستمرار في المحاولة والبحث عن الطريقة المناسبة للتعامل مع الطفل، بدلًا من الاكتفاء بالحكم على سلوكه أو الاستسلام أمام تكراره.

لقد اقترن الإصرار بالاحتواء، والمحاولة بالمرونة، ولم تكن الغاية فرض الاستجابة بقدر ما كانت الوصول إلى الطفل واكتشاف المدخل المناسب للتواصل معه. وكأن الرسالة التي حملها هذا الموقف بسيطة وعميقة في آن واحد: قد تخاف، وقد تتردد، وقد تحتاج إلى وقت، لكننا معك، وسنواصل المحاولة حتى نجد الطريق إليك.

هنا تكمن قيمة التدخل المهني الحقيقي: ألا نكتفي بتكرار المحاولة، بل أن نراجع طريقتنا، ونقرأ احتياجات الطفل، ونبحث عن المدخل الذي يطمئنه. فالنجاح لا يُقاس فقط بما يفعله الطفل في النهاية، بل أيضًا بالطريقة التي وصلنا بها إليه، وبمدى احترامنا لكرامته واحتياجاته خلال هذه الرحلة.

فالأمان ليس تفصيلًا يسبق التعلم فحسب؛ إنه أحد شروطه الأساسية. والطفل الذي يجد من يفهمه، ويصبر عليه، ويمنحه فرصة أخرى، تتاح له مساحة أكبر للاقتـراب والمشاركة والاستكشاف. عندها لا يعود الاختلاف حاجزًا يحول دون التواصل، بل يصبح نقطة البداية للبحث عن لغة مشتركة.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الدعم والتطبيع القسري. فالمطلوب ليس ترك الطفل من دون مساعدة أو تجاهل الصعوبات التي يواجهها، بل توفير ما يحتاج إليه من دعم وتأهيل ووسائل للتواصل، من دون أن تصبح الغاية محو اختلافه أو دفعه إلى تقليد الآخرين كي يستحق القبول.

ثمة فرق بين مساعدة الإنسان على اكتساب مهارة يحتاج إليها في حياته، ومطالبته بأداء سلوك معين لمجرد أنه يطمئن المحيطين به. كما أن ثمة فرقًا بين تخفيف معاناته وتدريبه على إخفاء اختلافه حتى لا يربك الآخرين. وهذا ليس تفصيلًا تربويًا، بل مسألة تمس الكرامة الإنسانية وحق الإنسان في تقبّل ذاته.

ولا تتوقف المسؤولية عند الطفل أو الأسرة. فالمدرسة والمؤسسات الاجتماعية شريكة في صنع شروط الاندماج أو في عرقلته. لا يكفي أن نطالب الأسرة بالصبر، ثم نتركها أمام بيئة تعليمية لا تراعي الاحتياجات الحسية والتواصلية لطفلها، أو مجتمع يفسّر الاختلاف بوصفه نقصًا.

فالدمج ليس شعارًا، ولا منّة تُقدَّم لمن يختلفون عنا؛ إنه حق ومسؤولية، يقتضيان تهيئة البيئات التعليمية والاجتماعية، وتدريب العاملين، وتوفير الدعم المناسب، وإزالة العوائق التي تجعل المشاركة امتيازًا بدلًا من أن تكون حقًا للجميع.

كذلك، لا ينبغي أن يظل الحديث عن التوحّد حكرًا على الأطباء والأخصائيين والأهل. فالأشخاص المتوحدون ليسوا مجرد موضوع للحديث عنهم؛ إنهم أصحاب تجارب وأصوات ومعرفة مباشرة بحياتهم. ومن حقهم أن يكونوا شركاء في النقاشات التي تتناولهم، وأن يُصغى إليهم، لا أن يتحدث الآخرون باسمهم دائمًا.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: كيف نجعل المختلف يشبهنا؟ بل: كيف نبني عالمًا لا يضطر فيه الإنسان إلى إنكار جزء من ذاته كي يجد مكانًا له؟

لسنا جميعًا على طيف التوحّد، ولا نحتاج إلى أن نكون كذلك حتى ندرك أن الاختلاف ليس إهانة، وأن كرامة الإنسان لا تُقاس بقدرته على التشبه بالآخرين.

فالعدالة لا تعني أن نعامل الجميع بالطريقة نفسها، بل أن نتيح لكل إنسان ما يحتاج إليه كي يعيش ويتعلم ويشارك بكرامة.

فالعالم الذي لا يتسع إلا لمن يشبهون بعضهم ليس عالمًا طبيعيًا؛ إنه عالم ضيّق، مهما بدا لنا مألوفًا.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عَتَبَةُ العالَم
- كلٌّ يدّعي أنّه شعب الله المختار… وأنا في أمرهم حائرة! في سي ...
- الحمد لله… عدتُ إلى نفسي في فلسفة الاغتراب عن الذات، ومعنى أ ...
- حين لا يكون الصمت غياباً… مرام حاج يحيى وسؤال الإنسان الذي ي ...
- لا أريد أن أعدَّ إلى العشرة
- النافذة التي ظلّت مفتوحة
- الكرك وامتحان الإنسانية: حين يصبح الأمان حقًا لا يقبل المساو ...
- الثالثة وسبع عشرة دقيقة
- حين نتحرّر من نفوذ الأذى في استرداد الذات والتحرّر من سلطة ا ...
- وها أنا أبتسم رغم كل شيء
- حين يتنفّس القلب… قراءة في رواية تُصغي إلى ما لا تقوله الأرو ...
- أن نصل إلى الطفل قبل أن نطالبه بالوصول إلينا في حضرة أطفال ط ...
- فريدة وهاب ضبيط… حين ترحل القلوب التي تشبه السماء
- الذين لا يتغيّرون حين تتغيّر حياتنا
- القميص الأزرق
- حين يصبح السجن سياسة
- وجوهٌ لا تغيب حين تكتب الذاكرةُ أصحابَها قراءة في «وجوه في ا ...
- حين يصبح ما أنقذنا سجنًا
- حين يطلب المجتمع من المقهور أن يكون إيجابيًا
- شُموسٌ ووطن من فائض العشق إلى سؤال الكينونة قراءة نقدية تأوي ...


المزيد.....




- ترامب: الأسهم الأمريكية تشهد -واحدة من أسوأ أيامها- بسبب الد ...
- واشنطن: ضغوط متزايدة على وزير الدفاع بيت هيغسيث بعد فوز الدي ...
- إسرائيل: آيزنكوت يتقدم على نتانياهو وهرتسوغ يحسم الأحد التكل ...
- ساندرز خسر معركة 2016 وأفكاره تنتصر في انتخابات 2026
- كـ-بطة عرجاء-.. كيف يُتوقع أن يتعامل ترامب مع كونغرس -ديمقرا ...
- ترامب يراجع حظر تفريغ ناقلات الديزل الروسي
- إسرائيل تستحضر -خطر حزب الله- وسط أزمة تكليف وتشكيل حكومة وص ...
- النائب الجمهوري ماسي يسعى لتمرير تصويت جديد في الكونغرس الأم ...
- عمدة كييف يحذر سكان العاصمة من سيناريوهات صعبة في الشتاء
- ثقة الفرنسيين بماكرون تهبط إلى أدنى مستوى تاريخي لها


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - رانية مرجية - لسنا جميعًا على طيف التوحّد… لكن من يملك تعريف الطبيعي؟ في سلطة المعايير، ووحشة الاختلاف، وحق الإنسان في أن يكون كما هو