أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد القطاونة - الجذور النفسية للتطرف الديني: قراءة تحليلية في تقاطعات علم النفس وتزكية النفوس في التراث الإسلامي















المزيد.....

الجذور النفسية للتطرف الديني: قراءة تحليلية في تقاطعات علم النفس وتزكية النفوس في التراث الإسلامي


محمد القطاونة

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 21:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لطالما اقتصرت المقاربات التقليدية في دراسة "التطرف الديني" على التفكيك المعرفي والرد الفقهي، حيث يُعزى الخلل غالباً إلى سوء فهم النصوص أو افتقار المتطرف للأدوات الأصولية الشرعية. ورغم وجاهة هذا الطرح، إلا أنه يظل مقاربة قاصرة إن لم ينفذ إلى الطبقات الأعمق في النفس البشرية؛ فالنص الديني كالماء الطهور، يتشكل ويأخذ لون الإناء الذي يُسكب فيه، فإذا كان "الوعاء النفسي" مضطرباً ومشوهاً، فإن الفهم والتطبيق سيخرجان مشوهين بالضرورة. إن التطرف، قبل أن يكون زلة فكرية أو عمى أيديولوجياً، هو في جوهره "عرض مرضي" لعلل نفسية دفينة، تجد في عباءة الدين ملاذاً آمناً، وفي قسوته تعويضاً عن هشاشة الذات وانكسارها.

أولاً: البنية النفسية للتطرف.. الإسقاط، النرجسية، والتفكير الحدي يؤكد علم النفس الحديث أن الإنسان غير المستقر وجدانياً يميل إلى استخدام "الحيل الدفاعية" (Defence Mechanisms) لحماية ذاته الهشة. وتتجلى أولى هذه الإشكاليات في "الصلابة المعرفية" و"التفكير الحدي" (Splitting)، وهو اضطراب يجعل الفرد عاجزاً عن استيعاب التعددية أو تحمل الغموض، فيلجأ إلى شطر العالم بحدة وصرامة إلى معسكرين لا ثالث لهما: (نحن) و(هم)، (الإيمان الخالص) و(الكفر البواح)، (الخير المطلق) و(الشر المحض). هذا اليقين الزائف يريحه من عناء التفكير، ويمنحه شعوراً زائفاً بالأمان المعرفي.

وتتضافر هذه الحالة مع "عقدة النقص" التي تحدث عنها عالم النفس ألفريد أدلر، حيث يفرز الشعور بالدونية والتهميش الاجتماعي رغبة عارمة في التعويض، فتتولد "النرجسية الدينية". هنا، يمنح التطرفُ الفردَ المأزوم عصاً سحرية تحوله من شخص نكرة على هامش الحياة، إلى "حارس للحقيقة المطلقة" و"سيف من سيوف الله"، فيمارس استعلاءه على المجتمع باسم الدين. أضف إلى ذلك آلية "الإسقاط النفسي" (Projection)، حيث يفرغ المتطرف كبته وعدوانه الداخلي وإحباطاته المتراكمة على هيئة غضب مقدس، فيمارس العنف والإقصاء تحت لافتة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، بينما هو في الحقيقة يعاقب العالم على مآسيه الخاصة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التلازم بين الخلل النفسي والانحراف السلوكي، رابطاً الانحراف بـ "المرض الداخلي" قبل الخلل الخارجي، كما في قوله تعالى: > ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]. فالمرض هنا ليس مرضاً عضوياً، بل هو تشوه نفسي ووجداني (كالحقد، والكبر، والشك) يسبق الانحراف الفكري.

ولو تأملنا في حادثة "ذي الخويصرة" التميمي، الذي اعترض على قسمة النبي ﷺ للغنائم قائلاً بوقاحة: "يا محمد اعدل، فإنك لم تعدل!"، نجد أننا أمام حالة نفسية معقدة من النرجسية والكبر المغلف بادعاء التقوى وتطبيق العدل. وقد شخص النبي ﷺ هذا التشوه النفسي الذي سينتج جيلاً من المتطرفين (الخوارج) يهتمون بالقشور ويفتقرون للروح، فقال: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ». فالتشديد الظاهري هنا ليس دليلاً على الإيمان، بل هو ستار لقلب غليظ ونفس معتلة لم يلامسها نور اليقين.

ثانياً: التفكيك النفسي للتطرف عند حجة الإسلام الغزالي لم يكن أطباء القلوب من علماء الإسلام غافلين عن هذه الديناميات النفسية؛ بل أسسوا بناءً راسخاً لعلاجها. في كتابه العمدة "إحياء علوم الدين"، يضع الإمام أبو حامد الغزالي المبضع على الجرح في ربع "المهلكات"، مؤكداً أن العلم الشرعي بغير ترويض للنفس يتحول إلى سلاح فتاك. يرى الغزالي أن قوى النفس الإنسانية ثلاث: (قوة العقل، وقوة الشهوة، وقوة الغضب أو السبعية). والتطرف في جوهره هو طغيان لـ "القوة السبعية" (الغضبية) التي تفترس قوة العقل وتتستر برداء الدين.

يقول الغزالي في تشخيص دقيق لحالة المتطرف الذي يمارس عنفه باسم تغيير المنكر: "فإن منبع الغضب هو الكبر، ومن استولى عليه الكبر والعُجب لم يأمن من أن يغضب لنفسه في صورة الغضب للحق". وهذا النص يختزل نظريات التحليل النفسي في الإسقاط؛ فالمتطرف يوهم نفسه أنه يغضب لله، بينما هو في العمق يغضب لنرجسيته المجروحة ولرأيه الذي لم يُتبع.

كما يعالج الغزالي آفة "العُجب" و"الكبر" (المقابل الدقيق للنرجسية الدينية)، معتبراً إياها أصل كل تطرف، لأن الكبر يمنع الإنسان من قبول الحق ويجعله يزدري الخلق. يقول الغزالي محذراً من هذه النفسية: "وكم من عابد جاهل اغتر بعبادته، فرأى نفسه ناجياً والناس هلكى، وهو أهلكهم!". ولذا كان العلاج الغزالي يرتكز على "الرياضة النفسية"، وهي ترويض النفس وكسر كبريائها بالخلوة ومحاسبة الذات، حتى يدرك المرء ضعفه البشري، فتتحول غلظته إلى رحمة، وتذوب صرامته في ينبوع التواضع، مصداقاً لقوله ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (أي المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد).

ثالثاً: ابن القيم وإعادة التوازن الوجداني بين الخوف والرجاء من زاوية أخرى، يعالج الإمام ابن القيم الجوزية الخلل الوجداني لدى المتطرفين في كتابه "مدارج السالكين". فالتطرف ينمو في بيئة نفسية تعاني من "الجفاف العاطفي"، حيث يطغى دافع "الخوف المرضي" والوسواس على دوافع "المحبة والرجاء والرضا". المتطرف يعبد الله كانعكاس لعقده النفسية، فيتصور الإله جباراً منتقماً فقط، مغفلاً صفات الرحمة والمغفرة، مما ينعكس على سلوكه تجاه المجتمع بقسوة بالغة.

يشير ابن القيم إلى أن الشيطان يتلاعب بالنفس البشرية عبر إخراجها من التوازن، فيقول نصاً بالغ الدلالة: > "ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر". وهذا "الغلو" ينشأ من فقدان بوصلة "المحبة". يرى ابن القيم أن الدين طائر يطير بجناحي الخوف والرجاء، ورأسه المحبة؛ فإذا قطع رأس الطائر (المحبة)، تحول الدين إلى مجموعة من القيود والأغلال التي تخنق النفس وتدفعها للبطش.

ويقرر القرآن هذا المبدأ النفسي العظيم في مخاطبة النبي ﷺ مبيناً أن استقامة الدين لا تكون بالغلظة والجفاف، بل باللين والرحمة القلبية النابعة من التوازن النفسي: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ آل عمران: 159.

رابعاً: "التزكية" كمنهج علاج معرفي وسلوكي إسلامي لحل هذه المعضلات، يقدم النموذج الإسلامي نظرية "التزكية" كبديل متكامل للعلاج النفسي والسلوكي؛ فالتزكية في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ ليست مجرد أداء شعائري، بل هي عملية جراحية دقيقة لفك العقد النفسية، وتقوم على ركنين أساسيين:

1. التخلية (تطهير الوعاء): وهي علاج "التفكير الحدي والإسقاط" بتفريغ النفس من أمراضها؛ كالحقد، والتعصب للرأي، وإلغاء الآخر، والكبر. هي عملية هدم لكل أصنام الأنا والنرجسية التي تتخفى خلف اللحى والعمائم، وتعليم النفس كيف تتسامح مع النقص البشري، استجابة للتوجيه النبوي: > «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى».
2. التحلية (إعادة البناء): وهي غرس القيم الوجدانية الإيجابية بعد تنظيف النفس؛ كزرع السكينة، والرحمة، وسعة الصدر، وقبول العذر، وحسن الظن بالخلق. التحلية تبني لدى الفرد "المرونة النفسية والمعرفية" التي تجعله يرى ألوان الحياة وتعدد اجتهاداتها، بدلاً من نظرته الحدية (الأسود والأبيض).

خاتمة القول إن معركتنا مع التطرف الديني لا تُحسم في ميادين المناظرات الفقهية والفكرية فحسب، بل في عيادات التربية وتزكية النفوس. إن تقديم النصوص الشرعية لشخص مريض نفسياً ومحتقن وجدانياً، كتقديم سلاح متطور لشخص أعمى؛ لن يستخدمه إلا لإيذاء نفسه وتدمير من حوله. لقد أدرك عباقرة الإسلام كالغزالي وابن القيم أن حماية الشريعة تبدأ من تنظيف الوعاء الذي يحملها (القلب)، وأن الدين ما جاء ليكون أداة للتنفيس عن أمراضنا وعقدنا، بل جاء ليعالجها؛ فمتى ما طهرت النفس وصحت، تجلى نور النص، وانقلبت الغلظة إلى رحمة، وتلاشت خفافيش التطرف في نور اليقين المعتدل.



#محمد_القطاونة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فقه التخيل والاستشراف: التأسيس الأصولي لصناعة الاستراتيجيات ...
- نحو قراءة معاصرة للفرق الباطنية والمنحرفة: من التفكيك المنهج ...
- المعمار المعرفي في كتاب الرسالة للشافعي: من ضوابط الاستدلال ...
- من الجمود الفقهي إلى الفقه الحضاري: نظرية -المآلات- كقاعدة ا ...
- الذكاء الاصطناعي والأديان: قراءة في أبعاد التحدي والتحول الح ...
- تفكيك العالم الروحي في الفضاء الرقمي: نحو روحانية خوارزمية؟
- أبستمولوجيا الميتافيرس: الوجود الرقمي والهوية والشعائر والرو ...
- الاستحسان الحنفي كإطار إبستمولوجي لتجاوز الجمود والانحياز في ...
- مرونة المعنى وسلطة المقاصد: الاجتهاد الإسلامي في عصر الذكاء ...
- أزمة المعنى والقلق الوجودي في الإنسان المعاصر
- العمارة الإسلامية الروحية: استعادة الإنسان في زمن الهيمنة ال ...
- من رصانة المنهج الشرعي إلى انحراف الفهم العقدي - الخوارج أنم ...
- فقه الأولويات العقدي وأزمة البرهنة في علم الكلام
- أدوات الصراع بين الأنسنة والوحي
- تفكيك البنية المعرفية للإلحاد المعاصر: قراءة نقدية في الأسس ...
- ما العرفان ؟
- التخيل المقاصدي في الفقه الاسلامي في حل الإشكاليات المعاصرة
- الدارونية واشكالية المعرفة
- العقل في محراب الوحي لإبراز دورة الحضاري
- المنهج الشكي في مواجهة اليقين


المزيد.....




- عبدالرحمن السيد: ملتزم بحماية المجتمع اليهودي بقدر التزامي ب ...
- اتفاقية الطائف.. كيف تجاوز اللبنانيون عقدة صلاحيات الرئيس وإ ...
- المؤسسة الدولية الإسلامية تعتمد 1.3 مليار دولار لتمويل شراء ...
- الصحفية اليهودية لومر: -أتمنى أن يتعلم الجميع العربية-.. ومغ ...
- «ترامب يبكي والإسلام يضحك»... خسارة الرئيس الأمريكي تقلق حلف ...
- النزاهة تطالب بتعديل قانون أوقاف المسيحيين والإيزيديين ومعال ...
- من الزيدية إلى الحوثية.. كيف تحول الإحياء المذهبي إلى تنظيم ...
- افتتاح متحف -شماش- اليهودي في بغداد
- ساويرس يعلق على فوز عبد الرحمن السيد وعلاقته بالإخوان
- كواليس هجوم -كتائب حزب الله-.. لماذا أبعد الزيدي اللجنة الشي ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد القطاونة - الجذور النفسية للتطرف الديني: قراءة تحليلية في تقاطعات علم النفس وتزكية النفوس في التراث الإسلامي