أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد القطاونة - أزمة المعنى والقلق الوجودي في الإنسان المعاصر














المزيد.....

أزمة المعنى والقلق الوجودي في الإنسان المعاصر


محمد القطاونة

الحوار المتمدن-العدد: 8572 - 2025 / 12 / 30 - 21:28
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يعد القلق في العصر الحديث مجرد اضطراب نفسي، بل تحوّل إلى حالة وجودية عامة تعكس أزمة الإنسان في عالم يسوده التقدّم المادي والتقنية المفرطة، حيث تبدو الحياة مشبعة بالوسائل ولكن خالية من الغايات. إن ما يسميه الفلاسفة الغربيون Existential Anxiety، أو القلق الوجودي، هو تعبير عن فراغ داخلي لا يُملأ إلا بالمعنى. وقد حاولت المادية الحديثة تفسير هذا القلق على أنه مجرد خلل كيميائي أو صراع غريزي، لكن هذا التفسير يظل سطحيًا مقارنة بالبعد الفلسفي والروحي العميق للوجود الإنساني. في الغرب، ربطت الفلسفة الوجودية القلق بالحرية، كما قال Kierkegaard: “دوار الحرية (the dizziness of freedom)”، وهو الشعور بالمسؤولية الكاملة أمام خيارات الإنسان وإدراكه لهشاشته وفنائه. وذهب Heidegger أبعد من ذلك عندما وصف القلق (Angst) كحالة تكشف الإنسان عن حقيقة Being-toward-death، وهو إدراك الفناء الذي يجعل تجربة الحياة أصيلة. كما رأى Victor Frankl في Logotherapy أن فقدان المعنى هو أصل الأزمة، مؤكدًا: “من يملك لماذا يعيش يمكنه تحمل أي كيف” (He who has a why to live can bear almost any how).
لكن البعد الإسلامي يقدم رؤية أكثر تكاملاً للقلق الوجودي، إذ لم يقتصر على الجانب النفسي، بل دمج بين الوجود، والمعنى، والغاية، والروح، والعقل. فالإنسان في الفكر الإسلامي ليس مجرد جسد أو عقل منفصل، بل كائن مركّب من الجسد والنفس والروح (nafs وrūḥ)، كل منها له دوره، والانسجام بينها هو أساس الطمأنينة والسكينة. يرى الغزالي أن القلب الإنساني هو مركز الإدراك والمعرفة الحقيقية، وأن اضطرابه ناتج عن غياب التوازن بين العقل، والنفس، والروح. ومن هنا جاءت فلسفة التربية الروحية عنده: تزكية القلب والمعرفة العملية (Ihsan and Ma’rifa)، إذ لا يكفي العقل وحده لفهم الحقيقة، بل يحتاج القلب إلى صفاء يسمح للإنسان بالإحساس بالمعنى الكامن وراء الحياة.
أما ابن سينا فقد درس النفس في سياق فلسفي متكامل، فميز بين النفس العاقلة والنفس الحيوانية والنفس النباتية، مشددًا على أن معرفة النفس العليا وتهذيبها هي الطريق إلى السعادة الحقيقية، وهو ما يوازي ما يسميه الغرب Self-actualization في علم النفس الإنساني. وذهب ابن رشد إلى أن العقل والشرع ليسا متعارضين، بل الشرع يوجه العقل نحو الخير والغاية العليا، بينما التصوفيون كابن عطاء الله السكندري وابن القيم شددوا على أن الطمأنينة النفسية والسكينة الروحية (Inner Tranquility) لا تتحقق إلا بالمعرفة العملية للذات والارتباط بالواقع الإلهي (Tawḥīd). وفي القرآن الكريم، يُبرز النفَس والروح بوصفهما عناصر أساسية للمعنى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾، فالوجود الإنساني ليس مجرد مادة أو آلية، بل تجربة تتجاوز حدود الزمان والمكان. إن القلق الوجودي في هذا السياق هو تذكير بالبعد الأسمى للإنسان وبضرورة البحث عن الغاية والمعنى، وهو ما يفسّر الاهتمام العميق بالذكر، والتأمل، والتفكر (Muraqaba وTafakkur) في الفكر الإسلامي كوسائل لمواجهة الفراغ الوجودي، وملء الذات بمعنى عميق ومستقر. إن مواجهة الإنسان المعاصر لأزمة المعنى لا تقتصر على العلاج النفسي أو السيطرة على الوسائل، بل تتطلب رؤية شاملة تجمع بين العقل والتأمل الروحي، بين الحرية والمسؤولية، وبين المادة والروح. وهذا ما يقدمه التراث الفلسفي الإسلامي: فلسفة للقلب والعقل، علم للمعنى والغاية، طريقة للتكامل الداخلي، لا مجرد وصف للاضطرابات أو سلوكيات الإنسان. وفي مواجهة Existential Vacuum الذي تصنعه المادية الحديثة، يصبح الفكر الإسلامي بمثابة منارة، تُعيد للإنسان القدرة على العيش بوعي، وعلى تحويل القلق الوجودي من أزمة تهدد إلى تجربة تكشف له عمق حياته وهدفه الحقيقي في الوجود.



#محمد_القطاونة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العمارة الإسلامية الروحية: استعادة الإنسان في زمن الهيمنة ال ...
- من رصانة المنهج الشرعي إلى انحراف الفهم العقدي - الخوارج أنم ...
- فقه الأولويات العقدي وأزمة البرهنة في علم الكلام
- أدوات الصراع بين الأنسنة والوحي
- تفكيك البنية المعرفية للإلحاد المعاصر: قراءة نقدية في الأسس ...
- ما العرفان ؟
- التخيل المقاصدي في الفقه الاسلامي في حل الإشكاليات المعاصرة
- الدارونية واشكالية المعرفة
- العقل في محراب الوحي لإبراز دورة الحضاري
- المنهج الشكي في مواجهة اليقين
- اولويات النقد الفكري
- الإسلام وعالمية الأبستمولوجيا التشاركية للمعرفة
- اشكالية الدين والدولة
- حرية الفن الإسلامي من التجسيد الوثني والقيد الكهنوتي
- الفن في الفكر الاسلامي
- قراءات نصية: الوحي في النصرانية وظهور الهرمنيوطقيا
- القراءات الحداثوية للنص المقدس ج1
- الاحتجاجي اليوناني والاحتجاج المقدس


المزيد.....




- فيديو يُظهر اقتياد مادورو بمنشأة احتجاز على ما يبدو بأمريكا ...
- قدما مادورو وأول مكان تطؤه على الأراضي الأمريكية له انعكاس ع ...
- لمحة داخل السجن المقرر لإقامة نيكولاس مادورو
- احتفالاً برأس السنة.. أكبر قفزة قطبية جماعية في شمال غرب الم ...
- حاملًا 3 كيلوغرامات كوكايين.. البحرين تضبط شخصًا بالمطار بمخ ...
- بعد اعىقال مادورو... ترامب يقول إن واشنطن -ستدير- فنزويلا
- عملية -الحسم المطلق-: كيف اعتقلت أمريكا مادورو في قلب كراكاس ...
- تحديث مباشر.. البيت الأبيض ينشر فيديو مادورو يسير بمنشأة احت ...
- طائرة تقل الرئيس الفنزويلي -المعتقل- تصل إلى نيويورك
- غارات جوية بريطانية فرنسية ضد داعش في جبال سوريا


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد القطاونة - أزمة المعنى والقلق الوجودي في الإنسان المعاصر