أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد القطاونة - من الجمود الفقهي إلى الفقه الحضاري: نظرية -المآلات- كقاعدة استشرافية للتنمية المستدامة وبناء الإنسان















المزيد.....

من الجمود الفقهي إلى الفقه الحضاري: نظرية -المآلات- كقاعدة استشرافية للتنمية المستدامة وبناء الإنسان


محمد القطاونة

الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 15:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لطالما عانى الوعي الإسلامي المعاصر من إشكالية مزدوجة في تعاطيه مع الشريعة؛ فمن جهة، استقر في الأذهان أن الفقه الإسلامي ليس سوى مدونة قانونية صارمة، تُعنى حصراً بتنظيم العبادات والمعاملات الفردية، وتدور في فلك الحلال والحرام بحدودهما الضيقة والمباشرة. ومن جهة أخرى، برزت تحديات العصر الكبرى – وعلى رأسها قضايا التنمية، والبيئة، وحقوق الأجيال القادمة، وبناء الإنسان – كقضايا مستحدثة تُعالج غالباً بأدوات وافدة ورؤى غربية، وكأن الفقه الإسلامي يقف عاجزاً عند عتبة المسجد ولا يملك القدرة على إدارة صخب الحياة وتعقيدات الحضارة. هذا الانفصام بين الفقه والواقع خلق حالة من "السكونية المعرفية"، حيث يُكتفى باستدعاء الفقه كقوة ردع وتغريم، بدلاً من استثماره كقوة دفع وتنمية. إن حصر العقل الفقهي في قراءة ظاهرية وموضعية للنصوص، والاكتفاء بعلاج المشكلات الواقعة والآنية (فقه النوازل)، قد غيّب عن الوعي الجمعي تلك المساحات الفلسفية الشاسعة في التراث الأصولي، التي صاغت قواعد كبرى قادرة على ليس فقط مواكبة الحضارة، بل هندستها. وإذا أردنا اليوم الخروج من هذا النفق، والبحث عن ركيزة فكرية عميقة تنسجم تماماً مع جوهر فكرة "التنمية المستدامة" التي يتنادى بها العالم أجمع، فلن نجد في الفكر البشري قاعدة أعمق وأدق من أطروحة الأصوليين حول "اعتبار المآلات"، وهي القاعدة التي تنقل الفقه من التفكير اللحظي إلى التخطيط الحضاري الاستشرافي.
الشرع وعقلانية الغايات: التأسيس الفلسفي للتنمية: لا يمكن بناء حضارة مستدامة على قوانين جافة ومنقطعة عن غاياتها، فالقانون الذي لا يستشرف المستقبل يصبح عبئاً على المجتمع. إن صمام الأمان في الفقه الإسلامي يكمن في إدراك غاياته الكبرى واستبطان مقاصده العميقة، وهو ما لخصه العقل الأصولي الفذ الإمام ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" حين أطلق عبارته الخالدة التي تصلح كدستور للسياسات التنموية: "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلُّها، ومصالحُ كلُّها، وحكمةٌ كلُّها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل". هذا التأسيس الفلسفي المتين يفرض على صانع القرار، والمستثمر، ومخطط التنمية ألا ينظر إلى ظاهر الفعل الاقتصادي أو البيئي فقط، بل يجب أن يزن مآله. فإن كان مشروع ما سيحقق ربحاً هائلاً اليوم، لكن مآله سيكون الجور على حقوق الأجيال القادمة، أو تدمير الغطاء البيئي، فهو "خروج عن المصلحة إلى المفسدة"، وبالتالي يُرفض شرعاً، حتى لو كانت مواده في الظاهر مباحة. لقد بلغت هذه القاعدة ذروة نضجها المنهجي وتبلورها العلمي عند الإمام الشاطبي في سفره العظيم "الموافقات"، حيث حوّل "المآل" من مجرد فكرة تجريدية إلى آلية إلزامية وشرط أساسي في أي قرار أو حكم. يقول الشاطبي بوضوح حاسم: "النظر في مآلات الأفعال معتبرٌ مقصودٌ شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة. وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل". في هذا النص، نرى كيف يتحول الفقيه (وصانع السياسات بالتبعية) من مجرد منفذ لتعليمات سابقة، إلى خبير "استشرافي" للمستقبل. وإذا تأملنا هذا المفهوم بدقة، وأسقطناه على التنمية المعاصرة، سنجد أنه يتطابق بل يتجاوز التعريف الدولي الشهير للتنمية المستدامة (تقرير برونتلاند): "تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة". فالسؤال الجوهري الذي يطرحه الفكر التنموي الحديث: كيف نحمي حقوق من لم يولدوا بعد؟ الإجابة الإسلامية كانت ولا تزال: عبر الالتزام الصارم بـ "اعتبار المآلات". فتطبيقات "فقه المآلات" في بناء الاستدامة الشاملة: عند تفكيك هذه القاعدة وتنزيلها على الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة (البيئة، الاقتصاد، المجتمع)، ندرك حجم الثراء الكامن في التراث الأصولي، وكيف يمكن أن يشكل ركيزة لبناء الإنسان وتعمير الأرض.
أولا: البعد البيئي والاستدامة الإيكولوجية: النظام الرأسمالي التقليدي ينظر إلى الطبيعة كمخزن للموارد المتاحة للاستهلاك الفوري، بينما تنظر الرؤية الإسلامية إلى البيئة كأمانة تحت مظلة "الاستخلاف". يُرسي الإمام العز بن عبد السلام (سلطان العلماء) في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" رؤية متقدمة في حفظ التوازن الكوني، إذ يقرر أن "الشريعة كلها مصالح، إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح". ولم يقف عند حدود الإنسان، بل شرّع لحماية الحيوان والبيئة. ولو طبقنا قاعدة المآلات هنا، وافترضنا وجود مشروع تنقيب ضخم عن المعادن سيحقق ثراءً سريعاً للدولة ويقضي على البطالة حالياً، لكن الدراسات الاستشرافية تؤكد أنه سيؤدي بعد عقود إلى تلوث المياه الجوفية وتسميم التربة وتصحر المنطقة؛ فإن الفقه السطحي المحدود قد يجيزه لنفعه العاجل الظاهر، بينما "فقه المآلات" يتدخل بصرامة لإيقافه فوراً، مستنداً إلى القاعدة الأصولية الحاكمة: "درء المفاسد الآجلة مقدّم على جلب المصالح العاجلة". فالمصلحة التي تفني مقدرات المستقبل هي مفسدة متخفية.
ثانيا: البعد الاجتماعي وحماية السلم الأهلي: لا يمكن لأي حضارة أن تستدام، ولا لأي تنمية أن تنجح، في ظل خلل هيكلي في العدالة الاجتماعية أو احتكار فاحش للموارد في يد قلة. هنا تتدخل قاعدة المآلات كدرع لحماية التماسك المجتمعي. ولعل أبرز تطبيق حضاري باهر لهذه الفكرة هو قرار الخليفة العبقري عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين رفض بشدة توزيع أراضي "سواد العراق" المفتوحة على الفاتحين، على الرغم من أن ذلك حق ظاهري لهم في الغنائم وفق أحكام الجهاد المباشرة. لقد تجاوز عمر بن الخطاب ضغط اللحظة وتوقعات الحاضر، ونظر بعين الاستشراف إلى المآل البعيد، متسائلاً بقلق المفكر التنموي: "فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض قد اقتسمت ووُرثت؟". لقد أدرك بوضوح أن مآل التوزيع الفوري للأراضي الزراعية الخصبة سيؤدي حتماً إلى خلق طبقة إقطاعية تكتنز الثروات، بينما تُحرم الأجيال اللاحقة من ثروات بلادها ومن مصادر العيش. هذا القرار العمراني العظيم يجسد الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية بأبهى صورها. وهو ما يعضده تأصيل الإمام القرافي في "الفروق" حين يقرر القاعدة الذهبية للحكم: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة". والمصلحة المقصودة هنا ليست استرضاء الجيل الحاضر، بل هي مصلحة الأمة الممتدة عبر خط الزمن.
ثالثا ُ: البعد الإنساني وإصلاح منظومة الاستخلاف: ولكي تكتمل هذه الرؤية الحضارية، يأتي العلامة المقاصدي الكبير محمد الطاهر بن عاشور في العصر الحديث، ليصوغ في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية" أروع نص فلسفي يربط بين الفقه ومفهوم التنمية المستدامة، حيث يقرر بشمولية مذهلة أن: "المقصد العام من التشريع هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه". إن استخدام ابن عاشور لمفردة "استدامة" بدقة، وربطه العبقري بين إصلاح الإنسان المادي والفكري، وإصلاح "موجودات العالم" (أي البيئة والموارد والمقدرات الطبيعية)، يمثل قفزة نوعية في الفكر الإسلامي. فالتنمية المستدامة في منظورها الغربي العلماني تقف غالباً عند حدود تلبية احتياجات الإنسان المادية، بينما الرؤية الإسلامية، عبر فقه المآلات والمقاصد، تضيف أبعاداً أعمق تشمل حفظ "العقل" و"النسل". فهي تتصدى لأي سياسة إعلامية أو تعليمية مآلها تسطيح وعي الأجيال، وترفض أي تغييرات اجتماعية مآلها تفكيك مؤسسة الأسرة، لأنها تدرك يقيناً أن انهيار هذه المحاضن الإنسانية يعني انهيار الحضارة من الداخل، مهما بلغت صلابة ناطحات السحاب وحجم النمو الاقتصادي. إن الخروج من أزمة التخلف الحضاري والانتقال إلى الريادة يتطلب إعادة اكتشاف المخزون الفلسفي والأصولي الهائل الذي تمتلكه الأمة. إن تحرير الفقه الإسلامي من أغلال النظرة السكونية الآنية، والانتقال به إلى رحابة الفقه الحضاري، يمر حتماً عبر تفعيل نظريات كبرى مثل "اعتبار المآلات". لقد أثبتت هذه الأطروحة الأصولية أن العقل الإسلامي يمتلك مرونة فائقة وقدرة استثنائية على توجيه عجلة التنمية المستدامة، ليس من موقع التبعية لضغوط العصر والمواثيق الوافدة، بل من موقع الاستحقاق الأصيل المنطلق من رسالة "الاستخلاف" في الأرض. إن دمج التفكير المآلي في صياغة السياسات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية هو الضمانة الحقيقية لبناء حضارة تحترم الإنسان في حاضره، وتحفظ حقوق من لم يولدوا بعد، لتكون الشريعة بحق رحمة ومصلحة وملاذاً للأجيال المتعاقبة.



#محمد_القطاونة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي والأديان: قراءة في أبعاد التحدي والتحول الح ...
- تفكيك العالم الروحي في الفضاء الرقمي: نحو روحانية خوارزمية؟
- أبستمولوجيا الميتافيرس: الوجود الرقمي والهوية والشعائر والرو ...
- الاستحسان الحنفي كإطار إبستمولوجي لتجاوز الجمود والانحياز في ...
- مرونة المعنى وسلطة المقاصد: الاجتهاد الإسلامي في عصر الذكاء ...
- أزمة المعنى والقلق الوجودي في الإنسان المعاصر
- العمارة الإسلامية الروحية: استعادة الإنسان في زمن الهيمنة ال ...
- من رصانة المنهج الشرعي إلى انحراف الفهم العقدي - الخوارج أنم ...
- فقه الأولويات العقدي وأزمة البرهنة في علم الكلام
- أدوات الصراع بين الأنسنة والوحي
- تفكيك البنية المعرفية للإلحاد المعاصر: قراءة نقدية في الأسس ...
- ما العرفان ؟
- التخيل المقاصدي في الفقه الاسلامي في حل الإشكاليات المعاصرة
- الدارونية واشكالية المعرفة
- العقل في محراب الوحي لإبراز دورة الحضاري
- المنهج الشكي في مواجهة اليقين
- اولويات النقد الفكري
- الإسلام وعالمية الأبستمولوجيا التشاركية للمعرفة
- اشكالية الدين والدولة
- حرية الفن الإسلامي من التجسيد الوثني والقيد الكهنوتي


المزيد.....




- -قبر المسيح- في اليابان.. قرية تحرس واحدة من أغرب الأساطير ا ...
- التلفزيون السويدي: المالك السابق لشركة بريم مشتبه بتمويل بن ...
- الشيخ رائد صلاح يحذر من -السجود الملحمي- ومخططات تهويد المسج ...
- رئيس فريق الدفاع عن الضحايا في قضية اغتيال سيف الإسلام القذا ...
- المصريين الأحرار: خطوة فلوريدا تؤكد أن خطر الإخوان لم يعد شأ ...
- يهود سويسرا يواجهون مخاوف أمنية متزايدة، بحسب هيئة رصد
- أيقونة -الثالوث- لروبليف تعود إلى حاجز كاتدرائية دير القديس ...
- دراسة: يهود ألمانيا يشعرون بالعزلة والرفض منذ هجوم 7 أكتوبر ...
- الإخوان المسلمون بعد قرن: مراجعاتٌ لبوصلة الأفكار والمواقف
- ترامب يحمّل الإسلام والهجرة مسؤولية الاحتجاجات الطلابية في ف ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد القطاونة - من الجمود الفقهي إلى الفقه الحضاري: نظرية -المآلات- كقاعدة استشرافية للتنمية المستدامة وبناء الإنسان