أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - ماذا يفعل الإنسان الذي تعلم أكثر مما يحتمل العالم؟














المزيد.....

ماذا يفعل الإنسان الذي تعلم أكثر مما يحتمل العالم؟


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 00:13
المحور: قضايا ثقافية
    


في قصة «الرهان» لأنطون تشيخوف، يدخل المحامي سجنا اختياريا مدته خمسة عشر عاما، طمعا في جائزة مالية كبيرة. لكنه يخرج من تجربته إنسانا آخر. فالكتب التي قرأها، والمعارف التي اكتسبها، والتجارب الإنسانية التي عاشها من خلال القراءة، غيرت نظرته إلى الحياة والمال والناس. أصبح يرى في كثير مما يتنافس البشر عليه أمورا تافهة لا تستحق أن يضحوا من أجلها بأعمارهم.
لكنني، كلما قرأت هذه القصة، وجدتني أفكر في ما لم يخبرنا به تشيخوف: ماذا سيفعل هذا الإنسان بعد انتهاء عزلته وخروجه ليعود إلى الحياة الاجتماعية؟ كيف سيعيش بين أناس لا يتشاركون معه بالضرورة القيم التي انتهى إليها؟ كيف سيتعامل مع عالم تحكمه المصالح، وتكثر فيه المراهنات غير الشريفة، ويصبح فيه الكذب والخداع والنفاق أحيانا وسائل للنجاح والوصول إلى الغايات؟
هناك مسافة واسعة بين عالم الكتب وعالم البشر. في الكتب نقرأ عن العدالة والحرية والكرامة والصدق والتسامح، ونتعرف إلى تجارب إنسانية عظيمة، وإلى عقول حاولت أن تجعل من الحياة مكانا أفضل. لكننا عندما نعود إلى واقعنا، نكتشف أن كثيرا من هذه القيم لا تجد طريقها إلى الممارسة، وأن بعض الذين يتحدثون عنها لا يترددون في مخالفتها عندما تتعارض مع مصالحهم.
وهنا تكمن معضلة المثقف الصادق وصاحب المبادئ. فالمعرفة لا تمنحه دائما قدرة أكبر على الانسجام مع المجتمع، بل قد تجعله أكثر إدراكا لتناقضاته، وأكثر حساسية تجاه ما يراه من زيف وازدواجية. إنه يعرف ما ينبغي أن يكون، لكنه يعيش فيما هو كائن. يؤمن بقيم لا يجدها حاضرة بالقدر الذي كان يتوقعه، ويرى حوله ممارسات يصعب عليه قبولها أو المشاركة فيها.
فهل عليه أن يتنازل عن بعض مبادئه كي يستطيع العيش؟ أم يظل متمسكا بها، ولو دفع ثمن ذلك عزلة أو خسارة أو شعورا دائما بالغربة؟
ربما لا تكمن المأساة في أن يختلف الإنسان مع العالم، بل في أن يضطر إلى التعامل معه كل يوم، وهو يرى الهوة بين ما يؤمن به وما يمارسه كثيرون. ومع ذلك، ليس المطلوب أن يعتزل الحياة أو أن ينظر إلى الآخرين من برج أخلاقي عال، بل أن يحتفظ بما تعلمه، وأن يحاول أن يعيش وفقا له، دون أن يفقد إنسانيته أو ثقته بإمكانية أن يكون العالم أفضل.
ولعل حكاية الحكيم الذي حاول إنقاذ عقرب سقط في الماء، رغم أن العقرب كان يلدغه كلما مد يده إليه، تقدم لنا إجابة ما. فقد ظل الحكيم يحاول حتى أنقذه. وعندما سأله من حوله مستغربين إصراره على إنقاذ مخلوق يلدغه، أجابهم بما معناه: طبيعتي أن أساعد، وطبيعة العقرب أن يلدغ، فلماذا أغير طبيعتي بسبب طبيعته؟
ليس كل ما نتعلمه في الكتب قابلا للتحقق في الواقع، لكن ذلك لا يجعل القيم التي تعلمناها أقل أهمية، ولا يجعل التخلي عنها حلا. فالصدق لا يعني السذاجة، والتسامح لا يعني قبول الإهانة، والتمسك بالمبادئ لا يعني السماح للآخرين باستغلالنا.
فماذا يفعل الإنسان الذي تعلم أكثر مما يحتمل العالم؟



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا نفعل بهذه الحياة القصيرة؟
- انتظار التغيير والخوف من تكرار المأساة في سوريا
- صحراء بلا صدى
- الأمة وماضيها: في جذور القومية العربية ونرجسية التاريخ
- سوريا التي لم تعد كما عرفناها
- عن العلاقات التي لا تحتاج إلى لغة
- نتكلم عن الكون ونحن نجهل كوكبنا
- هل نحن أذكى ممن قد يكونون هناك؟
- من يحق له أن يقف هنا؟
- مات قبل أن يسكن
- الماضي الذي كنا عليه: هل يحق للإنسان أن يصبح شخصا آخر؟
- إذا أصبح الخيال العلمي واقعا... ماذا يفعل الإنسان بمخلوقاته؟
- الوطن بين مكان يمكن العودة إليه ومكان لا نستطيع العودة إليه، ...
- اللاذقية والغياب
- سوريا ليست لأحد وحده
- يكفي أن نعيش
- كيف يصبح المستقبل تهديدا
- التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع
- عندما يصبح الخيال أصدق من الواقع
- الوحش الكامن


المزيد.....




- قيادي جمهوري يهاجم وزير الدفاع الأمريكي.. ونائب ديمقراطي يطا ...
- تشييع حاشد للسلايطة.. والملك: لا تهاون مع الإرهاب
- أمير الكويت يتوجه إلى الولايات المتحدة لإجراء فحوصات طبية
- خبير قانون دولي يوضح لـRT مسارات مصر القانونية بشأن اتفاق لي ...
- السلطات السورية توضح طبيعة حركة الطيران في مطار دمشق وتعلق ع ...
- الشيوخ الباراغوايي يرفض إمهال بينيا ويأمره بالحضور فورا
- رئيس الوفد الأوكراني إلى أبوظبي يوضح توقعاته من المفاوضات ال ...
- حزب الله يدعم إيران ويحذر من إسرائيل
- الصين تحذر المجتمع الدولي من تسارع -إعادة عسكرة- اليابان
- نائب أوكراني يتهم زيلينسكي بالإقامة في الغرب ويحذر من مغادرت ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - ماذا يفعل الإنسان الذي تعلم أكثر مما يحتمل العالم؟