أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - صحراء بلا صدى














المزيد.....

صحراء بلا صدى


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 22:18
المحور: الادب والفن
    


يمشي.
لا يعرف منذ متى بدأ.
ولا يعرف إلى أين يمضي.
لا شيء أمامه سوى الرمل.
ولا شيء خلفه سوى الرمل
يظن أن للمشي غاية معتقدا أن وراء الأفق شيئا ما: شجرة، ماء، مدينة، بيتا، أو على الأقل حجرا كبيرا يستريح عنده. إنه يحتاج إلى أن يصدق أن هناك شيئا ينتظره، وإلا فما معنى أن يواصل؟
لكن الأفق ظل كما هو.
كلما ظن أنه اقترب، ابتعد.
وكلما أسرع، بدا له أن الصحراء تزداد اتساعا.
توقف ذات مرة، ومسح العرق عن وجهه، ثم نظر حوله.
لم يكن هناك أحد.
رفع رأسه إلى السماء.
قال:
ـ هل تسمعني؟
انتظر.
لم يجبه أحد.
ابتسم.
ـ كنت أعرف.
ثم مشى.

بعد وقت طويل، لا يعرف إن كان ساعة أم يوما، صرخ:
ـ لماذا؟
خرجت الكلمة من صدره حادة، ثم أخذت تبتعد عنه.
ظل واقفا يستمع.
لا شيء.
قال:
ـ لماذا بدأتني هكذا؟
ثم غضب من نفسه.
ـ ومن قال إنني بدأت أصلا؟
جلس.
غرس أصابعه في الرمل.
تركه ينساب من بين أصابعه.
قال:
ـ ربما لم يكن هناك سبب.
ثم رفع رأسه.
ـ وربما هناك سبب، لكنك لا تريد أن تقوله.
انتظر.
لا جواب.
ضحك.
ـ حتى الصمت له غرور.
نهض ومشى.

كان أحيانا يكره نفسه.
كان يتذكر أشياء لم يكن يريد تذكرها، ووجوها لم تعد موجودة، وأبوابا أغلقها بيده، وأبوابا أخرى ظل واقفا أمامها حتى أغلقها الآخرون.
كان يقول:
ـ كنت جبانا.
ثم يمشي قليلا ويقول:
ـ لا. كنت شجاعا.
ثم يعود:
ـ كنت غبيا.
ثم:
ـ ربما كنت أفعل ما أستطيع.
وكانت أكثر جملة يخاف منها هي:
ـ ربما لم يكن في استطاعتي أن أكون شخصا آخر.
لأنه لم يجد لها من يلومه.

ذات يوم، أو ما ظنه يوما، رأى شيئا في البعيد.
ارتفع قلبه.
أسرع.
كان شيئا مرتفعا فوق الرمل.
جبل؟
هضبة؟
صخرة؟
لم يكن يعرف.
لكنه أسرع نحوه.
وحين وصل، وجدها مجرد كثيب رملي أعلى من غيره.
وقف أمامه طويلا.
ثم ضحك.
ضحك حتى انحنى.
وحين هدأ، قال:
ـ حتى أنت؟
جلس عند سفحه.
وللمرة الأولى منذ بدأ المشي لم يطلب شيئا.
لم يسأل.
لم يصرخ.
فقط جلس.
كانت الريح تمر فوق الرمل، تمحو آثار قدميه التي خلفها منذ الصباح.
نظر إليها وقال:
ـ إذن لا شيء يبقى.
ثم سكت.
وبعد قليل أضاف:
ـ حتى أنا.

في تلك الليلة، كان أكثر هدوءا.
استلقى على الرمل، وترك عينيه مفتوحتين.
كانت النجوم كثيرة.
أكثر مما يستطيع عدّه.
قال:
ـ هل أنت هناك؟
لم يكن يعرف لماذا قالها.
ربما لأنه تعب من إنكار وجود من يخاطبه.
وربما لأنه تعب من افتراض وجوده.
قال:
ـ إن كنت هناك... فتكلم.
صمت.
ـ أي شيء.
صمت.
ـ حتى كلمة واحدة.
ظل الصمت كما هو.
أغمض عينيه.
قال:
ـ حسنا.
ثم ابتسم في الظلام.
ـ لكن لا تقل لي إنك لم تسمع.

في الصباح مشى.
لم يعد يسأل عن المسافة.
لم يعد ينظر إلى الأفق كثيرا.
كان يمشي لأن الجلوس صار يشبه الموت قليلا، ولأن المشي، رغم كل شيء، كان يمنحه وهما صغيرا بأنه يختار.
وأحيانا كان يتوقف بلا سبب.
يقف وسط الصحراء، ينظر أمامه، ثم يصرخ:
ـ أنا هنا!
وكان صوته يسافر.
ثم يصرخ:
ـ هل تسمعني؟
وكان صوته يسافر أكثر.
ثم:
ـ هل كنت تسمعني عندما كنت صغيرا؟
يسافر الصوت.
ـ هل كنت تسمعني عندما أخطأت؟
يسافر.
ـ عندما ظلمت؟
يسافر.
ـ عندما خفت؟
يسافر.
ـ عندما أحببت؟
يسافر.
ثم، بعد صمت طويل:
ـ عندما كنت سعيدا؟
يسافر.
في تلك اللحظة لم يعرف لماذا كان السؤال الأخير أصعب من كل الأسئلة السابقة.

مع مرور الوقت، تغير صوته.
لم يعد قويا كما كان.
صار أجش.
أحيانا كان يفتح فمه ولا يخرج منه شيء.
وأحيانا كان يريد أن يصرخ، فيتعب قبل أن يبدأ.
لكن شيئا غريبا حدث.
لم يعد الصمت يخيفه كما كان.
صار يعرفه.
صار يجلس معه.
صار يمشي إلى جانبه.
وفي إحدى المرات، توقف وقال:
ـ ربما كنت أطلب منك أكثر مما ينبغي.
ثم سكت.
ـ وربما كنت أطلب منك أقل مما ينبغي.
ثم ابتسم.
ـ لا أعرف.
نظر إلى الفراغ.
ـ وأنا تعبت من عدم المعرفة.
للمرة الأولى لم يكن في صوته غضب.
كان فيه شيء يشبه الاستسلام، لكنه لم يكن استسلاما كاملا.
شيء بينهما.
شيء لا اسم له.

في آخر مرة صرخ، لم يصرخ طويلا.
قال:
ـ اسمعني.
ثم انتظر.
ـ أنا لا أريد شيئا.
وانتظر.
ـ لا أريد طريقا.
انتظر.
ـ ولا جوابا.
انتظر.
ـ ولا حتى أن أعرف أنك هناك.
خفض رأسه.
ـ فقط...
تردد.
ثم قال:
ـ لا تجعل كل هذا بلا معنى.
ظل واقفا.
لم يجب أحد.
لم تتحرك الصحراء.
لم ينشق الأفق.
لم يظهر جبل.
ظل العالم كما كان.
رفع عينيه إلى الأمام.
مسح الرمل عن قدميه.
ثم مشى.
بعد خطوات قليلة، توقف.
استدار.
نظر إلى المكان الذي جاء منه.
لم ير شيئا.
حتى آثار قدميه اختفت.
قال لنفسه:
ـ إذن لم أكن هنا.
ثم فكر قليلا.
ـ أو ربما كنت.
ابتسم.
ثم استدار ومشى.
كان صوته قد انتهى.
لكن خطواته ظلت تقول شيئا.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
حتى لم يعد هناك من يستطيع أن يميز:
هل كان الرجل يمشي في الصحراء،
أم كانت الصحراء هي التي تمشي فيه؟
ومضى.
ولم يكن يعرف إن كان ذاهبا إلى شيء،
أم عائدا إلى البداية،
أم أن البداية والنهاية لم تكونا سوى اسمين اخترعهما رجل متعب
ليحتمل المسافة.
مشى.
ثم توقف.
ثم مشى.
وكأن ذلك كله...
كان صوته الأخير.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمة وماضيها: في جذور القومية العربية ونرجسية التاريخ
- سوريا التي لم تعد كما عرفناها
- عن العلاقات التي لا تحتاج إلى لغة
- نتكلم عن الكون ونحن نجهل كوكبنا
- هل نحن أذكى ممن قد يكونون هناك؟
- من يحق له أن يقف هنا؟
- مات قبل أن يسكن
- الماضي الذي كنا عليه: هل يحق للإنسان أن يصبح شخصا آخر؟
- إذا أصبح الخيال العلمي واقعا... ماذا يفعل الإنسان بمخلوقاته؟
- الوطن بين مكان يمكن العودة إليه ومكان لا نستطيع العودة إليه، ...
- اللاذقية والغياب
- سوريا ليست لأحد وحده
- يكفي أن نعيش
- كيف يصبح المستقبل تهديدا
- التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع
- عندما يصبح الخيال أصدق من الواقع
- الوحش الكامن
- أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما ه ...
- سقط الأسد وبقيت الأسدية
- الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب ا ...


المزيد.....




- نجل الفنان الراحل نضال سيجري يعلن قبوله في المعهد العالي للف ...
- بعد أزمة النجوم.. اعتذار جديد يهز حسابات مهرجان الموسيقى الع ...
- اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني العربي
- فيلم -كلايفيس-.. وحش بلا وجه يحتل غوثام وينتظر باتمان
- حماس تهاجم بيان غوتيريش وتتهمه بتبني الرواية الإسرائيلية في ...
- بطرسبورغ تحتفي بذكرى ميلاد شاعرها الأسطوري ليرمونتوف
- ملكة قازان وبرجها الغامض.. قصة سيومبيكي بين الحقيقة والأسطور ...
- ختام فعاليات مهرجان «فنون الأداء» في دورته الخامسة  بمسرح نه ...
- دراسة نقدية ثقافية بعنوان -الأنساق الثقافية في رواية امرأة ف ...
- الفنان الروسي يوري بوريسوف يدخل سباق الأوسكار عن فيلم -آرتيف ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - صحراء بلا صدى