|
|
فيلم- إشارات صفراء - يفصخ ممارسات سلطة اردوغان القمعية بحقّ االمثقفين والمعارضين
علي المسعود
(Ali Al- Masoud)
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 13:45
المحور:
الادب والفن
بعد فيلمه "غرفة المعلمين" ( الذي نال إشادة دولية واسعة وحصد العديد من الجوائز )، يعود المخرج" إلكر تشاتاك "، المرشح لجائزة الأوسكار ، ليقدم تحفةً سينمائيةً أخرى بعنوان "رسائل صفراء" عملٌ مثيرٌ ومكثفٌ ويلامس قضايا راهنة . حصل الفيلم على جائزة "الدب الذهبي" في مهرجان برلين السينمائي الدولي . يتمحور الفيلم حول زوجين يجدان نفسيهما تحت ضغطٍ هائلٍ بسبب تعسف نظامٍ سياسيٍّ استبدادي، مما يضعهما أمام مفترق طرق: إما التمسك بمثلهما العليا أو الرضوخ والتكيف. وبفضل الأداء القوي والمؤثر لنجمي السينما التركية "أوزغو نامال " و" تانسو بيتشير"، ينسج "إلكر تشاتاك "دراما عميقةً وآنيةً للغاية حول الشجاعة بوجه السلطة، مسلطاً الضوء على القضايا الاجتماعية والسياسية الكبرى التي تشغل عالمنا اليوم . تدور أحداث فيلم "رسائل صفراء "، في تركيا، وتحديداً في ظل الواقع السياسي الراهن للبلاد ، حيث بات القمع جزءاً من الحياة اليومية. كما أصبحت الرقابة أمراً معتاداً، تتجلى في قيود ذات دوافع سياسية على حرية الفن، وتآكلٍ للحريات الأكاديمية . وهنا، تتضح دلالة التشبيه الذي يقدمه تشاتاك، فسيناريو "رسائل صفراء" لا يقتصر على كونه انعكاساً للسياسة التركية الراهنة فحسب، بل يعمل أيضاً كتحذير من احتمالية توغل النزعة الشمولية في ديمقراطياتٍ تبدو (من الناحية الهيكلية) - أكثر حصانة وقدرة على الدفاع عن نفسها . سمع المخرج "تشاتاك " لأول مرة عن "الرسائل الصفراء" عندما كان يزور أصدقاءً له في أحد مسارح إسطنبول، حيث يقول: "كانت تلك الرسائل عبارة عن تبليغ حكومي (بناءً على مبررات واهية للغاية) بالأيقاف عن العمل والمنع من السفر ، لإخضاعهم لمزيد من الاستجواب أو الإجراءات القضائية ، و قد شغله هذا الموضوع كثيراً . ومع ذلك، استغرق الأمر عامين آخرين (وفيلمين آخرين) قبل أن يبدأ تشاتاك -بالتعاون مع الكاتبين المشاركين آيدا تشاتاك وإنيس كوستيبين- في إجراء البحوث والبدء في عملية الكتابة . يُعد عزيز (تانسو بيتشير) وديريا (أوزغو نامال) زوجان فنانان مسرحيان ويحظيان بتقدير كبير في أنقرة ، هو يكتب المسرحيات ويدرّس الكتابة المسرحية للشباب في الجامعة، وهي تعتلي خشبة المسرح لتضفي الحياة على نصوصه . وعلى الصعيد الشخصي، تبدو الأمور على ما يرام ، إذ يعيشان في شقة أنيقة بوسط المدينة، ويحيط بهما أصدقاء من النخبة، ولديهما ابنة تبلغ من العمر 13 عاماً (ليلى سميرنا كاباس) تستعد للالتحاق بمدرسة خاصة . في هذا الفيلم الدرامي المتقن الصادر عام 2026، والذي يحمل العنوان ذاته، يستخدم المخرج الألماني من أصول تركية "إيلكر تشاتاك" هذه «الرسائل» كمحرك لسلسلة من الأحداث .بين عامي 2016 و2019، تعرض نحو 2000 فنان للإيقاف عن العمل والملاحقة القضائية من قبل الحكومة التركية بسبب توقيعهم على عريضة تدعو للحرية والسلام . يحاول الزوجان تقديم فن يحمل وعياً اجتماعياً، وفي الوقت ذاته يرفضان الانصياع لرغبات الحكومة (إذ ترفض ديريا التقاط صورة مع حاكم الولاية) ، أما ابنتهما المراهقة إزجي (تؤدي دورها ليلى سميرنا كاباس) -التي تبدي ولاءً لأسرتها لكنها تحمل نزعة تمرد خفيفة ، تصارحهما بأن الفن لن ينقذ العالم. لكن في صباح اليوم التالي، تدرك العائلة بأكملها العكس تماماً: أن العالم قادر على تدمير فنهم .يُفصل عزيز وزملاؤه من الجامعة التي يدرّسون فيها، ويحال الكاتب المسرحي عزيز الى المحاكمة ، خلال أحداث غزة و أوكرانيا ، دكتور جامعي ينشر بوستات متعلقة بالحرب وتدينها، ، لهذه بيتفاجئ هو و باقي الدكاترة بقرار الفصل ، يتم طردهما من المسرح و حذف المسرحية من جدول العروض , تنتقل العائلة بأكملها -وقد فقد أفرادها وظائفهم- إلى إسطنبول، حيث تستضيفهم غونغور هانم والدة عزيز (تؤدي دورها إيبيك بيلجين). يستكشف" إيلكر تشاتاك" ببراعة تلك المساحة العائلية والاجتماعية "البينية"، وهي المساحة الواقعة بين فقدان مكانة اجتماعية مرموقة واحتمالية اللجوء إلى المنفى (أو النفي الذاتي) . على الرغم من أن اسم "أردوغان" لا يُذكر مطلقاً، إلا أن فيلم "رسائل صفراء" يشير بوضوح إلى موجة التطهير التي تشهدها تركيا منذ محاولة الانقلاب عام 2016 . وهي حملة تسعى من خلالها الحكومة إلى إسكات صوت الأكاديميين والفنانين والصحفيين "غير المرغوب فيهم" عبر فصلهم من وظائفهم والتضيق عليهم ومنعهم من ممارسة فعالياتهم ، و حتى الزج بهم في السجون بتهمة القيام بأنشطة معادية للدولة. تماماً كما هو حال "عزيز"، الذي يواجه عقوبة السجن لعدة سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة ، و تعريض الأمن العام للخطر ،والانضمام لجماعات محظورة ، وكذالك إهانة السيد الرئيس على فيسبوك ، وهو حدثٌ لم يقع فعلياً بهذا الشكل، لكن "دريا" و"عزيز" كانا ينتقدان في أعمالهما الفنية القيود التي تفرض على المبدعين والفنانين من قبل السلطة . كما شجّع "عزيز" بعض الطلاب على المشاركة في مظاهرات سلمية. كانت هذه الأفعال كافيةً ليصبحا هدفاً للدولة ويقعا في خضم "موجة التطهير ، من خلال هذا الفيلم، يكشف المخرج "تشاتاك " أشكال القمع والقيود والتعسف الحكومي التي تطال الفن والعلوم في بقاع أخرى من العالم .ورغم ذكاء القصة وعمق تعاطفها الإنساني، لا يغيب عن المخرج أبداً التركيز على الحالة النفسية والوجدانية لشخصياته الرئيسية . وقد نجح النجمان التركيان "أوزغو نامال" و"تانسو بيتشير" في منح هذه الشخصيات المركّبة حضوراً لا يُنسى. ديريا (أوزغو نامال) ممثلة تركية مرموقة، وهي متزوجة من عزيز (تانسو بيتشير) - الكاتب المسرحي والمؤلف والأستاذ الجامعي - الذي تؤدي أعماله على خشبة المسرح. وقد لاقت مسرحيته الأخيرة، ذات الطابع السياسي البارز، استحسان الجمهور. لكن بعد العرض الأول، رفضت ديريا التقاط صورة مشتركة مع المسؤول الحكومي( المحافظ). وبعد فترة وجيزة، ومع تصاعد التوترات السياسية وحالات العصيان المدني في تركيا، شجّع الأستاذ عزيز طلابه على المشاركة في الاحتجاجات؛ فتم إيقافه عن العمل في اليوم التالي، هو وجميع زملائه في القسم الجامعي . وفي الوقت ذاته، قرر مدير المسرح استبعاد المسرحية من البرنامج. وبينما يواجه الزوجان انهيار مسيرتيهما المهنيتين، يبدآن في إعادة تقييم قيمهما الشخصية، مما يضع زواجهما - وعلاقتهما بابنتهما إزغي (ليلى سميرنا كاباس) - أمام اختبارٍ قاسٍ. بعد فترة وجيزة، ينتقل كل من ديريا وعزيز وإيزجي إلى إسطنبول — أو بالأحرى، إلى "هامبورغ في ثوب إسطنبول" — للعيش مع والدة عزيز (تؤدي دورها إيبيك بيلجين)؛ وهو وضعٌ مهين فرضته عليهم الدولة بينما ينتظر عزيز محاكمته. ومع فقدانهم لعملهم وتكدسهم في مساحة ضيقة للغاية، تنشأ تصدعات في علاقاتهم الشخصية؛ إذ يتصاعد الضغط بينهم، مما يولد انعدام الثقة في ظل معاناتهم لتأمين احتياجاتهم الأساسية ومحاولتهم المستمرة لإيصال أصواتهم. ورغم أن الفيلم يتناول الآليات السياسية، إلا أنه يركز بالقدر ذاته — وربما أكثر — على التداعيات المباشرة للاضطهاد السياسي، وكيف يؤدي إلى تفكيك النسيج الأسري والعلاقات الاجتماعية على حد سواء. وبينما يكافح عزيز لتأمين معيشته من خلال أعمالٍ متفرقة متمسكاً بقناعاته، تبحث ديريا عن مخرجٍ يمنحهما الاستقلال المالي. ومع مرور الوقت، تتسع الفجوة بينهما وبين ابنتهما، حتى يجدان نفسيهما أمام خيارٍ صعب : التمسك بقيمهما ومبادئهما، أم التضحية بها من أجل الحفاظ على مستقبلهما كعائلة . فبينما يبدأ الفيلم بطرح قضايا سامية مثل حرية الفن أو العلاقة مع الدولة، يجد بطلا الفيلم، عزيز وداريا، نفسيهما أمام تساؤلات من نوع آخر تماماً: كيف سيتعاملان مع ضيق مساحة شقتهما الجديدة؟ ومن سيتكفل بدفع الرسوم الدراسية لابنتهما؟ وما هي التنازلات التي قد يقبلان بها للخروج من مأزقهما الاقتصادي؟ وبينما يقضي عزيز لياليه في العمل كسائق سيارة أجرة، حالماً في الوقت ذاته بعودة فنية من خلال الانخراط في المقاومة، تختار داريا العمل في مسلسل تجاري لصالح قناة تلفزيونية موالية للنظام.يصل الفصل الثالث في شكل دراما مع البنت المراهقة إزجي، التي بدأت في تدخين السجائر وتهرب إلى صديقها البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما كلما أصبح والداها غاضبين جدا في الشقة . في الوقت نفسه ، يجبران كل من دريا وعزيز على اتخاذ خيارات محددة وشخصية حول كيفية الحفاظ على أسرهما واقفة على قدميها، مثل حذف الزوجة ديريا منشوراتها على الإنستغرام ذات الطابع السياسي حتى تتمكن من تأمين دور في ( مسلسل تركي ) لقناة تلفزيونية مشكوك فيها . مثقفان تقدميان وعلمانيان ( دريا وعزيز )، مؤمنان بأفكارهما . الفيلم مرآة قاسية إلى حد ما على مفهوم الالتزام ذاته - السياسي والزوجي والأسري - كما لو أن هذه الأبعاد الثلاثة كانت في الواقع انحدار مشكلة واحدة . الالتزام هو قبول تكلفة اختياراتك. ويكشف الفيلم، دون رضا عن النفس، كيف تنهار الإرادات أما ضغوط الحياة ، ربما هذا هو المحور الذي يدور سرد "رسائل الصفراء" ، في التوتر الدائم بين روحين إعتقدا أنهما متحالفان ويكتشفا تحت الضغط إنهم ضعفاء وينهاران . هي ممثلة معتادة على تجسيد المقاومة على خشبة المسرح، تحمل الثورة في الغريزة. وهوأكاديمي ذو خبرة في الذكاء الفكري، يميل أكثر نحو الحساب والحكمة والتفاوض مع الواقع. عندما يجردهم الوضع من أدوارهم الاجتماعية، تظهر هذه الاختلافات في الطبيعة، التي تحجبها الراحة والمكانة منذ فترة طويلة، على السطح". في فيلم " رسائل صفراء" يقدم المخرج إيلكر تشاتاك دفاعاً قوياً ومؤثراً عن حرية الفن ـ رغم التصفيق الحار الذي ناله العرض من الجمهور في ليلة الافتتاح -التي حضرها عدد من مسؤولي الحكومة المحلية- إلا أن المسرحية لم تتمكن من مواصلة عروضها المقررة، وذلك بناءً على أوامر من جهات عليا . ولا يمكن اعتبار هذا الإجراء سوى شكل مباشر من أشكال الرقابة، واعتداءً على حرية الفكر والتعبير؛ لا سيما وأن السلطات المعنية لم تقدم أي مبررات عند سؤالها عن السبب. يشتبه عزيز في أن القرار جاء انتقاماً بسبب الدلالات السياسية الضمنية في المسرحية، كما يرجح أن مشاركته في احتجاجات طلابية -اندلعت في الجامعة التي يعمل فيها محاضراً- قد لعبت دوراً في ذلك. أما الممثلة (ديريا ) فتعتقد أن إلغاء عرضها المسرحي يعود إلى رفضها التقاط صورة مع المحافظ عند ختام المسرحية. ومع فقدانهما لعملهما، وإغلاق كافة الأبواب أمامهما، وتراكم النفقات غير المدفوعة -بما في ذلك الرسوم الدراسية لابنتهما المراهقة "إيزجي" (ليلى سميرنا كاباس)- يجد الزوجان نفسيهما مضطرين لمغادرة شقتهما والبدء من جديد في إسطنبول. ومع مرور الوقت، تبدأ الرغبة في تغيير العالم من خلال المسرح في التسبب بتصدعات عميقة داخل الأسرة. يجد أفراد الأسرة أنفسهم عالقين بين أحلام بطل القصة -الذي يضطر للعمل مؤقتاً كسائق سيارة أجرة .
هكذا، تقع الأسرة في فخ نظامٍ صُمم خصيصاً ليُحيل أفرادها إلى خصومٍ لبعضهم البعض. وفي خضم ذلك، يغيب عن أنظارهم الخصم الحقيقي، أي تلك القوة التي تؤجج هذا الصراع، وتلك الجهة التي تمارس القمع والترهيب، وتُسارع إلى وصمهم بـ "الخونة" أو "الإرهابيين" لمجرد إبداء ملاحظة نقدية أو تعبيرٍ عن رأيٍ مخالف لسياسة الدولة . لا يقتصر الفيلم كونه تصوير للاختلالات السياسية، والرقابة، والقمع، فبطلا الفيلم، دريا وعزيز، يتمتعان بالإبداع والاعتزاز بالنفس وحب الحرية .لكنهما يجدان نفسيهما أمام تهديدٍ وجوديٍّ ناجمٍ عن عجزهما عن ممارسة مهنتهما التي يجدان فيها ذاتهما، يضاف إلى ذلك خطر الوقوع في ضائقة مالية ، وهو وضعٌ يضطرهما إلى إعادة النظر في مبادئهما . تُعدّ "رسائل صفراء" دراما عائلية ، ويكون القمع والظروف الخارجية كمجرد محفز للكشف عن التناقضات الأخلاقية. إنها تطرح تساؤلاً حول ما إذا كان التحرر من الأطر السياسية قد أفضى فعلياً إلى حرية حقيقية، أم أن الأمر لا يعدو كونه انتقالاً من سجنٍ إلى آخر (بمعناه المجازي). يصور فيلم وضعاً يمكن أن يتكرر في أي مكانٍ في عصرنا الحالي، الذي يشهد صعود الأنظمة الشمولية ، ورغم أن الحبكة تبدو مرتبطةً بشكلٍ وثيق بالواقع السياسي التركي الراهن، إلا أنها تلامس تجارب الكثيرين في مناطق أخرى من العالم . الفيلم يطرح تساؤلاً حول الدافع وراء كتابتهما وتقديمهما لمسرحية ذات طابع سياسي . إنهما أبوان، ولا يريان كيف يمكنهما -على غرار بعض أصدقائهما- جعل النضال السياسي محوراً لحياتهما دون أي اعتبارات شخصية لمستقبل ألابنة ، هل كان انجذابهما نابعاً من الرغبة في اكتساب مكانة مرموقة من خلال تقديم عمل يحمل دلالات سياسية رمزية؟، أم أن الأمر لم يتعدَّ كونه انعكاساً لدور المثقف في التغير، مما دفعهما لطرح موقف سياسي ثقيل الوزن عبر مسرحيتهما؟ . يغوص فيلم "رسائل صفراء "في هذه التساؤلات . في ختام الفيلم، نرى "عزيز" يحدق في السماء عبر السقف الزجاجي للمقطورة المخصصة لتصوير أعمال زوجته . لا يمكن القول إنهما فشلا في تلك اللحظة، لكن من المستحيل أيضاً الجزم بأنهما خرجا من هذا المأزق مرفوعي الرأس . من الدقائق الأولى، يشكل الفيلم، الذي تم تصويره بالكامل في ألمانيا، مجموعة جغرافية غريبة: برلين وهامبورغ تضاعفان أنقرة واسطنبول دون محاولة إخفائها . فيلم"رسائل صفراء" بمثابة صرخة تحذير: فالسلطوية لا تبدأ فقط حين يُعتقل المرء ليلاً ويُعرَّض للتعذيب، بل تبدأ حين تبدأ الدولة في معاملة بعض مواطنيها -بسبب آرائهم- معاملة الأعداء بشكل منهجي. كما أنها لا تبدأ فقط حين يُقتل البشر، بل حين تُسد أمامهم -بشكل منهجي ومقصود- سبل العيش والمشاركة في الحياة الاجتماعية ، والنتيجة: وصول "رسائل صفراء" تحمل قراراتٍ بالفصل واتهاماتٍ قانونية؛ وهي بدايةٌ لاستراتيجية إنهاكٍ تهدف إلى عزل "ديريا" و"عزيز" بشكلٍ مستمر، . لكن "الرسائل الصفراء"، بعيدا عن جانبه "السياسي" المباشر، يظهر قبل كل شيء كيف أن الضغط الاقتصادي والعزلة الاجتماعية، الناتجة عن فقدان العمل، تقوض الأفراد وتدمر العلاقة بين الزوجين . وهذا الجانب من "الدراما النفسية" يبقى في الذهن أكثر عند مغادرة المسرح، لأنه يجبر كل مشاهد على التساؤل عن صلابة وحدة الأسرة التي ينتمي إليها، واعتمادها على الوضع الاقتصادي العام . ما يجعل الفيلم ملتويا بشكل خاص هو أنه لا يدين تعسف الدولة فحسب - بل يشكك أيضا في صدق أولئك الذين يقاومونه . يبرز الفيلم كتأمل في الحياة اليومية تحت وطأة قمع دولةٍ لا تظهر بمظهرٍ استبدادي ، بل تسعى لإضفاء الشرعية على إجراءاتها القمعية عبر تغليفها بإجراءات إدارية رسمية. "عزيز" شخصٌ مثالي، يحاول تدبير أموره بالعمل سائقَ سيارة أجرة، بينما يسعى في الوقت ذاته لعرض مسرحية جديدة -في مسرحٍ مستقل- تستند إلى تجاربه الأخيرة وفي غضون ذلك، تتلقى "ديريا" -وهي ممثلة تحظى بشعبية- عرضاً للعودة إلى مسلسل تلفزيوني بعيدٍ عن السياسة، بشرط أن تحذف أجزاءً من محتواها السياسي على وسائل التواصل الاجتماعي ، وتتخلى عن المسرح ذي الطابع الملتزم وكل ذلك عبر قناةٍ مقربة من الدولة والحكومة ، وفي هذه الأثناء، يتهمهما رفاقُ الأمس وبعضُ المتحمسين بالخيانة، لمجرد محاولتهما إبعاد حياتهما -المتضررة أصلاً- عن مرمى نيران الدولة . تعج الشوارع خارج نافذتهم بمظاهرات شبابية؛ خلاصة القول: يروي" إيلكر تشاتاك" قصة "البقاء" على قيد الحياة في ظل نظام استبدادي، بعيداً عن الأسلوب الوعظي أو الأخلاقي، بل بصدقٍ مؤلم؛ حيث تضيق حلقة الخناق بلا هوادة حول الأسرة التي تتمحور حولها الأحداث. يبرز الفيلم سلوك الأفراد في مواجهة دولة استبدادية، في مواجهة أنفسهم. في البداية، الفنانين( عزيز ودريا ) مقتنعان بأنهما يستطيعان إنقاذ العالم بفضل المسرح . ويبدو أن كل شيء ينهار أمامهم ، حين يجد رجل المسرح العظيم نفسه فجأة سائق سيارة أجرة لكسب لقمة العيش . يتطرق الفيلم أيضا "الموت المعنوي"، ومحاولة اطفاء جذوة الأبداع في رحلة الأبداع ، أي الوضع الذي يتم فيه وضع الناس، حيث يتم تقديمهم إلى العدالة ، حيث يمنعون من ممارسة مهنتهم، حيث لا يعرفون متى ستعقد جلسة الاستماع . إنها آلية تهدف كي تجعل الشخص المعارض ينتظر كسر إرادته. ، هناك ذكر لمكافحة الإرهاب ومناهضة الحرب وعرض موجز للفنانين الأكراد وإضطهاد حكومة أردوغان لهم،. تروي" الرسائل الصفراء " كيف أن القمع الذي تقوم به الدولة يتسلل إلى وحدة الأسرة، ويؤدي إلى تآكل الحب والعلاقات الأسرية .
كاتب عراقي
#علي_المسعود (هاشتاغ)
Ali_Al-_Masoud#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فيلم (ألكسندرا ) صرخة روسية ومرثية فلسفية حول موضوع الحرب
-
فيلم - ملكة في عرض البحر - نظرة فاحصة وأنسانية لمريض الزهايم
...
-
-قضية تركية- فيلم إثارة سياسي يتناول البحث عن الهوية
-
فيلم - القضية 137- يدين انتهاكات الشرطة الفرنسية بحق الم
...
-
-المرأة في المقصورة 10- فيلم جريمة في عرض البحر
-
الإبادة الجماعية للشيوعيين الإندونيسين من خلال عيون القتلة ف
...
-
فيلم - الديفو- يصور الفيلم لحظات مضطربة للغاية في التاريخ ال
...
-
الهدف عالي القيمة: البحث عن صدام: مواجهة ديكتاتور ومستبد
-
فيلم ( كوريا واحدة ) قصة رائعة عن اللجوء الإنساني و التكيف و
...
-
فيلم :كُل ما تبقى منك- حفر في ذاكرة الجرح الفلسطيني
-
فيلم -من لا يزال على قيد الحياة- نظرة حميمة على الحياة الصعب
...
-
الفيلم البولوني-خبز وملح” فضحٌ سينمائي لعنصريةِ مجتمعٍ
-
فيلم “ المزور الكبير - يسلط الضوء على فصل غريب من التاريخ ال
...
-
الفيلم الوثائقي الفرنسي -غزّة: الجوع كسلاح؟- -يظهر حقيقة الأ
...
-
شبح الحرب في الشيشان في فيلم المخرجة ألاوكرانية فلاديلينا سا
...
-
-الضحية الثانية - دراما عن المستشفى وأخطاء الأطباء والشعور
...
-
السلسلة الوثائقية - نقطة التحول: جيل 9/11- وتأمل مؤثر في ال
...
-
-تشي جيفارا: الرفاق الأخيرون- فيلم وثائقي تاريخي عن البقاء و
...
-
- حافة الحرب- فيلم إثارة سياسي متوتر يستكشف أحداث الحرب البا
...
-
متعة القراءة وشغف الكتاب في السينما
المزيد.....
-
صفاء سلطان في ورطة بسبب العلم السوري القديم
-
أمل عرفة تخوض أولى تجاربها في الدراما السعودية عبر -ليل خرمس
...
-
بعد العوضي.. محمد رمضان يثير الجدل برسالة إلى أحمد فلوكس
-
انطلاق فعاليات مهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة بالمن
...
-
السينما العربية في مهرجان القاهرة: حكايات الهوية وذاكرة الصم
...
-
من ذاكرة الحروب إلى معارك الهوية.. حكايات السينما العربية في
...
-
زاك كريغر يخطط لأفلام الرعب على الآيفون قبل أن تبدأ الكاميرا
...
-
أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على
...
-
اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ
...
-
كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة
...
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|