عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 15:11
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
أبو هريرة
{عن ابي هريرة قال: "كنت الزم النبي ﷺ على شبع بطني"*
صحيح البخاري كتاب الأطعمة
وعن عمران بن حصين قال: أني عند النبي ﷺ فدخل ناس من اهل اليمن فقال: أقبلوا البشرى يا اهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم" قالوا: " قبلنا أتيناك لنتفقه في الدين"
صحيح البخاري كتاب التوحيد حديث 7418 }
(جزء من هذه الدراسة، والتي ننشرها بعدّة حلقات، معدّة ضمن دراسة اوسع نعمل ونأمل ان نصدرها في كتاب في القريب العاجل)
يقول تونبي ان المجتمع البدوي مجتمع بلا تاريخ (تونبي بحث في التاريخ ترجمة الدكتور طه باقر ص313 والاصل الانكليزي169) وهذا صحيح الى حد بعيد فذلك نتيجة طبيعية لنمط حياته فهو لا يترك آثارا مادية ( خاصة سجلات او كتابات او عمارة او غيرها ويجب التنبيه هنا اننا نقصد البناء الفكري أساسا فقريش بدوية رغم استقرارها في مكة) يمكن نستدل منها بشكل يقيني على طبيعة الحياة والحوادث والافكار والأشخاص وسيرهم لذا يصبح التاريخ الشفوي هو المصدر الأساسي لمحاولة قراءة تلك المرحلة ولكن مثل هذا التاريخ يكون عرضة للتحريف زيادة او نقصان ولعدم الدقة والخيال بل والاسطورة والشهادة بحسن او سوء نية( وعلى سبيل المثال نذكر ان الأستاذ مرتضى العسكري عميد كلية أصول الدين اصدر كتاب بحثي ضمن دراسات في الحديث والتاريخ أحاديث سيف بن عمر وبعنوان "خمسون ومائة صحابي مختلق" يبرهن فيه على عدم وجود مثل أولئك الصحابة والذين خلقهم سيف بن عمر لا سباب يطول شرحها هنا، والذين تبنوهم فيما بعد عدد غير قليل من المؤرخين والمحدثين والفقهاء المهمين الاخرين ورددوا ما نسب اليهم سيف من بطولات واحاديث ومواقف بحيث اصبحوا فيما بعد من جزء من تاريخ رجالات وصحابة ومحدثي المسلمين ) ( خمسون ومائة صحابي مختلق كتاب في جزئين ضمن دراسات في الحديث والدين أحاديث سيف بن عمر تأليف مرتضى العسكري عميد كلية أصول الدين منشورات كلية أصول الدين -بغداد ويضم الكتاب بعد دراسة تمهيدية لما سماه الزندقة المانوية ثم بحث بين اليمانية والنزارية وموضوعات أخرى أهمها تعداد الباحثين والفقهاء والمؤرخين الذين اخذوا من سيف بن عمر وتبنوا طروحاته وغيرها من اراء واحداث قد لا نتفق معه في بعضها وفي رايه ومعلوماته فيها ليصل الى عرض الكتاب فيعرض على مدى جزئين أسماء ما يقرب من(150) صحابي من وجهة نظره غير موجودين في الواقع بل ان سيف بن عمر خلقهم لا سباب عصبية وأسباب أخرى ولكنه يفند وباستناد الى التاريخ والواقع وجود مثل أولئك الصحابة وبالتالي فهي شخصيات وهميه وهذا بالضبط ما يسمح بها التاريخ الشفوي) وهكذا فان الإسلام والذي ظهر في الجزيرة العربية في بيئة بدوية ، صورة واضحة لتلك الحقبة الشفوية وعلى سبيل المثال، كان البلاذري قد ذكر في فتوح البلدان "ان عدد من كانوا يعرفون القراءة والكتابة عشية ظهور الإسلام في قريش لا يتعدى سبعة عشر رجل واربع نساء، بل وذكر اسمائهم وكيف تعلموا الكتابة"( وقسم من الاسماء الذين قالوا لاحقا بانهم كتاب الوحي ولكننا لحد الان لم نرى ولو قصاصة واحده لكتاباتهم للوحي او غير الوحي ) ( فتوح البلدان فقرة أمر الخط ص534-537 الطبعة الأولى القاهرة المعزية 1901) ويجب الإشارة الى ان التاريخ الشفوية للدين لا تشمل الإسلام وحدة بل كثير من الأديان ان لم نقل كلها وفي منطقتنا ينطبق الامر على المسيحية واليهودية ولذا نجد ان النقاشات محتدمة حول منشأ اليهودية ومهدها وشخوصها والتورات وقصصها بل من هو إبراهيم هل هو شخصية حقيقية ام اسطورية وما هو دوره واعماله وكذا المسيحية وشخوصها واناجيلها الرسمية وغير الرسمية.
ان كل الادبيات التاريخية تثبت أن أولى الكتابات الاسلامية لم تبدأ إلا بعد قرن او قرن ونصف من وفاة محمد (وحتى تلك الكتابات لم يصلنا منها شيء بل سمعنا عنها من كتابات من كتبوا عنها فليس لدينا مخطوطات لا للصحابة ولا للتابعين بل وحتى تابعي التابعين. فلا السيرة النبوية لابن إسحاق على سبيل المثال ولا المغازي للواقدي بل ولا صحيح البخاري وغيرها عشرات "الكتب والمؤلفات لا توجد مخطوطاتها الاصلية، ونجد وحتى اليوم الباحثين المسلمين يتحدثون بلغة مبهمة أحيانا لأيهام القارئ بانه يطلع على الأصل وان ما بين أيدينا هو نفس ما كتبه ابن هشام أو الزهري او ابن منبه. وبالمقابل ونتيجة لذلك الفراغ الزمني ابتدع الفقهاء المسلمين ما عرفت ب " العلوم الإسلامية" أو "العلوم الشرعية" والتي قسمت بدورها الى العلوم الاساسية او ما يعرف بعلوم المقاصد والتي شملت أساسا 1/علوم القرآن وخاصة علوم التفسير و2/علوم الحديث (وهو الذي سنبحث في اطاره وخاصة منه علم الرجال او علم رجال الحديث او علم الجرح والتعديل) (لاتهمنا هنا التقسيمات الأخرى مثل علوم الآلة أو العلوم المكملة أو الملحقات والتقسيمات الكثيرة للعلوم الأساسية). اذن نحن في الواقع امام تاريخ ودين شفوي أساسا تتعدد فيه الروايات تختلف وتتفق تتطابق وتتقاطع تزيد او تنقص احداث واساطير او واقع وخيال حسن النية وسوئها واستمرت عبر الزمن ثابتة تحميها القداسة والتحريم و وعاظ السلاطين على حد تعبير الدكتور علي الوردي وحتى غدى التكرار اثبات لليقين( كان وهب بن منبه(34-114ﮬ) قد أشار في كتاب التيجان في ملوك حمير والذي يضم عدد كبير من الاساطير والروايات الساذجة أحيانا والتي تحول الكثير منها الى تاريخ تبناه الدين وكأنها احداث وقعت بالفعل بالشكل المروي ومنها حكاية "ابرهة الاشرم اول ملك للحبشة وهو الذي أراد هدم البيت فسار اليه مع الفيل فأهلك الله جيشه بطير ابابيل"،(كتاب التيجان في ملوك حمير عن وهب بن منبه رواية ابي محمد عبد الملك بن هشام عن اسد بن موسى عن ادريس ابن سنان عن جده لامه وهب بن منبه (رض ) تحقيق ونشر مركز الدراسات والبحوث اليمنية الجمهورية العربية اليمنية صنعاء الطبعة الأولى 1347ﮬ ص314) وفيما بعد أشار مقاتل بن سليمان في تفسيره الى هذه السورة وتبنى نفس القصة وتوالت التفسيرات لهذه الرواية وزيد عليها حكايات اخرى تكرر في كتب التاريخ والتفسير والسير والمغازي وهكذا غدى التفسير مقدسا بل وأضافوا اليه أن النبي محمد تكلم أيضا في التفسير ومادام محمد قد مات فلا بد أن تنسب اليه كل شاردة او وارده يراد تثبيتها .رغم ان السورة لا تذكر لا اسم ابرهة ولا مكان الحادث ولا وقته، (علما بأن أصحاب الفيل في التاريخ قبل محمد كثيرون واهمهم "ان صح القول رسميا" السلوقيون والذين سيطروا على المنطقة بعد وفاة الاسكندر الكبير وكان رمزهم الحربي الفيل وضمت مواطني من مختلف الأديان قبل الإسلام منها اليهودية والزرادشتية وطبعا عبدة الاصنام اما الابابيل فهي طيور من مدينة ابابيلو وهي قرية سومرية مندثرة تقع في منطقة الزاب اما ابرهة فقد كان مسيحيا حسب التاريخ وليس من المعقول ان يقف الله بوجه المسيحي الذي جاء لهدم الاصنام) وطبعا فيجب أن ننبه ان وهب بن منبه لم يترك كتابا، مثل الذي بين أيدينا الان بل هي في الواقع حكايات شفوية تتناقلها الأجيال وان اقدم نسخة عثر عليها تعود الى 500 عام تقريبا أي بعد اكثر من تسعة قرون على المحكي) وهكذا غدى الدين والايمان مجموعة من الشعائر والقصص والروايات والاساطير والاقوال المقدسة. ولكن وكما يقول نولدكه" فقد انقضى ذلك الزمن الذي كنا نعتبر به أقاصيص العرب الجميلة أخبارا تأريخية موثوقة، وأخذنا اليوم ننظر الى تطبيقات العلماء المسلمين نظرة صحيحة فلا نعلق عليها أهمية أكثر مما تستحق" (تيودور نولدكة امراء غسان الفرات للنشر والتوزيع ص17) فلم يعد ذلك الخطاب ومحتواه، والذي كان موجها للبدوي الامي قبل 1400 سنة مقنعا وكافيا او حتى ممكن بشكله الرمزي في عصرنا الراهن. واستنادا الى ذلك ننبه اننا لسنا متأكدين من ان كل أفعال واقوال أبو هريرة قد قالها او قام بنفسه بها وبالتالي لسنا متأكدين من حجم واقعية هذه الشخصية وما قاله فعلا او ما نسب اليه من الوضاعين وباحثي التاريخ والمحدثين لا سباب مختلفة فقد اشتهر الوضع في ذلك التاريخ مثلا من اجل تمرير مقولات وافعال قد لا تجلب الانتباه لو قيلت من محدثيها أنفسهم لذا فأننا لا نتهم أبو هريرة في كل ذلك بل ننقل التاريخ الذي بين أيدينا.
لقد بدأت ومنذ بداية القرن الماضي خصوصا ظهور دراسات وأبحاث وتوجهات لإصلاح وتجديد الفكر الديني امتدت في عدة اتجاهات منها ما يتعلق بالقرآن وخاصة منها التفسير وأسباب وزمن النزول ومسألة الناسخ والمنسوخ والشريعة عموما وغيرها من الأمور واتجاهات أخرى للفصل ما هو تاريخي وما هو ديني في الاحداث والشخصيات ودراسة وتمحيص الحديث وعلومه رواية ودراية ولعل من بواكير تلك الدراسات والأفكار( إذا استثنينا بعض الشذرات التي وردت وفي أحيان كثيرة عرضا في بعض اعمال الكتاب والفقهاء والباحثين الاسلاميين القدماء) ففي عصرنا الراهن بدأ مع مساهمات جمال الدين الافغاني ومحمد عبدة ثم احمد امين ومحمود أبو رية و علي عبد الرزاق وجرجي زيدان وفيما بعد محمود محمد طه وخليل عبد الكريم، وسامي عوض الذيب، والسيد القمني بل وحتى كاتب إسلامي مهم هو جمال البنا الأخ الأصغر لحسن البنا والكثير غيرهم ناهيك عن الدراسات والأبحاث لعدد كبير جدا من المستشرقين ربما كانت مساهماتهم حتى ابرز وأكثر دقة وعلمية من زملائهم العرب والمسلمين (برنارد لويس، الفريد لويس دو بريمار، دي بور، جولدتسيهر، جون سي بلر، مكسيم رودنسون، فون كريمر، تيودور نولدكة، مولر جان ماري، وات مونتغمري، كوربان، باتريشيا كرون وغيرهم الكثير) ثم الجيل الاخر والى يومنا هذا مثل الدكتور فراس السواح والدكتور محمد شحرور ومحمد اركون ومصطفى بو هندي وعبد الوهاب المؤدب ود محمد سعيد والعفيف الأخضر وهاله الوردي والكثير غيرهم ممن كتبوا او أشاروا في كتاباتهم موضوعات تدخل في هذا السياق مثل الدكتور خزعل الماجدي او حتى علي الوردي ومحمد عابد الجابري وهشام جعيط وتتزايد في السنوات الأخيرة الدراسات تعالج الموروث الديني وتدعو الى تنقيته من الخرافة والصنمية وفي نفس الوقت تتزايد الكتابات في وسائل التواصل الاجتماعي والتي يخرج البعض منها عن النقاش او التبيان الموضوعي او اللياقة وتنحدر نحو السب والتفسيرات الساذجة والعدائية، ان مناقشة او الاختلاف مع الموروث الديني يجب ان لا تفقد الاحترام في التعامل مع الأفكار والاحداث والشخوص.
أن مناقشتنا وإعادة قراءة أبو هريرة في واقعها مناقشة وإعادة قراءة الدين نفسه والذي يتجنب معظم الباحثين و"المثقفين " العرب المسلمين الخوض فيها لا خوفا من الدين نفسه أو خوفا من الله ولكن خوفا من رجال الدين والسلطة من جهة وخوفا من ايقاظ كروموسومات بنت اعشاشها تحت جلودنا على مدى أكثر من 1400 عام لقد حاربت قريش محمد لآنه أراد منهم التخلي عن دين ابائهم واجدادهم واليوم نحارب الإصلاح لا أننا مطالبين بتعديل دين ابائنا واجدادنا ناسين ان الدين ثابت والزمن متحرك وناسين أن ما بين ايدينا الان في واقعه شفوي استمر ربما لقرون فاصبح في حكم الخيال يقترب أو يبتعد عن الحقيقة بحسن او سوء نية ونحن نتعامل معه لا نه الوحيد الذي نملك وبين ايدينا حتى الان..
ولكن وقبل أن نركز على أبو هريرة وأحاديثه لابد من المرور سريعا على ما يقوله ويشترطه علم الحديث نفسه من رواية ودراية من اجل الاخذ بالحديث واعتباره صحيحا ويعتبر جزء من الدين.
علم الحديث رواية: يهتم " ويقوم على النقل المحرر الدقيق لكل ما اضيف الى النبي محمد من قول او فعل أو صفة، ولكل ما اضيف من ذلك إلى الصحابة والتابعين" فهو في هذا التعريف يبحث في معنى الحديث والتحقق من ضبطه وتفسيره، فهو باختصار معاينة محتوى الحديث وتركيبه وهل يمكن فعلا للنبي قوله او فعله وفي أي سياق ام انه منسوب اليه لأغراض معينة عصبية او سياسية او غيرها كما في أحاديث الوضاعين
وعلم الحديث دراية: "مجموعة من المباحث والمسائل يعرف بها حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد" فالراوي هو الذي ينقل الحديث بأ سناده، سواء أكان رجلاّ أم امرأة وقد تعددت التعريفات ولكن جوهرها واحد وكل باحث يأخذ ممن سبقه ليغدوا بعد زمن من ضمن اليقين لكثرة قائليه، ويطلق ايضا على علم الحديث دراية "علم أصول الحديث.
على ان تحقيق هذين الفرعين يتم عبر علوم أكثر تخصصا وهي التي تهمنا ومنها أساسا.....(يليه الجزء 2)
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟