أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عودة - بين مفتاحين_ قصة قصيرة














المزيد.....

بين مفتاحين_ قصة قصيرة


عامر عودة

الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 17:13
المحور: الادب والفن
    


عِنْدَما كانَ السَّجَّانُ يَسيرُ بِهِ إِلَى الزِّنْزانَةِ، شَدَّ انْتِباهَهُ المِفْتاحُ الَّذي يَتَدَلَّى مِنْ يَدِهِ. فَقَدْ غاصَ ذَلِكَ المِفْتاحُ في تَلابيبِ ذاكِرَتِهِ، لِيَسْتَخْرِجَ مِنْها صُورَةَ المَكانِ الَّذي رَأى فيهِ مِفْتاحًا يُشْبِهُهُ. وَعِنْدَما رَماهُ السَّجَّانُ داخِلَ شَرْنَقَةِ الزِّنْزانَةِ، وَأَغْلَقَ بابَها بِذَلِكَ المِفْتاحِ، وَجَدَ ما كانَ يَبْحَثُ عَنْهُ.

إِنَّهُ يُشْبِهُ مِفْتاحَ جَدِّهِ، رَحِمَهُ اللهُ، المُعَلَّقَ فَوْقَ بابِ بَيْتِهِ. وَما زالَ مُعَلَّقًا حَتَّى اليَوْمِ، مُنْتَصِبًا بِساقِهِ المَعْدِنِيَّةِ الطَّويلَةِ النَّحيلَةِ، بِكُلِّ وَقارٍ وَهَيْبَةٍ، كَهَيْبَةِ شَيْخٍ لَمْ يَزِدْهُ الزَّمَنُ إِلَّا إِجْلالًا وَثَباتًا. لَكِنَّهُ، بِيَدِ السَّجَّانِ، كانَ مُخيفًا وَحَقيرًا وَبِلا هَيْبَةٍ.

كانَ جَدُّهُ يُسَمِّيهِ مِفْتاحَ العَوْدَةِ؛ فَهُوَ مِفْتاحُ بَيْتِهِ في قَرْيَتِهِ كَفْرِ بِرْعِمَ، الَّتي هُجِّرَ مِنْها، كَبَقِيَّةِ سُكَّانِها، وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْها إِلَّا مَحْمُولًا عَلى نَعْشٍ، لِتَرْتاحَ روحُهُ تَحْتَ تُرابِها إِلَى الأَبَدِ. أَمَّا المِفْتاحُ، فَقَدْ ظَلَّ مُعَلَّقًا في مَكانِهِ، يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ صاحِبِهِ.

بَعْدَ وَقْتٍ لا يَعْلَمُ إِنْ كانَ طَويلًا أَمْ قَصيرًا، عادَ السَّجَّانُ بِمِفْتاحِهِ اللَّعينِ، وَفَتَحَ بابَ الزِّنْزانَةِ، مُصْدِرًا صَوْتَ صَريرٍ لا يُحِبُّهُ السَّجينُ؛ لِأَنَّهُ بِمَثابَةِ دَعْوَةٍ جَديدَةٍ إِلَى التَّحْقيقِ. لَكِنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَرْتَعِشْ هذِهِ المَرَّةَ عِنْدَ سَماعِهِ هذَا الصَّوْتَ المَلْعونَ، فَقَدْ كانَتْ كُلُّ أَفْكارِهِ أَسيرَةَ المِفْتاحَيْنِ: مِفْتاحِ جَدِّهِ وَمِفْتاحِ السَّجَّانِ، وَذَلِكَ التَّشابُهِ الغَريبِ بَيْنَهُما.

وَما إِنْ فُتِحَ بابُ الزِّنْزانَةِ حَتَّى صَوَّبَ نَظَرَهُ نَحْوَ تِلْكَ القِطْعَةِ المَعْدِنِيَّةِ ذاتِ الرِّجْلِ الواحِدَةِ. وَقَدْ لاحَظَ السَّجَّانُ أَنَّ عَيْنَيِ الشَّابِّ المُعْتَقَلِ انْصَبَّتا عَلى المِفْتاحِ الَّذي بِيَدِهِ، فَارْتَسَمَتِ الحَيْرَةُ عَلى وَجْهِهِ، وَأَخْفاهُ في جَيْبِهِ بِلا وَعْيٍ مِنْهُ، دُونَ أَنْ يَفْهَمَ هُوَ نَفْسُهُ سَبَبَ ذَلِكَ!

بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ التَّحْقيقاتِ المُهينَةِ وَالمُتْعِبَةِ، تَقَرَّرَ إِطْلاقُ سَراحِهِ، لِعَدَمِ وُجودِ أَدِلَّةٍ كافِيَةٍ تُدينُهُ بِالاشْتِراكِ في المُظاهَرَةِ المَحْظورَةِ ضِدَّ سِياسَةِ الحُكومَةِ.
وَبَعْدَ أَنْ عادَ إِلى بَيْتِهِ، لَمْ يَهْدَأْ لَهُ بالٌ حَتَّى زارَ بَيْتَ جَدِّهِ، رَحِمَهُ اللهُ. وَما إِنْ دَخَلَهُ حَتَّى صَعِدَ كُرْسِيًّا، وَأَنْزَلَ المفْتاحَ الَّذي ما زالَ مُعَلَّقًا فَوْقَ البابِ، كَما تَرَكَهُ قَبْلَ رَحيلِهِ، وَبَدَأَ يَتَفَحَّصُهُ بِغَرابَةٍ.

«إِنَّهُ يُشْبِهُ رِجْل إِنْسانٍ»، قالَ في نَفْسِهِ. «وَإِذا ما وَضَعْنا مِفْتاحَيْنِ أَحَدُهُما بِجانِبِ الآخَرِ، فَسَيَبْدُوانِ عَلى شَكْلِ رِجْلَيْنِ. وَما أَجْمَلَ أَنْ يَتَراءى لَنا وَكَأَنَّهُما يَمْشِيانِ عائِدَيْنِ إِلى بَيْتِهِما المُهَجَّر! إِنَّهُ بِالفِعْلِ مِفْتاحُ العَوْدَةِ، اسْمٌ عَلى مُسَمًّى».

سَأَلَ جَدَّتَهُ المُسْتَلْقِيَة عَلى فِراشِها، وَالَّتي كانَتْ تُعاني مِنْ مَرَضٍ عُضالٍ:
– أَتَعْلَمينَ يا جَدَّتي أَنَّ مِفْتاحَ السِّجْنِ يُشْبِهُ هَذا المِفْتاح؟
لَمْ تَسْمَعِ الجَدَّةُ جَيِّدًا ما قالَهُ حَفيدُها، لَكِنَّها عِنْدَما رَأَتِ المِفْتاح بِيَدِهِ، غَزاها حَنينٌ إِلى الماضي، فَقالَتْ:
– رَحِمَ اللهُ جَدَّكَ... كانَ هَذا المِفْتاح بِالنِّسْبَةِ لَهُ أَعَزّ وَأَثْمَن قِطْعَة في المَنْزِلِ.
وَبَعْدَ صَمْتٍ قَصيرٍ، قالَ مُقْتَرِبًا مِنْ جَدَّتِهِ لِتَسْمَعَهُ جَيِّدًا:
– هُناكَ شَيْءٌ يُحَيِّرُني يا جَدَّتي...
وَأَرْدَفَ، ناظِرًا إِلى المِفْتاحِ في يَدِهِ:
– هَذا مِفْتاحُ بَيْتِكُمْ في كَفْر بِرْعِم، الَّتي هُجِّرْتُمْ مِنْها قَبْلَ عَشَراتِ السِّنينَ. وَما زِلْتُمْ تَحْفَظونَهُ رَمْزًا لِلْعَوْدَةِ إِلى قَرْيَتِكُمْ. أَتَعْلَمينَ يا جَدَّتي أَنَّ مِفْتاحَ السِّجْنِ يُشْبِهُهُ؟!
وَأَمْسَكَ بِيَدِها، ثُمَّ أَرْدَفَ:
– المُهَجَّرونَ يَتَمَنَّوْنَ العَوْدَةَ إِلى بُيوتِهِمْ، لَكِنْ لا أَحَدَ يَتَمَنَّى العَوْدَة إِلى السِّجْنِ.

حاوَلَتِ الجَدَّةُ أَنْ تَرْفَعَ جَسَدَها، لَكِنَّها لَمْ تَسْتَطِعْ. فَساعَدَها عَلى الاسْتِنادِ، واضِعًا الوِسادَةَ وَراءَ رَأْسِها. وَعِنْدَما اسْتَقامَ ظَهْرها، رَمَقَتْهُ بِعَيْنَيْنِ غائِرَتَيْنِ، وَقالَتْ بِصَوْتٍ مُتَحَشْرِجٍ:
– لا يَهُمُّ مَنْ يَحْمِل مِثْلَ هَذا المِفْتاحِ يا سِتِّي، بَلِ الباب الَّذي سَيَفْتَحُهُ بِهِ.
ثُمَّ أَسْبَلَتْ جَفْنَيْها، وَسَقَطَتْ دَمْعَتانِ عَلى خَدَّيْها، وَغاصَتْ مَرَّةً أُخْرى في السَّريرِ. وَأَخَذَ صَدْرها يَعْلو وَيَهْبِطُ بِإيقاعٍ مُضْطَرِبٍ. وَقالَتْ بِصَوْتٍ ضَعيفٍ مُتَقَطِّعٍ:
– خُذِ المِفْتاح... احْفَظْهُ عِنْدَكَ... حافِظْ عَلَيْهِ، كَما حافَظَ عَلَيْهِ جَدُّكَ... رُبَّما يَتَحَقَّقُ حُلْمُهُ وَهُوَ تَحْتَ التُّرابِ...
وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْها، غارِقَةً في نَوْمٍ عَميقٍ وَحُلْمٍ قَديمٍ جَميلٍ...



#عامر_عودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأحياء والاموات_ قصة قصيرة
- وكلاء بالنيابة- قصة قصيرة
- -طموح-- قصة قصيرة
- سقوط مدوٍّ- قصة قصيرة
- مختار جديد، مواسم جديدة- قصة قصيرة
- ملاجئ وصواريخ_قصة قصيرة
- في هاوية الأمل_ قصة قصيرة
- بحالة ممتازة ولكن...- قصة قصيرة
- لحية ثوربة_ قصة قصيرة
- رَكَمْجَةُ- قّصة قصيرة
- قصة قصيرة


المزيد.....




- وعكة قلبية مفاجئة تصيب المطرب المصري محمد الحلو.. ونجله يطلب ...
- تايلور سويفت تنضم إلى قاعة مشاهير كتّاب الأغاني في ناشفيل
- الموسيقى الروسية تصدح في مسقط
- بطل الـ UFC إسلام ماخاتشيف يلمح إلى اقتراب اعتزاله الفنون ال ...
- مقهى الهورس شو: توثيق لذاكرة بيروت الثقافية في عصرها الذهبي ...
- بعمر 90 عاما.. لاعب كمال أجسام ياباني يصعد إلى المسرح
- شاكيرا تؤجل حفلها في مصر
- فيلم الرسوم المتحركة الروسي -مغامرات الماموث الصغير- يعرض في ...
- قراءة في رواية -ليلة القبض على يونس- للكاتبة عبير محمد
- رحلة من باكو إلى عوالم جديدة تتجاوز حدود المكان عبر الأدب وا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عودة - بين مفتاحين_ قصة قصيرة