أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عودة - ملاجئ وصواريخ_قصة قصيرة














المزيد.....

ملاجئ وصواريخ_قصة قصيرة


عامر عودة

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 10:49
المحور: الادب والفن
    


من يوميّاتِ الحرب

ملاجئ وصواريخ_ قصّة قصيرة

عندما كانت تُدَوّي صافرات الإنذار، كان فادي لا يدخل إلى الملجأ، إلّا بعد أن يتأكد من دخول جميع عمّالِ المصنع إليه. حتّى القطّة، التي يضع لها الطّعام والماء كل يوم، يحملها معه، خوفًا عليها من أن تصاب بشظيَّة صاروخ.

لم يكنِ الوضعُ الأمنيُّ في البلاد مُطَمْئِنًا. كانتِ الأخبار تتدفَّق كلّ ساعة محمَّلَة بالتّوتّر، فيما كانَ الدّاخل يغلي أكثر فأكثر؛ تطرّفٌ يتَّسع، وعنصريةٌ تتسلّل إلى الكلامِ اليوميِّ وإلى الشّوارع، وحكومة يمينيّة متطرِّفَة تصبُّ الزّيت على نارٍ مشتعلةٍ أصلًا، فتغذّي الانقسام وتعمّقُ الشّرخ بينَ النّاس. لكن حين تُدَوّي صافراتُ الإنذار، تتلاشى تلكَ الحواجز، ويهرعُ الجميع إلى الملجأ. عمّالٌ عرب ويهود أدركهم القلقُ وأنهكهم التَّعبُ. هناك، في ذلك المكان الضّيق، جلسوا كتفًا إلى كتف، وقد جمعهم خوفٌ واحد ومصيرٌ واحد…

في الملجأ، كانت تدور أحاديثٌ عنِ الحرب. جميع مَن بداخله كانوا متّفقين، رغم اختلاف معتقداتهم وآرائهم، على أنَّ الحربَ يجب أن تتوقّف. ويتبادلون أيضًا الأحاديثَ العامَّة والنّكات، إلّا رجلًا واحدًا لم يُلقِ بنفسه ولو مرّة في تيّارِ الحديث، فيجلس صامتًا متفرّسًا في وجوهِ الجالسين.

في أحدِ الأيّام، دخل هذا العامل إلى الملجأ، بعد سماعِ الصّافرات، يشتم ويسبّ بغضب. عندما سُئل عنِ السّبب أجاب بعصبيّة:
_ مواطنٌ عربيٌّ كان في أحدِ المُجمّعات التّجاريّة في تل أبيب. وحدث أن دوَّت صافراتُ الإنذار، فركض كغيرِهِ إلى الملجأ في ذلكَ المُجمّع. لكنّ المتواجدين داخلَهُ طردوه وأغلقوا الباب، تاركينه في الخارج لأنَّه عربيٌّ!

كانَ العمّال يستمعون إليه وقد استبدّت بهم دهشتان؛ الأولى أنّه قد فتح فمه أخيرًا وتكلَّم بعد صمت أيّام. والثّانية، أنَّ ما قاله قد فاجأَ الجميع. فأعرب كلّ مَن كان داخلَ الملجأ، عن استنكاره وعدم رضاه ممّا سمعه. لكنّ الهدوء لم يتسلّل إلى قلبه، فاستبدّت بهم دهشة ثالثة، عندما أردف برعونة وعصبيّة زائدة:
_ يهود عنصريون، لا رحمة في قلوبهم ولا يعرفون الإنسانيّة!
امتلكتهم غاشية من صمت. حتّى أصوات انفجارِ الصّواريخ لم تستطع كسر جدارِ الصّمت داخلَ الملجأ. وخرج منهُ العمّال بعد زوال الخطر مستائين، إذ لم تعجبهمُ الطّريقةُ الّتي تكلَّم بها هذا العامل.

اتّجه فادي إلى ذلكَ العامل عاقدًا العزم على أن يُفهمه بأنّه قد أخطأ في طريقة كلامه وأسلوبه. فكان بإمكانه أن ينتقد ويستنكر عنصريّة مَن منعَ الرّجل منَ الدّخول إلى الملجأ، بأسلوب آخر وبكلام أهدأ. ثم إنّه يجب أَلّا يقع في خطأِ التّعميم. لكنّه تراجع في اللّحظةِ الأخيرة، لأنَّ هذا الشّخص، كما يعرفه فادي منذ سنين طويلة، وكما يعرفه معظمُ العمّال، لا يمكن أن يعترف بخطئِهِ أبدًا، ويستنكف دائمًا عن الاعتذار. بالإضافة إلى أنّه جلف يميل إلى الوحدةِ الّتي شحذت حواسه وأعمت بصيرته. فلا يقترب منه أحد، إلّا إذا أراد منه شيئًا يتعلٌقُ بالعمل. فتركوه معظمَ الوقت كما يحبُّ أن يكون، قابعًا في زواياها.

في المساء، عند نهايةِ الدّوام، رَكِبَ هذا الرّجل مع فادي في سيّارةِ العمل، كما في كلِّ يوم، ليعيده إلى منزله. وما أن وصلا إلى بيته، حتى دوَّت صافراتُ الإنذار. فخرج منَ السّيّارة مسرًعا راكضًا إلى بيته ليحتميَ في ملجئِهِ، تاركًا فادي في العراء، تحت رحمةِ الصّواريخ الّتي كانت تنفجر في السّماء، ناثرة أشلاءها المعدنيّةَ القاتلة في كلِّ مكان...



#عامر_عودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في هاوية الأمل_ قصة قصيرة
- بحالة ممتازة ولكن...- قصة قصيرة
- لحية ثوربة_ قصة قصيرة
- رَكَمْجَةُ- قّصة قصيرة
- قصة قصيرة


المزيد.....




- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...
- 29 رمضان.. يوم وُلدت القيروان وارتسمت ملامح الأمة
- في مسلسل بأربعة مخرجين.. مغني الراب المغربي -ديزي دروس- يقتح ...
- بعد 40 يوما من الغيبوبة.. وفاة الفنانة نهال القاضي متأثرة بح ...
- هل يجب أن تكون الموسيقى صاخبة جدًا لنحرق سعرات أكثر؟
- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026
- الأردن يرمم -ذاكرة الأرض-: مئات الآلاف من وثائق ملكيات الضفة ...
- رحيل سيد نقيب العطاس.. رائد -إسلامية المعرفة- واستعادة الأدب ...
- 28 رمضان.. من ميلاد الأندلس إلى زفاف -أميرة القلوب-
- حفل الأوسكار الـ 98.. إطلالات صنعت اللحظة على السجادة الحمرا ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عودة - ملاجئ وصواريخ_قصة قصيرة