أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عودة - لحية ثوربة_ قصة قصيرة














المزيد.....

لحية ثوربة_ قصة قصيرة


عامر عودة

الحوار المتمدن-العدد: 8556 - 2025 / 12 / 14 - 13:14
المحور: الادب والفن
    


لحية ثوريّة_ قصّة قصيرة

عندما قرأ قصيدته في أحد المواقع الإلكترونيّة، ابتسم باستهجان؛ فالقصائدُ الوطنيّة أصبحت كالعلاماتِ التّجاريّة على جبينِ الشّعراء. جارُه، الشّاعر الولهان _كما سَمّاه_ لم يكتب يومًا سوى الغزل والرّثاء والمديح والوصف... أَمّا القصائد الوطنيّة فلم تكن ضِمن بضاعتهِ الشّعريّة. وها هو الآن يقرأ له قصيدة وطنيّة ناريّة، مليئة بالحماس!

بعد عِدَّة أيام شاهدَهُ يختال كعادته، لكن تغييرًا طرأ على ملامحه؛ فقد أَطْلَقَ لحيةً أسفل ذقنه، دائريّة قصيرة، حديثةَ النّمو، وشاربًا موصولًا بتلك اللّحية الّتي منحت هيئته صرامة وعمقًا. لِمَ لا وقد بدأ يكتب أشعارًا وطنيّة ثوريّة!

وها هي تجارته قد بدأت تَجني ثمارها؛ فقصائده أخذت تنتشر في الصّحفِ المحلّيّة والمواقعِ الإلكترونيّة. وشرع بعضُ "النّقّادِ الأدبيين" يُشيدون بجمالها وقوّةِ معانيها وجزالةِ ألفاظها. ثمَّ بدأت بعضُ الأحزاب تدعوه لإلقاءِ قصائدِه في المهرجاناتِ الشّعبيّة والنّشاطاتِ الوطنيّة.

دُعِيَ يومًا لإلقاءِ قصيدة في أحدِ المهرجاناتِ الشّعبيّة. وعندما علِمَ أنَّ الشّرطة أصدرت قرارًا بمنع إقامةِ هذا المهرجان، ارتعد خوفًا، وتمنّى أن يرضخَ منظّموه لقرارها. فلم يتوقّع أن تؤدّي به تجارتُه إلى تصادم معِ الشّرطة الّتي لا ترحم، فكلّ ما أراده هوَ الشّهرة.

تَوَلّاه شعور بالحيرة والقلق؛ عاش أيامًا عصيبة بدأ فيها يتخيّل السيناريوهات الأسوأ. كان يستمع إلى الأخبار كلّ ساعة، ويقرأ بقلبٍ واجف كلّ خبر عنِ المهرجانِ المحظور. لكن ما تمنّاه لم يحدث...

وجاءِ اليومُ المنتظر. قام بعد ليلة سهاد، فتح باب نافذته وهو ساهم، فرأى الهدوء يلفُّ المدينة. زايلَهُ الخوف قليلًا لأنّه لم يرَ أيَّ شرطيٍّ في الشّارع... أعدَّ له فنجانَ قهوة، ثمّ أحضرَ الورقةَ الّتي كتب عليها القصيدة الّتي منَ المفروض أن يلقيها في المهرجان. مسكها بيديْن مرتجفتيْن، وأخذ يقرأُها بصوت متهدّج، فلا بدَّ أن يلقيها في المهرجان، وإلّا فسيخسر كلّ ما كسبه من بضاعة، وسيفقد حبَّ الجماهير له. وتمنّى ألّا يحدث ما يجوله من هواجس، وأن يتفرّقَ الجمهور دون صدام معِ الشّرطة.

فتح خزانةَ ملابسه واختار بدلة أنيقة ليرتديها في هذهِ المناسبةِ الوطنيّة؛ سَرَّحَ شعره؛ شَذَّبَ لحيته الّتي ازدادت كثافة _كما يريدها تمامًا_ ليكتمل مظهرُهُ الثوريّ، وليبدو أكثر هيبة. طوى الورقةَ الّتي كتب عليها القصيدة ووضعها في جيبه، ثمّ لَمْلَمَ أطرافَ شجاعته وركب سيّارته.

في طريقه إلى ساحةِ المهرجان، داهمه ذهول عندَ رؤيتهِ العديد من رجالِ الشّرطة منتشرين على المفارق. "لماذا لم أرهم من باب نافذتي؟!" تساءل في نفسه. يختلج قلبه؛ يتردّد في أن يُكمل طريقه أم يعود أدراجه...

"إذا لم تحدث مواجهات معِ الشّرطة، فهل يمكن أن يعتقلونني لأنّني شاركت في هذا المهرجانِ المحظور؟" نَحَتَ السّؤال رأسه. رَكَنَ سيّارته بجانبِ الشّارع، وأكملَ طريقه برجليْن مرتعدتيْن وقلب واجف.

عندما اقترب من ساحةِ المهرجان، سمع هتافاتِ الجماهير. وشاهد بعض أفرادِ الشّرطة تضرب بالعصي أحدَ الأشخاص قبل أن تعتقله، والدمّ يسيل من رأسه. يمتقع وجهه؛ يجفّ ريقه؛ يشعر بضيق في صدره، ولم تعد رجلاه قادرتيْن على الاستمرار في السَّير.

يعود إلى سيّارته... يجلس بداخلها ليلتقطَ أنفاسه... يخلعُ جاكيت بدلته... يفتحُ النّافذة بجانبه ليملأ رئتيْه بالهواء... يشرب جرعتيْن منَ الماء ليبلّ ريقه، ثمّ يديرُ المحرّك عائدًا إلى بيته...

ما إن دخل منزله حتّى ألقى بثقله على الكنبة مكبلًا بالخوف... بعد قليل يتناهى إلى سمعه دويّ إطلاق نار وصراخ. يقوم وينظر من نافذته فيرى غبارًا ودخانًا أسود وأبيض يكسوان الشّوارع... تخطر بباله فكرة... يبتسم ويتهلّل وجهه؛ يفترّ ثغره، فقد جاءَهُ الفرج!

في اليومِ التّالي، ظهرت صورته في مواقعِ التّواصلِ الاجتماعي بلحية مشذبه بعناية، وتحتها خبر يقول إنَّ الشّرطة قد منعت بالقوّة شاعرَ الشّعبِ والوطن منَ الوصول إلى ساحةِ المهرجان! وطَفق هاتفه يرنّ بكثرة، من سيلِ الرّسائلِ والاتصالات، للتّعبير عنِ التّضامن معه، والاطمئنان على صحّته!



#عامر_عودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رَكَمْجَةُ- قّصة قصيرة
- قصة قصيرة


المزيد.....




- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...
- مدريد تحتفي بالثقافة الإيرلندية في موكب ملون ليوم القديس بات ...
- أوسكار 2026.. سقوط -ملك الأفلام- وصعود الانقلاب الخفي في هول ...
- الأوسكار يختم -مسيرة مذهلة- لفيلم هامنت من إنتاج RedBird IMI ...
- -كأن تختبئ من المرآة أمامها-.. شعرية الهامش وجماليّات الانكس ...
- إنتاج -آي إم آي ريد بيرد-.. رحلة -هامنت- من الأدب للأوسكار
- العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عودة - لحية ثوربة_ قصة قصيرة