أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سعد تركي - ضحايا جاهزة



ضحايا جاهزة


سعد تركي

الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 15:48
المحور: المجتمع المدني
    


لا يمكن لأحدٍ أن يعرف على وجه اليقين سبب حاجتنا إلى ضحيةٍ تنهشها مخالبنا وتنغرس فيها نصال خناجرنا.. حاجة يبدو أنها أضحت فطرية وسمتْ شعبًا بأكمله، لا فرق في تأصلها بين طائفة وأخرى أو بين عِرق وسواه.. وإذ يمكن للخبز، بصفته حاجة أساسية، أن ينفد، والكهرباء أن تنقطع، والراتب أن يتأخر عن موعده، فإن الضحية متوفرة دائمًا وأبدًا.. كلّ ما علينا فعله هو أن نختار ـ بسبب أو من دونه ـ ضحيةً نوجّه إليها سهام ألسنتنا، ونوزّع عليها نيران شتائمنا بسخاء.
منذ أن أصبحنا "دولة حديثة" ونحن نعجز عن إصلاح أنفسنا ونفشل في محاسبة اللصوص والسرّاق والفاسدين، ونقبل الأيادي التي تصفعنا وتصادر حياتنا ومستقبل أبنائنا، لكننا لم نتخلَّ يومًا عن بديل "وطني" جاهز، متوفر، وشاخص أمامنا: ضحية تمزقها أسناننا، نمسح بعدها الدماء بأطراف "دشاديشنا"، وننام مطمئنين فخورين، فعادت البلاد بخير.
حين أدركنا أن سنوات العمر أقصر من عدد خيباتنا، وأن الأماني لا يمكن تحقيقها، وأن المستقبل المأمول لن يأتي حتى بسرعة سلحفاة معاقة، بحثنا عن موظف صغير، وإذا تعذّر فمذيع تلفزيوني، أو فنان، أو لاعب كرة قدم، وُضعت، لسوء حظٍّ أو حماقة، رقبته تحت مطارقنا وخناجرنا المشحوذة.. ليست بنا حاجة إلا لصورة مبتورة، وجملة منتزعة من سياقها، حتى نتوحد ـ برغم كلّ خلافاتنا ـ وتبدأ ماكينتنا "الوطنية" بالعمل.
أدرك النظام المباد طبعنا "الوطني"، فوضع أمامنا الفنان الراحل سعدي الحلي، وأحاطه بما يلزم ليكون ضحية أنموذجية، لأنه يعرف أننا لا نبحث عن الحقيقة، بل عن متهم يصلح للذبح الجماعي، مسبوقًا بأهازيج الجزارين.. أدرك النظام السابق أننا نتجاهل مأساتنا معه بوجود ضحية ننهشها، ثم نغفو بضمير مرتاح.. نحن لا نبحث عن العدالة والحرية، بل عن شخصٍ نفرغ فيه غضبنا، ثم نعود إلى بيوتنا منتصرين.
افترض الفيلسوف اليوناني أرسطو في كتابه "فن الشعر" أن الإنسان، حين يشاهد مأساة آخر، تنتابه مشاعر الشفقة والخوف، فيتطهر منهما، ويخرج من المسرح أكثر إنسانية. لكن ما لم يخطر بباله أننا نجد في الضحية فرصة للاقتصاص من خطايانا عبرها.. نستخرج من عثرتها وهفوتها أو غفلتها ما يكفي لزيادة الطعنات، ونضحك ملء أفواهنا من ألمها، كأن تعاستها ومأساتها نكتة في مسرح كوميدي.
لو أتيح لأرسطو أن يشاهد التراجيديا "الوطنية"، فأنا على يقين بأنه سيعيد النظر في نظريته "البائسة"، أو لعله سيمزق كتابه ويلقيه في النار، فليس "التطهير" في مأساتنا الممتدة عبر العصور والحقب أن نشفق على الضحية، بل أن ننهشها ثم نضحك.. نضحك بجنون!



#سعد_تركي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهوريَّة الغولف
- قَسَمُ النزاهة!
- سلطنة عُمان.. خطوات جريئة نحو المستقبل
- حيرة الناخب
- المرشّحون.. صور !
- لا تُضيّقوها رجاءً !
- تعالْ ع الخاص!
- وصفة للثراء
- خيبة الأماني
- أخي زهير !
- الرفيقة -سيجارة-!
- 56.. سيرة ضيم!!
- دهنيني يا مره!!
- آباؤنا.. افتراضيون!
- قطع الكيبلات ولا قطع الأرزاق!!
- هوية المدينة.. رصيف!
- الفرحُ ليس مهنتنا!!
- كي لا نخسر أزل وأخواتها
- نادية كومانتشي وصناعةُ البطل
- المياه لا تعود إلى مجاريها!


المزيد.....




- نجت من إعدام فاشل.. سيدة تصف ألم الحقنة المميتة
- تركيا ترشح فريدون أوغلو لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة
- فيتو روسي وأمريكي يعطلان تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في ا ...
- الأمين العام العاشر للأمم المتحدة.. آلية اختياره وهل تتولى ا ...
- قضاء الولايات المتحدة يعطل إجراءات إدارة ترامب لتسريع ترحيل ...
- فرنسا: تجمع في مدينة تراب ضد العنصرية والإسلاموفوبيا
- سيناتور أمريكي: رفع قيود حقوق الإنسان عن المساعدات العسكرية ...
- تقدم مرشحة كوستاريكا في سباق الترشح لمنصب الأمين العام للأمم ...
- في حدث هو الأول منذ بدء الحرب...عملية إغاثة إنسانية مشتركة ل ...
- مفوضة حقوق الإنسان الروسية تعلن اختتام المهمة الإنسانية في أ ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سعد تركي - ضحايا جاهزة