|
|
تحولات النظام الدولي والوعي الوطني: قراءة في أدبيات القوة والمقاومة والهوية في أربعة كتب
سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي
الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 22:48
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
⭕تحولات النظام الدولي والوعي الوطني: قراءة في أدبيات القوة والمقاومة والهوية في أربعة كتب
⭕مركز اون ريسيرش للبحوث العلمية والإستشارات
▪️إعـــداد: سعد محمد عبدالله - محلل سياسي متخصص في الشؤون السودانية
▪️مقدمـــة
ثمة تداخل تاريخي بين التحولات السياسية والفكرية والثقافية، نتابع امتداداته في عالمنا المعاصر بصورة تجعل فهم الأزمات الوطنية والإقليمية والدولية أمرًا يتطلب تجاوز القراءات التقليدية للأحداث الجارية، والانتقال إلى مستوى أعمق من التحليل للعلاقة بين القوة والمعرفة والهوية والمؤسسات السياسية والمدنية الناشئة في بيئات بالغة التعقيد؛ فالأزمات التي تواجه الدول والمجتمعات ليست دائمًا نتاجًا للصراعات العسكرية أو التنافس على الموارد المادية وحدهما، وإن كانا يمثلان ركنين أساسيين من أركان الصراعات القائمة في هذا العالم المتحول؛ بل ترتبط أيضًا بطبيعة السياسة وأنظمة الحكم، ومستوى استقلال القرار الوطني، وقدرة المجتمعات على إنتاج المعرفة وتطوير ثقافاتها وتوظيف إمكاناتها في خدمة السلام والتنمية والاستقرار.
وفي هذا السياق، تتيح القراءة المتكاملة لأربعة أعمال فكرية وثقافية بارزة فرصة للقارئ المتأمل والمحلل الحصيف لاستكشاف مجموعة من القضايا المترابطة التي تتصدر المشهد العالمي الراهن، وفي مقدمتها الاختلالات البنيوية في النظام الدولي وصعود الجنوب العالمي، وأزمات الحكم الديمقراطي وتآكله من الداخل، ودور الثقافة والأدب في مقاومة الهيمنة والتسلط، وأهمية التراث الشعبي الموروث في بناء الوعي وصياغة المستقبل، من خلال فتح آفاق الحوار الديمقراطي الواسع، وتأسيس الهوية المشتركة، وتعزيز الوحدة الوطنية على أساس التنوع.
وتشمل هذه الأعمال دراسة يوسف عنتار (2024) حول «الجنوب العالمي وتحولات النظام الدولي: متغيرات القوة وتحديات الصعود»، وكتاب ستيفن ليفتسكي ودانييل زيبالت (2018) «كيف تموت الديمقراطيات»، ودراسة الناقد المصري غالي شكري (1970) «أدب المقاومة في فيتنام»، إلى جانب كتاب الكاتب والمفكر المالي أمادو همباطي با «حكايات حكماء أفريقيا وأسطورة جندو ديوال»، بترجمة محمد بنعبود ومراجعة عبود كاسوحة.
وعلى الرغم من اختلاف موضوعات هذه الكتب ومناهجها وسياقاتها الزمنية والجغرافية، فإنها تلتقي عند سؤال جوهري: كيف تستطيع الشعوب حماية استقلالها، وصيانة كرامتها، والحفاظ على وحدتها، وبناء مستقبلها في ظل التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية المتسارعة في العالم؟.
أولًا: الجنوب العالمي وأزمة اختلال موازين القوة الدولية
يتناول كتاب «الجنوب العالمي وتحولات النظام الدولي: متغيرات القوة وتحديات الصعود» التحولات الهيكلية التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، وصعود قوى اقتصادية وسياسية واجتماعية جديدة مما يستدعي إعادة قراءة المشهد وتحديد مصادر القوة ونطاق النفوذ العالمي (عنتار، 2024)، ويقدم المؤلف مفهوم «الجنوب العالمي» بوصفه تعبيرًا عن واقع تاريخي وبنيوي تشكّل عبر تراكمات استعمارية طويلة، وتفاوتات اقتصادية عميقة، واختلالات في امتلاك التكنولوجيا والمعرفة الحديثة، فضلًا عن محدودية المشاركة العادلة والفاعلة في مؤسسات صنع القرار الدولي.
وعندما نتأمل هذا المشهد بغية تقييمه وتكوين صورة متكاملة عنه، لا يمكن النظر إلى الجنوب العالمي باعتباره كتلة سياسية أو اقتصادية متجانسة ذات توجه موحد؛ إذ تتباين دوله بصورة واسعة في مواردها وإمكاناتها ومواقف حكوماتها من القضايا العالمية المختلفة، ويتجلى هذا التباين في طبيعة أنظمتها السياسية، وتركيباتها الاجتماعية، ومستويات نمو اقتصادياتها، ودرجة تطور مؤسساتها الدستورية والإدارية، وبينما تمكنت بعض دول الجنوب من تحويل جانب من إمكاناتها الاقتصادية والبشرية الهائلة إلى مصادر حقيقية لإنتاج القوة والتأثير الجيوسياسي، لا تزال دول أخرى تعاني هشاشة المؤسسات، وتراجع الإنتاج المحلي، وهجرة الكفاءات العلمية، وعدم إدارة الموارد بشكل صحيح، الأمر الذي يفاقم التفاوتات الداخلية ويضعف فرص التنمية المتوازنة، لا سيما في المناطق الريفية.
وتكشف هذه المفارقات أن امتلاك الثروات الطبيعية لا يضمن، في حد ذاته، تحقيق التنمية المستدامة، كما أن اتساع الكتلة السكانية لا يتحول تلقائيًا إلى قوة إنتاجية أو سياسية فاعلة؛ فالعامل الحاسم يكمن في كفاءة الدولة في إدارة مواردها، وتحديث بنيتها المؤسسية، وتوفير فرص الاستثمار الجاد في التعليم والصحة والبحث العلمي، وبناء اقتصاد منتج قادر على الاستجابة للتحديات المجتمعية في الريف والمدينة، وفي هذا الإطار، تبرز أمامنا إشكالية التكامل الإقليمي والتعاون البيني؛ إذ تواجه محاولات التنسيق والتقارب بين دول الجنوب تحديات ناجمة عن تباين المصالح السياسية، والتفاوتات الهيكلية، والتنافس على القيادة والتمثيل في المؤسسات الدولية.
ولذلك، فإن بناء نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، وأكثر عدالة وتوازنًا، لا يتوقف على صعود قوى جديدة فحسب، بل يتطلب تطوير آليات التعاون المؤسسي، وتنسيق السياسات الاقتصادية، وتعزيز القدرة الجماعية على التفاوض الدبلوماسي والدفاع عن المصالح الاستراتيجية المشتركة (عنتار، 2024).
ومن هنا، تتأكد أهمية استقلال القرار الوطني، لا باعتباره شعارًا دعائيًا يُستخدم لأغراض سياسية، بل بوصفه حصيلة عملية شاقة لبناء اقتصاد قوي، ومؤسسات فاعلة يسود فيها القانون، وقاعدة معرفية مستقلة ترتكز على الشراكات العادلة والمتكافئة؛ فاستقلال الإرادة السياسية، في تقديري، يظل محدود الأثر ما لم يستند إلى قدرة اقتصادية وإنتاجية ومعرفية تتيح للدولة حماية مصالحها والتعامل مع التحولات الدولية من موقع أكثر استقلالًا وانفتاحًا على المستقبل.
ثانيًا: الديمقراطية بين شرعية الانتخابات ومؤسسات الدولة
يتناول كتاب «كيف تموت الديمقراطيات» للعالمين السياسيين ستيفن ليفتسكي ودانييل زيبالت (2018) العلاقة بين السلطة التنفيذية والمجتمع والمؤسسات الدستورية في الدولة الحديثة، ويقدم تحليلًا لكيفية تآكل الأنظمة الديمقراطية من داخلها، ويبين المؤلفان أن الديمقراطيات المعاصرة لا تسقط بالضرورة عبر الانقلابات العسكرية المفاجئة أو التعطيل المباشر للدساتير، بل قد تتعرض للتآكل التدريجي عندما يصل قادة شعبويون أو سلطويون إلى سدة السلطة عبر الانتخابات، ثم يوظفون صلاحياتهم لإضعاف الرقابة المؤسسية، وتقويض استقلال القضاء، وتقليص الحريات العامة، وتهميش قوى المعارضة، وإفراغ المؤسسات الديمقراطية من مضمونها.
وتكشف هذه الأطروحة أن الخطر الذي يهدد الديمقراطية لا يأتي دائمًا من خارج مؤسساتها، بل قد ينشأ من داخلها وينمو في كنفها عندما تتحول آليات الحكم المنتخبة إلى أدوات لترسيخ السلطة الفردية وإضعاف الضوابط الدستورية، وفي مثل هذه الحالات، تصبح الانتخابات وسيلة للوصول إلى الحكم، بدلًا من أن تكون جزءًا من منظومة متكاملة تضمن التداول السلمي للسلطة، وتحمي الحقوق والحريات، وتخضع الحكام للمساءلة القانونية والسياسية.
ويؤكد هذا التحليل الموضوعي أن الانتخابات، على الرغم من أهميتها بوصفها آلية لتداول السلطة، لا تمثل وحدها ضمانة كافية لاستدامة النظام الديمقراطي؛ فالديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى مؤسسات دستورية راسخة، وسيادة القانون، واحترام التعددية السياسية، والاعتراف بحق جميع المواطنين والقوى السياسية في تنظيم المعارضة والنقد السياسي والمشاركة الفاعلة في إدارة الشأن العام؛ كما تتحمل النخب السياسية والأحزاب الحاكمة مسؤولية تاريخية وأخلاقية في حماية القواعد الديمقراطية، من خلال الالتزام بالأعراف السياسية، وضبط استخدام السلطة، وتجنب تحويل التنافس الحزبي إلى صراعات صفرية تهدد استقرار الدولة ووحدتها.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية استثنائية في المجتمعات التي تعاني ويلات الحروب الأهلية، والانهيار المؤسسي، والانقلابات المتكررة، والفقر والأوبئة؛ ففي مثل هذه البيئات المضطربة، يصبح الانتقال الديمقراطي عملية مركبة تتجاوز حدود صناديق الاقتراع إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بإمكانية إعادة تأسيس العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، وإنهاء ظاهرة تعدد المجموعات الحاملة للسلاح في دولة واحدة وتحت قيادة منفصلة لصالح بناء جيش وطني مهني واحد، تحت قيادة موحدة، وإخضاع المؤسسة العسكرية لسلطة الدولة المدنية والقانون، وتعزيز الرقابة والمساءلة المدنية، وضمان خضوع مؤسسات الحكم للمبادئ الدستورية المتفق عليها.
وبالنسبة إلى السودان، تطرح هذه التحديات أسئلة نظرية وعملية ملحة حول آليات إصلاح بنية الدولة، ومنع إعادة إنتاج الحكم الفردي، وتأسيس نظام مدني لا مركزي يستند إلى المواطنة المتساوية، ويكفل الحقوق والحريات لجميع المواطنين، وينهي أشكال التمييز والاستئثار بالسلطة والثروة، ويحميه جيش وطني ذو عقيدة وطنية صلبة؛ فبناء دولة ديمقراطية مستدامة لا يتحقق بمجرد الانتقال من نظام سياسي إلى آخر، بل يستلزم إعادة بناء المؤسسات، وترسيخ ثقافة سياسية تؤمن بالتعددية والتداول السلمي للسلطة، وضمان أن يقوم الإصلاح الهيكلي على رؤية سودانية للتطوير والتجديد، لا على تفكيك المؤسسات المدنية والعسكرية، والعمل على إقامة علاقات متوازنة بين الدولة والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية الديمقراطية في السودان تتطلب أكثر من تنظيم الانتخابات؛ إذ تستوجب بناء مؤسسات مستقلة، وترسيخ سيادة القانون، وضمان حرية التعبير والتنظيم، وإقامة نظام سياسي يتيح المشاركة المتكافئة لجميع المواطنين؛ كما تتطلب إخضاع مؤسسات الدولة للرقابة الدستورية والمدنية، ومنع توظيفها لخدمة المصالح الشخصية أو الحزبية، بما يضمن استدامة الحكم المدني ويحول دون عودة الاستبداد.
ثالثًا: أدب المقاومة ودور الثقافة في التحرر الوطني
يقدم كتاب «أدب المقاومة في فيتنام» للناقد المصري غالي شكري (1970) قراءة نقدية لطبيعة العلاقة بين الإبداع الأدبي والنضال الوطني التحرري، موضحًا الكيفية التي تتحول بها النصوص الأدبية والفنون إلى أدوات فاعلة للتعبير عن الإرادة الشعبية في مواجهة الغزو والاحتلال أو في إصلاح نظام الحكم والإدارة بغية ترسيخ العدالة والديمقراطية، وتكشف التجربة الفيتنامية، كما يعرضها هذا الكتاب، أن المقاومة ليست مجرد عمل عسكري تكتيكي منفصل عن بنية المجتمع، بل هي مشروع وطني شامل تتكامل فيه الإرادة الشعبية والوعي الثقافي والتنظيم السياسي في سبيل تحقيق أهداف وطنية مشتركة، وقد أدى الأدب دورًا تعبويًا وتوثيقيًا بارزًا في مسيرة المقاومة والتحرر، وأسهم في حفظ الذاكرة الجماعية، ونقل آمال الإنسان البسيط وتضحياته إلى أفق إنساني أوسع.
وفي السودان، اضطلع الأدب بمختلف ألوانه وأشكاله بدور محوري في تغذية الكفاح السياسي السوداني، من خلال الجمعيات الأدبية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيل الوعي الوطني ومقاومة الاستعمار البريطاني، ومن أبرز هذه المؤسسات نادي السلام بمدينة النهود عام 1917م، ونادي الخريجين بأم درمان عام 1918م، وجمعية الاتحاد السوداني بأم درمان عام 1920م، وجمعية اتحاد القبائل بمدينة ود مدني عام 1923م، وجمعية اللواء الأبيض عام 1924م، وجمعية الفجر الأدبية التي ارتبط نشاطها بصدور مجلة «الفجر»، التي دعت إلى فكرة التجمع الوطني في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، إلى جانب مؤتمر الخريجين الذي أُعلن تأسيسه رسميًا في 12 فبراير 1938م، وقد أسهمت هذه المؤسسات، إلى جانب غيرها، في مسيرة التحرر الوطني من الاستعمار البريطاني.
ولا تقتصر قيمة أدب المقاومة على رصد جبهات القتال أو الاحتفاء بالبطولات الفردية، بل تتجاوز ذلك لتشمل الدفاع عن الحرية والسلام والكرامة الإنسانية، ومواجهة جذور التخلف والتهميش، وترسيخ منظومة قيمية تقوم على الحرية والعدالة الاجتماعية، ومن ثم، فإن الثقافة في سياق كفاح التحرر الوطني لا تحتل موقعًا هامشيًا، بل تمثل ركيزة أساسية من ركائز الوعي الجمعي الذي يمكّن المجتمعات من قراءة صفحات ماضيها، وفهم حاضرها، واستشراف مستقبلها بعين نقدية تبحث عن الحقيقة؛ فالشعوب التي تعي تاريخها وتدرك عمق هويتها تكون أقدر على صياغة مشروعها الوطني المستقل، والنضال من أجل بناء مستقبلها، ومواجهة أشكال الاضطهاد الاجتماعي والاستلاب الثقافي.
ومع ذلك، فإن أهمية هذا الدور لا تعني إخضاع الأدب والفن بصورة مطلقة للاعتبارات السياسية أو الأيديولوجية؛ إذ ينبغي أن يظل توظيف الإبداع في خدمة القضايا الوطنية بعيدًا عن التنميط الفكري الضيق أو تقييد حرية التعبير والابتكار؛ فالكتابة الأكثر تأثيرًا وبقاءً هي التي تجمع بين الالتزام بقضايا الإنسان الكبرى والاستقلال النقدي والجمالي، وفي السياق السوداني الراهن، تتأكد الحاجة إلى الحوار وتشكيل مشروع وطني جامع يتصدى لخطاب الكراهية والعنصرية، ويعالج التداعيات الناجمة عن الحرب مثل النزوح واللجوء والشتات والانقسام المجتمعي وتراجع الخدمات التعليمية والصحية، ويوثق معاناة الضحايا والنازحين، ويعزز قيم السلام والتعايش السلمي؛ فإعادة بناء الدولة المدنية الحديثة لا تستقيم بالنصوص الدستورية وحدها، بل تستدعي أيضًا إعادة بناء الوعي الوطني، وترميم الذاكرة الجماعية، وفتح المجال أمام المثقفين والمبدعين لإنتاج خطاب ثقافي يعترف بالتنوع ويعزز الانتماء الوطني المشترك.
ويكتسب الأدب في هذا السياق أهمية إضافية بوصفه مساحة لاستعادة الأصوات التي همشتها الحروب والصراعات، وتوثيق التجارب الإنسانية التي قد تغيب عن السرديات السياسية الرسمية؛ كما يستطيع الإبداع أن يسهم في تفكيك الصور النمطية التي تؤجج الانقسامات، وأن يفتح آفاقًا جديدة للحوار بين المكونات السودانية، على أساس الاعتراف المتبادل بالحقوق والكرامة الإنسانية.
رابعًا: التراث الأفريقي وبناء الهوية والوعي الاجتماعي
يتناول كتاب «حكايات حكماء أفريقيا وأسطورة جندو ديوال» للكاتب المالي أمادو همباطي با، بترجمة محمد بنعبود، عوالم متنوعة من التراث الشفهي الأفريقي الغني، مستعرضًا الحكايات المتوارثة لدى مجتمعات الفولاني في غرب أفريقيا، وتستمد هذه المدونات التراثية الغنية قيمتها الفلسفية والتربوية من قدرتها على نقل الخبرات الإنسانية والقيم الأخلاقية عبر الأجيال، من خلال تناول ثنائيات الخير والشر، والعدل والظلم، والتواضع والغرور.
وتقدم أسطورة «جندو ديوال» نموذجًا سرديًا ورمزيًا يعكس الصراع بين النزعات البشرية المدمرة وقيم التوازن والعدل، بما يؤكد أن التراث الشفهي الأفريقي ليس مجرد وسيلة للتسلية الشعبية، بل يمثل وعاءً معرفيًا وفلسفيًا يسهم في إنتاج المعنى، ونقل الحكمة، وتشكيل أرضية الوعي الاجتماعي، ومقاومة أشكال الهيمنة الرمزية أو الاستعلاء الثقافي والإقصاء السياسي، وتكتسب استعادة هذا التراث أبعادًا سياسية وثقافية عميقة في قارة تعرضت هويات مجتمعاتها ومعارفها التقليدية للتشويه والإقصاء خلال الحقبة الاستعمارية، في ظل هيمنة المركزيات الأوروبية وتهميش أنماط المعرفة الشفهية المحلية.
ومن هنا، فإن الاهتمام بالتراث الأفريقي المتنوع يمثل جزءًا من استعادة الاعتبار للخبرات التاريخية والثقافية للشعوب الأفريقية، وتعزيز قدرتها على التعبير عن ذواتها وصياغة تصوراتها للمستقبل؛ غير أن استدعاء كنوز التراث لا يعني الانكفاء أو الانغلاق على الماضي أو تقديس أعرافه بصورة مطلقة، بل يستوجب قراءة نقدية واعية تميز بين القيم الإنسانية التي تدعم مشاريع التضامن والعدالة والمساواة وبناء مجتمع مستنير ومتطور، والممارسات التي قد تعوق التقدم الاجتماعي أو تتعارض مع حقوق الإنسان في العالم المعاصر.
ومن هذا المنطلق، يصبح التراث الأفريقي رافدًا مهمًا من روافد الهوية الوطنية، وموردًا يمكن الإفادة منه في تطوير منظومات التعليم والحياة الاجتماعية، وتوسيع آفاق الحوار الثقافي الخلاق (همباطي با، 2013)، وفي حالة السودان، الذي يتميز بتنوعه الثقافي والإثني واللغوي، يمثل التراث الشفهي المحلي جسرًا للتواصل والتقارب والتفاهم بين مكوناته المختلفة، وقاعدة يمكن الاستناد إليها في تأسيس عقد اجتماعي وثقافي واقتصادي يحترم التعدد والتنوع ويجعله مصدر غنى وقوة، بدلًا من التعامل معه بمنطق الصراع والاستعلاء والإقصاء؛ فالوحدة الوطنية المستدامة لا تقوم على محو الاختلافات أو فرض هوية أحادية، بل على الاعتراف المتبادل، والعدالة في توزيع الفرص والموارد، والمشاركة المتكافئة في بناء الدولة، ويمكن للتراث الشعبي أن يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز التفاهم بين الأجيال والمجتمعات المحلية، من خلال الحكايات والأمثال والأشعار والممارسات الثقافية التي تختزن تجارب تاريخية مشتركة، كما أن إدماج هذا التراث في العملية التعليمية والأنشطة الثقافية، مع إخضاعه لقراءة نقدية منفتحة، يمكن أن يسهم في بناء وعي وطني يعترف بالتنوع ويحترم الخصوصيات الثقافية، دون أن يحولها إلى حواجز تعزل الجماعات بعضها عن بعض.
خامسًا: المعرفة والمقاومة وبناء الدولة الوطنية
تتقاطع المحاور الفكرية للكتب الأربعة عند حقيقة مركزية مفادها أن مستقبل المجتمعات يرتبط بمدى امتلاكها أدوات المعرفة والقدرة على توظيفها في إدارة شؤونها وصياغة خياراتها الاستراتيجية؛ فصعود الجنوب العالمي يتطلب توطين التكنولوجيا وتطوير البحث العلمي (عنتار، 2024)، واستدامة الديمقراطية تستلزم إيجاد وعي سياسي ومؤسسات راسخة تحمي الحقوق والحريات (ليفتسكي وزيبالت، 2018)، بينما تستند المقاومة الوطنية إلى ثقافة تحررية واعية (شكري، 1970)، وتتغذى الهوية المشتركة من جذور التراث الإنساني ومن القدرة على إعادة قراءته وتحليل مضامينه وتطويره (همباطي با، 2013).
ومن هنا، يصبح الفصل بين الاستقلال السياسي والاستقلال المعرفي أمرًا بالغ الصعوبة، كما يتعذر فصل مسارات التنمية الاقتصادية عن التحديات المرتبطة ببناء المؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ فالدولة التي تفتقر إلى قاعدة معرفية مستقلة، ومؤسسات بحثية فاعلة ومنتجة، وكفاءات بشرية مؤهلة، تظل أكثر عرضة للتبعية والاختلالات البنيوية، حتى إن امتلكت موارد طبيعية كبيرة أو حققت مكاسب سياسية مؤقتة، وتواجه الدول التي أنهكتها الحروب تحديات مضاعفة تتمثل في استعادة قدرتها على إنتاج المعرفة، وتوظيف خبرات علمائها وباحثيها في تشخيص جذور الأزمات وصياغة حلول مستدامة لها، في ظل ما تعانيه من هجرة واسعة للكفاءات، وتسييس للإدارة والحكم، وتدمير للمؤسسات التعليمية والبحثية.
ولذلك، فإن إعادة بناء الدولة لا ينبغي أن تقتصر على ترميم البنية التحتية أو إعادة تشغيل المؤسسات، بل يجب أن تشمل استعادة دور المعرفة في صنع القرار، وتعزيز استقلال الجامعات ومراكز البحث والتنوير، وتوفير بيئة تتيح للعقول الوطنية الإسهام في التنمية والإصلاح، وعليه، فإن مشروع إعادة تأسيس الدولة الوطنية يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تتضمن إصلاح الهياكل الإدارية والأمنية، وترسيخ استقلال القضاء، وحماية الحريات الأكاديمية، وفتح مراكز الإشعاع الفكري والثقافي، وتنمية الاقتصاد المنتج في الريف والمدينة، وصيانة التراث الثقافي المتنوع، وصياغة سياسة خارجية متوازنة تخدم المصالح الوطنية العليا.
وفي الحالة السودانية على وجه الخصوص، تفرض تداعيات الحرب الراهنة ضرورة الانتقال من المعالجات المؤقتة للأزمات إلى معالجة جذورها التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال حوار سوداني شامل يقود نحو مؤتمر قومي دستوري، ويقتضي ذلك ربط قضايا السلام بالعدالة الانتقالية، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب بالمواطنة المتساوية، والتنمية بالتوزيع العادل للموارد، والاستقرار السياسي بإرساء مؤسسات مدنية ودستورية قادرة على استيعاب التنوع وإدارة الخلافات بالوسائل السلمية؛ كما أن بناء دولة وطنية مستقرة يتطلب تجاوز التصورات الضيقة للسلطة والهوية، وإقامة علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع تقوم على الحقوق والواجبات المتساوية، وتضمن مشاركة المواطنين في صنع القرار، وتحول دون احتكار الموارد أو توظيف المؤسسات العامة لخدمة مصالح فئات بعينها؛ فالدولة التي تستوعب تنوع مجتمعها وتستثمر في قدراته البشرية والمعرفية تكون أقدر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وتحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح وإعادة البناء.
وتؤكد المحاور الأربعة أن بناء الدولة لا يمكن اختزاله في الجانب السياسي أو الاقتصادي وحده؛ إذ يتطلب تكاملًا بين المؤسسات الديمقراطية، والاستقلال الاقتصادي والمعرفي، والوعي الثقافي، والاعتراف بالتنوع في دولة المواطنة المتساوية؛ فالمعرفة من دون سلام وحرية قد تتحول إلى أداة في يد السلطة، والثقافة من دون استقلال نقدي قد تنغلق داخل الأيديولوجيا وتتحول لاحقًا إلى أداة للصراع، والوحدة الوطنية من دون عدالة اجتماعية قد تتحول إلى شعار يخفي التفاوت والإقصاء، لذلك، فإن المشروع الوطني الناجح هو الذي يوازن بين كل هذه العناصر، ويجعل كرامة الإنسان وحقوقه أساسًا لكل السياسات العامة.
خاتمـــة
تكشف القراءة المتكاملة لهذه المؤلفات أن مصير الشعوب لا تحدده موازين القوة المادية وحدها، ولا تحسمه إرادة الأقوياء في السيطرة على الضعفاء، بل يتشكل أيضًا من كفاءة المؤسسات السياسية والمدنية، ونضج الوعي المجتمعي، والقدرة على إنتاج المعرفة، والتمسك الخلاق بالوحدة على أساس التنوع، وبناء هوية مشتركة تتسع للتعدد الثقافي وتتكامل مع قيم الحرية والسلام؛ فالجنوب العالمي مطالب بتجاوز أشكال التبعية البنيوية، وتعزيز قدراته الاقتصادية والمعرفية، وبناء شراكات دولية ذكية وأكثر عدالة، والديمقراطيات بحاجة إلى مؤسسات يقظة تحميها من التآكل والاستبداد، وتصون قواعد التداول السلمي للسلطة؛ أما المقاومة الوطنية، فتستدعي مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة المستقلة، وخطابًا ثقافيًا يعبر عن آمال التحرر والكرامة الإنسانية، وفي المقابل، يتطلب التعامل مع التراث قراءة نقدية واعية تعزز قيم العيش المشترك في ظل دولة واحدة، وتستفيد من الخبرات المتراكمة دون الوقوع في أسر الماضي أو تقديس موروثاته بلا تمحيص.
وبالنسبة إلى السودان، يبرز الدرس الأهم في ضرورة بلورة مشروع وطني جامع يزاوج بين رؤية السلام والديمقراطية والمواطنة المتساوية والتنمية الشاملة في الريف والمدينة، ويضع الإنسان في قلب العملية السياسية والتنموية؛ فالدولة القادرة على حماية سيادتها وصيانة وحدتها الوطنية هي الدولة التي تحترم كرامة مواطنيها، وتستثمر في عقولهم ومهاراتهم، وتعترف بتعددها الثقافي، وتكفل لهم حقوق المشاركة الفعلية في صناعة مستقبلهم.
وفي تقديري، فإن بناء السودان الجديد الذي يتطلع إليه مواطنوه لا يتحقق بمجرد وقف الحرب أو إعادة المؤسسات إلى مسار العمل من جديد، على أهمية هاتين الخطوتين في معادلات الإصلاح، بل يتطلب معالجة الاختلالات التاريخية التي أضعفت الدولة، وتكريس العدالة في توزيع السلطة والثروة، وضمان الحقوق والحريات، وإرساء مؤسسات مدنية وعسكرية قادرة على حماية الدولة وإدارة التنوع وتعضيد السلم الاجتماعي والتواشج الثقافي، ومن دون التعامل مع هذه الشروط الأساسية، تظل الثروات عرضة للنهب، والجغرافيا عرضة للتقسيم، والديمقراطية معطوبة، والهوية الوطنية مهددة بالتشظي والضياع، ومن ثم، فإن المعرفة ليست ترفًا فكريًا أو خيالاً منفصلًا عن واقع الشعوب في هذا العالم، بل هي أحد الشروط الأساسية لاستقلالها وقدرتها على تقرير مصيرها؛ كما أن الثقافة ليست مجرد استعادة للماضي، بل أداة لفهم سيرورة الحياة في الحاضر وصياغة رؤى المستقبل، وبين المعرفة والديمقراطية والمقاومة والهوية، تتحدد ملامح المشروع الوطني القادر على تحويل التنوع إلى مصدر قوة، والاختلاف إلى مساحة للحوار، والأزمات إلى نقاط انطلاق نحو بناء دولة عادلة ومستقلة ومستقرة.
المراجـــع
1-عنتار، يوسف. (2024). الجنوب العالمي وتحولات النظام الدولي: متغيرات القوة وتحديات الصعود. مركز الجزيرة للدراسات؛ الدار العربية للعلوم ناشرون.
2-ليفتسكي، ستيفن، وزيبالت، دانييل. (2018). كيف تموت الديمقراطيات. ترجمة رعد زامل. دار سطور للنشر والتوزيع. (تُرجمت عن النسخة الأصلية الصادرة عن Crown Publishing).
3-شكري، غالي. (1970). أدب المقاومة في فيتنام. دار المعارف.
4-همباطي با، أمادو. (2013). حكايات حكماء أفريقيا وأسطورة جندو ديوال. ترجمة محمد بنعبود، ومراجعة عبود كاسوحة. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السودان بين حرب الموارد وتحديات السيادة الوطنية
-
الساحل والصحراء: تشابك الأزمات وإختبار الدولة والأمن الإنسان
...
-
رسالة تهنئة للصديق عابدين عمر بمناسبة إختياره رئيسًا لحركة س
...
-
قضايا القرن الأفريقي: كلمة مالك عقار في منتدى بورتسودان للأم
...
-
القلب والأرق وغراب الليل: قراءة واحدة عميقة في ثلاثة كتب للأ
...
-
السودان أمام مجلس الأمن: السيادة الوطنية وحماية المدنيين وتح
...
-
رسالة إلي المؤتمر الدولي لشباب السلام لعام 2026م
-
الصراعات في القرن الأفريقي والساحل والصحراء: تحولات النفوذ و
...
-
نحو جيش قومي واحد في دولة القانون: قراءة في التجارب التاريخي
...
-
تأملات حول تاريخ العلاقات السودانية الجزائرية
-
السودان بين المبادرة الأميركية ومسار السلام وإعادة بناء الدو
...
-
إعلان العلمين المشترك: قضايا السلام والسيادة والتكامل الإقلي
...
-
رؤية السودان الجديد: قراءة في جذور الأزمة الوطنية ومسارات إع
...
-
إتفاقية جوبا بعد ستة أعوام: طريق السودان الجديد
-
طائرُ الجُهَيْمِ والقرنُ الأفريقيُّ: ماذا نحن فاعلون؟
-
خطاب السودان أمام الأمم المتحدة: رؤية السلام والسيادة وإصلاح
...
-
نظرة على منجزات الدبلوماسية السودانية والحضور الأفريقي في ال
...
-
ناهض حتر: من ذكرى الإغتيال إلى مشروع للحوار من أجل حرية الفك
...
-
رؤية السيادة والسلام في رسالة الخارجية السودانية إلى واشنطن
-
قراءة في كلمة القائد مالك عقار بمناسبة الصلاة من أجل السودان
...
المزيد.....
-
وزير الصحة السوري تعليقا على الغارات الأردنية: لا يمكن حماية
...
-
بوتين يؤكد تطور التعاون مع قطر وأميرها يعول على دور روسيا في
...
-
الانتخابات الإسرائيلية.. رفض تمديد التصويت والاقتراع يتجه لك
...
-
سيول جارفة تفاجئ المسافرين في مصر والسلطات ترفع حالة الطورائ
...
-
إدارة ترامب تدرس رفع العقوبات المفروضة على صندوق الاستثمار ا
...
-
روسيا تفرض عقوبات على مدراء مؤسسات عسكرية بريطانية
-
لافروف: مسلحون أوكرانيون يخططون بدعم غربي لتنفيذ أعمال إرهاب
...
-
مصر تصدر بيانا رسميا بعد إعلان إسرائيل اجتياز مصري للحدود
-
134 مليار طن من الجليد الساحلي تذوب خلال عقد واحد!
-
حكومة إسرائيل المقبلة.. حرب إيران أولوية
المزيد.....
-
قراءة في العقل والثورة-3
/ نايف سلوم
-
قراءة في -العقل والثورة- -2
/ نايف سلوم
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
المزيد.....
|