أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - تأملات حول تاريخ العلاقات السودانية الجزائرية















المزيد.....

تأملات حول تاريخ العلاقات السودانية الجزائرية


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 10:00
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


عند قراءة تاريخ العلاقات السودانية الجزائرية، لا بد من النظر إليها باعتبارها علاقة مرّت بمراحل متعدّدة، وتأثّرت بالتحوّلات السياسية والفكرية والظروف الإقليمية والدولية، ولم تسر دائمًا في مسار ثابت ومستقيم؛ فقد تأسّس رصيدها الأول على التضامن والدعم السوداني للثورة الجزائرية، قبل أن تدخل لاحقًا مرحلة من التوتر وتباين المواقف وتراجع الثقة، وصولًا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية عام 1993م، ثم عودتها تدريجيًا إلى مسار الإنفتاح والتطبيع منذ عام 1999م، وأستحضر هنا، عندما كنت في القاهرة، مراسلاتٍ وحواراتٍ مطوّلة جمعتني بصديقي المفكر الجزائري الراحل البشير ربوح، إبان إندلاع ثورة ديسمبر المجيدة عام 2018م، بالتزامن مع تصاعد الحراك الشعبي الجزائري؛ حيث ناقشنا قضايا التغيير والتحرّر والعلاقة التاريخية بين الشعبين، وتوقّفنا عند أوجه التشابه بين تجربتي المناضلين الدكتور جون قرنق والأستاذ علي بومنجل، بوصفهما من رموز حركات التحرّر الوطني في إفريقيا، وتكشف هذه التجارب أن بناء علاقات مستقرة بين الدول يتطلب تجاوز الحسابات الأيديولوجية الضيّقة، وتقديم المصالح الوطنية، وتفعيل المؤسسات المشتركة، حتى لا تظل العلاقات الثنائية رهينة للظروف الطارئة وتقلبات السياسة في عالم سريع التحوّل، ومن هذا المنظور، فإن الإرث التاريخي بين السودان والجزائر يمكن أن يتحوّل من مجرد ذاكرة دبلوماسية إلى قاعدة لبناء تعاون أكثر توازنًا، يقوم على الإحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتبادل المصالح، وإحترام خصوصية كل دولة، خاصة في ظل التحوّلات المتسارعة التي تجعل التنسيق بين البلدين ضرورة سياسية وأمنية وإقتصادية تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية.

تكتسب التجربة السودانية الجزائرية أهميتها من كونها تكشف بوضوح مدى تأثير التحوّلات الداخلية في مسار العلاقات الخارجية؛ فقد إرتبطت أزمة التسعينيات بتباين التوجّهات السياسية والفكرية، وصعود الحركات الإسلامية المتطرفة، وما صاحب ذلك من إختلاف في الرؤى وتراجع في مستويات الثقة بين البلدين؛ غير أن تجاوز تلك المرحلة أصبح ممكنًا مع نشوء إرادة سياسية جديدة أعادت الإعتبار إلى الرصيد التاريخي المشترك، وأدركت أهمية الحوار وتوسيع مساحات التفاهم والتنسيق؛ كما أن الضغوط والتحديات التي واجهتها الخرطوم والجزائر، وما شهدته المنطقة من تطورات متلاحقة، عزّزت الحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية للعلاقات الثنائية، ومن هنا يمكن النظر إلى العلاقة بين البلدين باعتبارها مجالًا قابلًا للتجدّد كلما إنتصرت لغة المصالح المشتركة على منطق الإستقطاب؛ فالجزائر تمتلك خبرة تاريخية مهمة في إدارة الأزمات والتسويات، بينما يحتل السودان موقعًا جغرافيًا وسياسيًا بالغ الأهمية في القارة الإفريقية ومنطقة البحر الأحمر؛ الأمر الذي يتيح للبلدين فرصًا واسعة لبناء شراكة تقوم على المصالح المتبادلة، بدل الإكتفاء بالمواقف السياسية العامة التي تتّصف بالمجاملة؛ غير أن تحقيق ذلك يتطلب إرادة تتجاوز حدود التصريحات إلى إنشاء آليات مؤسسية دائمة، وإتصالات منتظمة، وتفعيل حركة إقتصادية وإستثمارية نشطة، وتبادل المعلومات والخبرات، بما يحوّل التقارب السياسي إلى شراكة إستراتيجية قابلة للإستمرار، وقادرة على مواجهة تقلبات البيئة الإقليمية والدولية والتحديات التي تفرض على البلدين تطوير أدوات التنسيق وحماية مصالحهما الوطنية.

يكشف كتاب التاريخ كذلك أن محدودية التعاون بين البلدين لم تكن أبدًا بسبب غياب الروابط التاريخية والثقافية، وإنما نتجت عن جملة من العوامل الداخلية والخارجية، من بينها ضعف التواصل، ومحدودية الإستثمارات، وقصور وسائل النقل، وعدم توظيف الإمكانات المتاحة بما يتناسب مع حجم الفرص، وفي هذا السياق، فإن كلمة الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون في 29 سبتمبر المنصرم بشأن الأوضاع في السودان وجنوب السودان تؤكد أهمية قراءة مستقبل العلاقات السودانية الجزائرية برؤية أكثر عمقًا ووعيًا بتحوّلات المشهد الإفريقي؛ فالقوة الحقيقية للعلاقات السياسية لا تقاس بكثرة البيانات أو الزيارات الرسمية، وإنما بقدرتها على إنتاج مصالح ملموسة للشعبين، ومن هنا تبرز أهمية الإنتقال من الدبلوماسية التقليدية إلى فتح تعاون متعدّد المستويات، يشمل الإقتصاد والإستثمار والتعليم والأمن الإقليمي والنقل والطاقة والتبادل التجاري، إلى جانب إشراك القطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الإعلامية والثقافية، ومن شأن هذا النهج أن يمنح العلاقات الثنائية عمقًا مؤسسيًا يقلّل من حجم تأثير التحوّلات السياسية المفاجئة، ويجعلها أكثر قدرة على الإستمرار؛ كما أن التوافق في عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الإهتمام المشترك يمكن أن يمثل مدخلًا لتعزيز التنسيق بين البلدين، إذا إقترن بمشروعات مشتركة واضحة ومصالح متبادلة؛ ولذلك، فإن موضوع إعادة بناء العلاقة لا ينبغي أن يقوم على إستدعاء الماضي والحنين إلى مراحله المضيئة فحسب، وإنما على إستثمار ذلك الإرث في صياغة رؤية واقعية تستجيب لمتطلبات الحاضر، وتؤسس لمستقبل أكثر إستقلالًا وتوازنًا وقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.

إن الدرس السياسي الأهم الذي تقدّمه هذه التجربة، في تقديري، يتمثّل في أن الأزمات بين الدول ليست قدرًا أبديًا، وأن الإنتقال من حالة التوتر والقطيعة إلى الحوار والتعاون يظل ممكنًا عندما تتغيّر الحسابات، وتتوفّر الإرادة السياسية لفتح مسارات جديدة للتفاهم؛ فالقطيعة التي إستمرت عدة سنوات لم تمنع عودة العلاقات بين البلدين، وهو ما يؤكد أن المصالح المشتركة قادرة على إعادة توجيه مسارات السياسة الخارجية متى وجدت قنوات للحوار والتواصل؛ غير أن تجربة الماضي تحذر في الوقت نفسه من الإكتفاء بمجرد الانفراج السياسي؛ لأن التقارب الذي لا يتحوّل إلى مؤسسات فاعلة ومشروعات مشتركة ومنافع متبادلة يظل معرضًا للإنتكاس عند أول إختبار عملي؛ ولذلك، يحتاج السودان والجزائر إلى إعداد تصوّر إستراتيجي طويل المدى، يقوم على قواعد إحترام إستقلال القرار الوطني، وتعزيز التشاور حول قضايا المنطقة، ودعم فرص السلام والإستقرار والتنمية، وبناء أطر إقليمية أكثر فاعلية تستطيع التعامل مع التحولات المتسارعة في النظام الدولي؛ كما أن إستثمار الإرث التاريخي يجب أن يكون وسيلة لبناء المستقبل، لا مبررًا للبقاء أسرى لشجون الماضي، وإذا نجح البلدان في تحويل الرصيد السياسي والثقافي المتراكم إلى آليات تعاون مستدامة، فقد تصبح العلاقات السودانية الجزائرية نموذجًا آفروعربيًا في تجاوز الأزمات وإعادة بناء الثقة والسير إلى الأمام بثبات؛ فالإحترام المتبادل، والحوار المستمر، والمصالح المشتركة، وحفظ السيادة، هي الأسس الأكثر صلابة لبناء علاقات دولية مستقرة وقادرة على خدمة مصالح الشعبين، وتعزيز الأمن والإستقرار الإقليمي، وفتح آفاق جديدة للتنمية والتعاون.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان بين المبادرة الأميركية ومسار السلام وإعادة بناء الدو ...
- إعلان العلمين المشترك: قضايا السلام والسيادة والتكامل الإقلي ...
- رؤية السودان الجديد: قراءة في جذور الأزمة الوطنية ومسارات إع ...
- إتفاقية جوبا بعد ستة أعوام: طريق السودان الجديد
- طائرُ الجُهَيْمِ والقرنُ الأفريقيُّ: ماذا نحن فاعلون؟
- خطاب السودان أمام الأمم المتحدة: رؤية السلام والسيادة وإصلاح ...
- نظرة على منجزات الدبلوماسية السودانية والحضور الأفريقي في ال ...
- ناهض حتر: من ذكرى الإغتيال إلى مشروع للحوار من أجل حرية الفك ...
- رؤية السيادة والسلام في رسالة الخارجية السودانية إلى واشنطن
- قراءة في كلمة القائد مالك عقار بمناسبة الصلاة من أجل السودان ...
- معادلة حظر السلاح في السودان بين حق الدولة ومخاطر الحرب
- لقاء القائد مالك عقار والآلية الخماسية: قضايا الحرب والسلام ...
- أفريقيا الجديدة: تحديات العبور إلى المستقبل
- الذكرى العاشرة لرحيل القائد وليام قوبيك
- نقاشات حول الحوار السوداني
- قراءة حول مبادرة الحوار السوداني وموقف الإتحاد الأفريقي
- الحوار السوداني: تأملات سياسية بين ضرورة مواجهة الخلافات ومخ ...
- قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخ ...
- ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسود ...
- السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن و ...


المزيد.....




- من سيبيريا إلى الحدود المجاورة.. تدابير لمكافحة الأوبئة بعد ...
- اشتراها بـ30 دولارًا.. لوحة لـ-ملكة البوهيميين- تُباع بـ1.35 ...
- هل -طلبت السعودية من سوريا إرسال مقاتلين إلى اليمن-؟ مستشار ...
- حاملة -أبراهام لينكولن- تعود إلى سان دييغو بعد أطول مهمة منذ ...
- جيمس بوند الهند.. 40 كلم فوق سقف سيارة تسير بسرعة 100 كم/ساع ...
- الشرق الأوسط أمام منعطف خطير: واشنطن تستعد لاحتمال ضرب إيران ...
- طائر جميل من جبال الهيمالايا يغير صوته بسبب البشر
- وفاة الإسبانية التي أثار قرار إخلائها من منزلها احتجاجات في ...
- التصعيد في باب المندب ـ بداية النهاية للحوثيين أم انتكاسة جد ...
- لماذا يخفي ميرتس درجاته المدرسية حتى اليوم؟


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - تأملات حول تاريخ العلاقات السودانية الجزائرية