أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - الساحل والصحراء: تشابك الأزمات وإختبار الدولة والأمن الإنساني















المزيد.....

الساحل والصحراء: تشابك الأزمات وإختبار الدولة والأمن الإنساني


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 10:36
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


تدخل منطقة الساحل والصحراء الإفريقية مرحلة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الهشاشة السياسية مع تصاعد التهديدات الأمنية وتفاقم الإختلالات التنموية، بما يجعل أزماتها جزءًا من معادلة إقليمية متشابكة تتجاوز حدود الدول وقدراتها المنفردة على المواجهة؛ فالهجمات المسلحة التي شهدتها مناطق شمال شرقي مالي، وأسفرت، وفقًا للتقارير الواردة، عن مقتل أكثر من أربعين مدنيًا، إلى جانب الهجوم الذي إستهدف حافلتين بالقرب من أغاديز في النيجر، تكشف عن إتساع الفجوة بين متطلبات حماية السكان والقدرات الفعلية للمؤسسات الوطنية على بسط الأمن هناك، ولا تقتصر خطورة هذه التطورات على حصيلتها البشرية المباشرة، بل تمتد إلى تقويض الثقة بين المجتمعات المحلية والدولة، وتعطيل مسارات التنمية، وتوسيع رقعة النزوح، وتهيئة بيئات قابلة للإستغلال من قِبل الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة العابرة للحدود، ومن هذا المنظور، فإن إختزال الأزمة في بعدها العسكري لا يعالج سوى مظاهرها الظاهرة، بينما تظل جذورها مرتبطة بضعف مؤسسات الدولة، وغياب الحوكمة الرشيدة، وتهميش المناطق الطرفية، وإنعدام العدالة في معادلة توزيع الموارد والخدمات بين المدن والأرياف، وعليه، فإن إستعادة الإستقرار تتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس الحماية والعدالة والتنمية، بالتوازي مع تطوير المنظومات الأمنية وتعزيز التعاون الإقليمي؛ لأن القوة العسكرية، مهما بلغت فاعليتها، لا تستطيع وحدها إرساء سلام مستدام في بيئات تتغذى فيها الصراعات على سياسة التهميش وإنعدام الثقة وإنفعالات الغضب والحروب.

في جمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد، تتجلى الطبيعة العابرة للحدود للأزمة الإقليمية، حيث تتداخل تحديات حفظ السلام مع تعقيدات السيادة الوطنية ومخاطر الفراغ الأمني؛ فالنقاش بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الإستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى، والتحذيرات من التسرع في سحب قوات حفظ السلام قبل إستكمال نقل المسؤوليات الأمنية إلى المؤسسات الوطنية، يعكسان معضلة إستراتيجية تواجه المجتمع الدولي والدول الإفريقية على السواء، وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا في ظل الإنقسامات السياسية داخل الأطر الإقليمية، بما يثير تساؤلات بشأن كيفية إنهاء الإعتماد على التدخلات الخارجية دون فتح المجال أمام عودة العنف أو تمدد الجماعات المسلحة، ولا تكمن الإجابة في إطالة الوجود الدولي إلى أجل غير محدد، ولا في الانسحاب المتعجل، وإنما في وضع خطط محكمة لإنتقال أمني وسياسي مدروس يستند إلى جاهزية المؤسسات الوطنية، وتعزيز سيادة القانون، وتوفير الضمانات اللازمة لحماية المدنيين، ومن المنظور ذاته، ينبغي النظر إلى التوترات في منطقة تيبستي التشادية، والإضطرابات المستمرة في المناطق الحدودية المتاخمة للسودان وجمهورية إفريقيا الوسطى، باعتبارها مؤشرات على أن ضعف الرقابة الحدودية يسمح بتداخل النزاعات المحلية مع أنشطة تهريب الأسلحة والمخدرات وشبكات الجريمة المنظمة، ولذلك، يصبح التنسيق بين الدول المعنية ضرورة إستراتيجية لا تقتصر على تبادل المعلومات وتنفيذ العمليات الأمنية المشتركة، بل تشمل أيضًا معالجة النزاعات المجتمعية، وتطوير الإقتصادات المحلية، وتعزيز آليات الوساطة والمصالحة؛ فالحدود التي تعجز الدول عن إدارتها بصورة جماعية تتحول إلى ممرات لإنتقال الأزمات، بينما يمكن تحويلها، من خلال التعاون المؤسسي، إلى فضاءات للتكامل الإقتصادي والإستقرار المتبادل.

على الصعيد السياسي، تعكس التطورات الجارية في السنغال وليبيا وبوركينا فاسو تعدد المسارات التي تواجهها الدولة الإفريقية في سعيها إلى تحقيق الأمن والإستقرار وإعادة بناء الشرعية السياسية؛ ففي السنغال، تثير الخلافات داخل المعسكر الحاكم بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي وشريكه السياسي عثمان سونكو تساؤلات بشأن قدرة التحالفات السياسية على إدارة التباينات داخل مؤسسات الحكم، والحفاظ على تماسكها، وتقديم نموذج ناجح للشراكة السياسية، ويؤكد ذلك أن إستدامة الإنتقال السياسي لا تستمد مقوماتها من لحظة إنتخابية عابرة، وإنما من رسوخ المؤسسات، وإحترام الإختصاصات الدستورية، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الحزبية، وفي ليبيا، تتشابك ملفات ترسيم الحدود البحرية والتعاون مع تركيا وإدارة الهجرة غير النظامية مع الإنقسامات الداخلية وتعدد مراكز النفوذ، الأمر الذي يحد من فاعلية التفاهمات الخارجية ما لم تترافق مع مسار وطني جاد لتوحيد المؤسسات وتوسيع قاعدة التوافق السياسي؛ كما تبرز أهمية مراعاة أحكام إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، ولا سيما القواعد المنظمة لتعيين الحدود البحرية والمناطق الإقتصادية الخالصة والجرف القاري، بما يحقق العدالة والإنصاف ويراعي المصالح المشروعة لدول الجوار، وفي هذا السياق، تكتسب الإعتراضات المصرية على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا أهمية خاصة، في ظل ما تثيره من خلافات بشأن المصالح السيادية والحقوق البحرية؛ أما في بوركينا فاسو، فإن الجدل حول إعادة العمل بعقوبة الإعدام يثير نقاشًا بشأن العلاقة بين متطلبات الأمن وضمانات العدالة الجنائية وحقوق الإنسان، ويطرح تساؤلات حول حدود السياسات العقابية في معالجة الأزمات المركبة، والقاسم المشترك بين هذه التجارب أن الدولة لا تستعيد قدرتها على الحكم بمجرد تشديد قبضتها أو إعادة ترتيب مراكز السلطة، بل من خلال تأسيس عقد سياسي وإجتماعي وإقتصادي وثقافي يعزز المساءلة والشفافية، ويرسخ قيم الحرية والسلام، ويكرس إدارة الخلافات عبر الحوار السياسي، بما يضمن المشاركة والمساواة أمام القانون، ويعالج الأسباب الإقتصادية والإجتماعية التي تدفع نحو الإحتقان والعنف، ومن ثم، فإن إستقرار الدول الإفريقية يرتبط بقدرتها على تحويل التنافس السياسي من مصدر للإستقطاب والصراع إلى آلية مؤسسية لإدارة الإختلاف وإحتواء الأزمات، دون المساس بحقوق المواطنين أو تقويض الشرعية الدستورية.

لا يمكن فهم مستقبل منطقة الساحل والصحراء بمعزل عن البعد الصحي، الذي أصبح مكونًا أساسيًا من مكونات الأمن القومي والإنساني، في ظل المخاطر المرتبطة بحمى الضنك والكوليرا والحصبة وفيروس إيبولا، وإحتمالات إنتقال الأوبئة عبر الحدود، وما تفرضه هذه التحديات من مسؤوليات على الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية؛ فالأزمات الصحية لا تنشأ من فراغ، ولا يمكن إحتواؤها بالتمنيات، بل تتفاقم بفعل النزاعات المسلحة، وحركة النزوح واللجوء، وضعف البنية التحتية الطبية، ومحدودية أنظمة الإنذار المبكر والإستجابة السريعة، وهي عوامل تجعل المجتمعات الأكثر فقرًا وهشاشة عرضة للكوارث الصحية وتداعياتها الإجتماعية والإقتصادية، ومن هنا، فإن التعامل مع الأوبئة باعتبارها شأنًا صحيًا منفصلًا عن السياسة والأمن والتنمية يمثل قصورًا في فهم طبيعة المخاطر المعاصرة؛ إذ إن حماية الحدود من التهديدات المسلحة لا تقل أهمية عن بناء أنظمة صحية فعالة قادرة على إكتشاف التفشي الوبائي وإحتوائه في أسرع وقت ممكن، وتوطين الصناعات الدوائية بوصفه أحد مقومات السيادة الوطنية، إلى جانب الإستثمار في المستشفيات وتأهيل الكوادر الطبية وتوسيع دوائر التوعية المجتمعية، وتمثل هذه الجهود ركيزة أساسية لحماية الإستقرار الإجتماعي والإقتصادي وبناء دول قادرة على تحقيق التنمية المستدامة؛ فالتحدي الإستراتيجي الذي تواجهه دول الساحل والصحراء لا يتمثل في إحتواء أزمة بعينها، بل في كسر الحلقة المفرغة التي تربط ضعف المؤسسات بالعنف والتهميش وتدهور الخدمات الصحية، وذلك من خلال رؤية إقليمية متكاملة تقوم على المسؤولية المشتركة، وإحترام السيادة الوطنية، والتعاون الفعلي؛ فالدولة القادرة على حماية مواطنيها هي التي تجمع بين الأمن والعدالة والتنمية والصحة في رؤيتها للمستقبل، وتستمد شرعيتها من ثقة المواطنين والمساءلة وسيادة القانون، لا من أدوات القوة والقمع وفرض القرارات، وقد أثبتت تجارب تاريخية أن الأنظمة التي تستبد بالسلطة وتقمع مجتمعاتها تقوض مقومات إستقرارها وتعرّض شرعيتها للسقوط، وعندما تتحول حماية الإنسان إلى جوهر السياسات العامة، يمكن لمنطقة الساحل والصحراء أن تنتقل تدريجيًا من منطق إدارة الأزمات المتلاحقة إلى بناء مقومات الإستقرار المستدام، ومن جغرافيا تتنازعها المخاطر إلى فضاء إقليمي تتكامل فيه المصالح، وتتوسع فيه فرص التنمية، وتترسخ فيه أسس السلام.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة تهنئة للصديق عابدين عمر بمناسبة إختياره رئيسًا لحركة س ...
- قضايا القرن الأفريقي: كلمة مالك عقار في منتدى بورتسودان للأم ...
- القلب والأرق وغراب الليل: قراءة واحدة عميقة في ثلاثة كتب للأ ...
- السودان أمام مجلس الأمن: السيادة الوطنية وحماية المدنيين وتح ...
- رسالة إلي المؤتمر الدولي لشباب السلام لعام 2026م
- الصراعات في القرن الأفريقي والساحل والصحراء: تحولات النفوذ و ...
- نحو جيش قومي واحد في دولة القانون: قراءة في التجارب التاريخي ...
- تأملات حول تاريخ العلاقات السودانية الجزائرية
- السودان بين المبادرة الأميركية ومسار السلام وإعادة بناء الدو ...
- إعلان العلمين المشترك: قضايا السلام والسيادة والتكامل الإقلي ...
- رؤية السودان الجديد: قراءة في جذور الأزمة الوطنية ومسارات إع ...
- إتفاقية جوبا بعد ستة أعوام: طريق السودان الجديد
- طائرُ الجُهَيْمِ والقرنُ الأفريقيُّ: ماذا نحن فاعلون؟
- خطاب السودان أمام الأمم المتحدة: رؤية السلام والسيادة وإصلاح ...
- نظرة على منجزات الدبلوماسية السودانية والحضور الأفريقي في ال ...
- ناهض حتر: من ذكرى الإغتيال إلى مشروع للحوار من أجل حرية الفك ...
- رؤية السيادة والسلام في رسالة الخارجية السودانية إلى واشنطن
- قراءة في كلمة القائد مالك عقار بمناسبة الصلاة من أجل السودان ...
- معادلة حظر السلاح في السودان بين حق الدولة ومخاطر الحرب
- لقاء القائد مالك عقار والآلية الخماسية: قضايا الحرب والسلام ...


المزيد.....




- مصر وتركيا تبحثان الأوضاع في ليبيا وسط اختلاف المواقف بشأن م ...
- القناة 14 العبرية: مقتل جندي إسرائيلي مصاب في هجوم الخليل ال ...
- الكرملين: مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ستعقد مطلع نوفمبر
- داء المرتفعات يقصي صانع المحتوى -أبو فلة- من إكمال تسلق جبل ...
- الدفاع الروسية: استعادة 270 أسيرا مقابل 270 أوكرانيّا (فيديو ...
- باريس.. مقتل شخص وإصابة أربعة بإطلاق عشوائي للنار
- هل تحلّ روسيا العقدة الإيرانية؟
- ترامب يدعم نتنياهو، أَمْ يقضي على فرصه الانتخابية!
- ليس بالديزل وحده، روسيا تُسعف الولايات المتحدة!
- حاملات الطائرات الأمريكية أمام إيران تنذر بحرب كبرى


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - الساحل والصحراء: تشابك الأزمات وإختبار الدولة والأمن الإنساني