أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سعد محمد عبدالله - السودان بين حرب الموارد وتحديات السيادة الوطنية














المزيد.....

السودان بين حرب الموارد وتحديات السيادة الوطنية


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 12:05
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


قرأتُ تقريرًا لوكالة السودان للأنباء بشأن الحرب الإقتصادية على السودان، طرح قضية تتجاوز حدود الأزمة المعيشية الراهنة، لتلامس جوهر الصراع على الدولة ومواردها ومستقبلها السياسي والإقتصادي؛ فالحرب التي إندلعت في أبريل 2023م لم تقتصر آثارها على العمليات العسكرية وتدمير المدن والقرى، وإنما إمتدت إلى عمق المؤسسات المصرفية والبنية الإنتاجية وسلاسل الإمداد ومصادر النقد الأجنبي، بما أضعف قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية وحماية الإستقرار الإجتماعي، ومن هذا المنطلق، فإن قراءة المشهد السوداني تقتضي الربط بين التدمير المادي للإقتصاد، وتراجع الإنتاج، ونزوح الأيدي العاملة، وإتساع الأنشطة غير الرسمية، وتدهور العملة الوطنية، والفساد الذي رسخته ممارسات مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها، وذلك دون إختزال جميع مظاهر الأزمة السودانية في عامل واحد، حتى تتضح الصورة كاملة للقراء والمتابعين؛ كما تستدعي هذه القراءة التمييز بين الوقائع الموثقة، والتقديرات الحكومية، والإتهامات الموجهة إلى أطراف خارجية؛ لأن بناء موقف وطني متماسك يحتاج إلى أدلة قابلة للتحقق، وخطاب إعلامي مسؤول، وتحليل موضوعي يفسر الأسباب والنتائج بوضوح؛ فالدفاع عن السودان يبدأ بتشخيص دقيق للأزمة، وتحديد المسؤوليات، وصياغة سياسات عملية تحمي المواطنين ومؤسساتهم وحقوقهم الإقتصادية.

تُعدّ الموارد المعدنية، وفي مقدمتها الذهب، أحد أكثر الملفات حساسية في معادلة الحرب والسلام، بالنظر إلى أهميتها في توفير العملات الأجنبية، وتمويل الموازنة، وتحريك النشاط الإقتصادي، ويؤدي خروج الإنتاج من القنوات الرسمية، وتهريب الموارد، وتراجع الرقابة على مناطق التعدين، إلى حرمان الدولة والمجتمعات المحلية من عائدات ضرورية لإعادة الإعمار وتحسين الخدمات؛ غير أن معالجة هذه المشكلة لا تتحقق بمجرد إدانة شبكات التهريب، بل تستلزم بناء منظومة شفافة لتتبع الإنتاج والتصدير، ووضع خطة واضحة لتوجيه العائدات نحو التنمية؛ كما ينبغي تعزيز الرقابة المالية والجمركية، ومكافحة غسل الأموال والتعاملات غير المشروعة في السوق الموازي، وإخضاع كافة الشركات والوسطاء للمساءلة القانونية، وفي المقابل، فإن أي تدابير دولية تستهدف الذهب السوداني ينبغي تقييمها وفق آثارها الفعلية على شبكات التمويل غير المشروع، والعاملين في التعدين الأهلي، والإقتصاد الوطني عمومًا؛ فالعقوبات الواسعة قد تنعكس سلبًا على المواطنين إذا لم تُصمَّم سياسات وطنية دقيقة للتعامل معها، والمطلوب هو دبلوماسية سودانية فاعلة تحاجج المجتمع الدولي بالأدلة، وتطالب بملاحقة المستفيدين من التهريب، وتحمي حق السودان في إدارة موارده وإستثمارها لمصلحة شعبه الصامد.

أما الإنهيار النقدي، وتعطل المصارف، وتدمير المنشآت الصناعية والزراعية، فتمثل تحديات مترابطة لا يمكن تجاوزها بالخطاب التعبوي الذي تلجأ إليه بعض القوى المناوئة للدولة لإثارة الرأي العام ضدها؛ فاستعادة الإستقرار الإقتصادي تتطلب من الحكومة بذل جهود جادة لإعادة تشغيل المؤسسات المصرفية، وتأمين قواعد البيانات، وتطوير وسائل الدفع، ومكافحة الفساد والتزوير، وتوطيد الثقة في العملة الوطنية؛ كما ينبغي إعطاء الأولوية القصوى لإصلاح مشروعات الري، وإستعادة الإنتاج في مشروع الجزيرة، وتأهيل المصانع، ودعم صغار المنتجين والمزارعين والرعاة وعمال المناجم، وتسهيل حركة التجارة بين الولايات، ولا بد من التمييز بين الأضرار الناجمة مباشرة عن العمليات العسكرية الجارية والإختلالات السابقة التي فاقمت هشاشة الإقتصاد، حتى لا تتحول الحرب إلى مبرر لتأجيل الإصلاحات الضرورية التي تمس حياة الشعب، ويمكن أن تسهم الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية في إعادة الإعمار وتوسيع نطاق الخدمات، شريطة إعتماد معايير النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، ويظل المواطن السوداني الطرف الأكثر تضررًا من التضخم، ونقص الوقود، وإرتفاع تكاليف النقل والغذاء؛ لذلك يجب أن تركز خطط الحكومة على حماية قدرته الشرائية وتأمين إحتياجاته الأساسية، باعتبار ذلك معيارًا رئيسيًا لقياس درجات نجاح السياسات الإقتصادية.

سياسيًا، تكشف الأزمة عن ضرورة الجمع بين حماية السيادة الوطنية والإنفتاح على تعاون دولي مسؤول يساعد في وقف الحرب ومعالجة آثارها المدمرة؛ فالدولة القادرة على التعافي تحتاج إلى إرادة وطنية، ومؤسسات فاعلة، وإدارة رشيدة للموارد، وسياسة خارجية تحشد الدعم لمحاسبة المتورطين في تمويل العنف والإرهاب، وتهريب الثروات، وتدمير البنية التحتية للدولة، إستنادًا إلى أدلة موثوقة، وبعيدًا عن التعميم أو توجيه إتهامات لا تسندها أدلة كافية؛ كما أن الإنتصارات العسكرية تحتاج إلى سياسات تعزز قيمتها الوطنية وتترجمها إلى إستقرار مستدام، وعودة آمنة للنازحين، وإستعادة الخدمات، وفتح المجال أمام حوار سياسي سوداني واسع يعالج جذور الأزمة ويضع الحلول المناسبة لها، ومن هنا، ينبغي أن يقوم التلاحم الشعبي المطلوب على الثقة والمشاركة والعدالة، لا على مطالبة المواطنين وحدهم بتحمل أعباء الإنهيار الإقتصادي، ولا على السعي إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل عملها من خلال إستغلال الكوارث لتصفية الحسابات السياسية؛ فالسودان يحتاج إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الإنتاج، ويصون الموارد، ويحقق التنمية المتوازنة، لأن معركة التعافي مسؤولية مشتركة، والإنتصار الحقيقي هو إستعادة الدولة لعافيتها، وضمان كرامة الإنسان، وترسيخ قيم الحرية والسلام والمواطنة المتساوية.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الساحل والصحراء: تشابك الأزمات وإختبار الدولة والأمن الإنسان ...
- رسالة تهنئة للصديق عابدين عمر بمناسبة إختياره رئيسًا لحركة س ...
- قضايا القرن الأفريقي: كلمة مالك عقار في منتدى بورتسودان للأم ...
- القلب والأرق وغراب الليل: قراءة واحدة عميقة في ثلاثة كتب للأ ...
- السودان أمام مجلس الأمن: السيادة الوطنية وحماية المدنيين وتح ...
- رسالة إلي المؤتمر الدولي لشباب السلام لعام 2026م
- الصراعات في القرن الأفريقي والساحل والصحراء: تحولات النفوذ و ...
- نحو جيش قومي واحد في دولة القانون: قراءة في التجارب التاريخي ...
- تأملات حول تاريخ العلاقات السودانية الجزائرية
- السودان بين المبادرة الأميركية ومسار السلام وإعادة بناء الدو ...
- إعلان العلمين المشترك: قضايا السلام والسيادة والتكامل الإقلي ...
- رؤية السودان الجديد: قراءة في جذور الأزمة الوطنية ومسارات إع ...
- إتفاقية جوبا بعد ستة أعوام: طريق السودان الجديد
- طائرُ الجُهَيْمِ والقرنُ الأفريقيُّ: ماذا نحن فاعلون؟
- خطاب السودان أمام الأمم المتحدة: رؤية السلام والسيادة وإصلاح ...
- نظرة على منجزات الدبلوماسية السودانية والحضور الأفريقي في ال ...
- ناهض حتر: من ذكرى الإغتيال إلى مشروع للحوار من أجل حرية الفك ...
- رؤية السيادة والسلام في رسالة الخارجية السودانية إلى واشنطن
- قراءة في كلمة القائد مالك عقار بمناسبة الصلاة من أجل السودان ...
- معادلة حظر السلاح في السودان بين حق الدولة ومخاطر الحرب


المزيد.....




- ترامب: الولايات المتحدة تعتزم إقامة علاقات تجارية واقتصادية ...
- مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي يدرس توجيه تهمة التجسس الا ...
- فرنسا تحترق والاقتصاد يختنق.. المخبر الاقتصادي يكشف سر ورطة ...
- العراق يتوقع وصول مليار دولار نقدا من الاحتياطي الفيدرالي لخ ...
- بزشكيان يقر بتدهور الأوضاع المعيشية في إيران جراء الضغوط الا ...
- الرئيس النيجيري يطلق حملة إعادة انتخابه وسط تحديات اقتصادية ...
- الذكاء الاصطناعي يضاعف اكتشاف الثغرات الإلكترونية ويهدد بموج ...
- الكلاسيكو والكرة الذهبية.. مواجهة حاسمة بين لامين جمال ومباب ...
- فولكسفاغن تعتزم تسريح 12 ألف موظف
- قطر تستضيف غدا المنتدى العالمي للاستثمار 2026 بمشاركة أممية ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سعد محمد عبدالله - السودان بين حرب الموارد وتحديات السيادة الوطنية