|
|
تطوّر القصّة العربيّة المحليّة في المرحلة اللاإنسانيّة: حين يكتب الذكاء الاصطناعيّ أدب الإنسان
أحمد كامل ناصر
الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 02:54
المحور:
الادب والفن
لم يعد السؤال الذي يواجه الأدب في عصر الذكاء الاصطناعيّ مقتصرًا على قدرة الآلة على كتابة قصّة مقنعة أو رواية متماسكة أو قصيدة تستجيب لشروط البناء الفنيّ. لقد تجاوزنا، أو بدأنا نتجاوز، السؤال المتعلق بإمكان إنتاج النصّ الأدبيّ بواسطة الآلة، لنقترب من سؤال أكثر عمقًا وإثارة للقلق: ماذا يحدث للأدب حين يعتمد الإنسان اعتمادًا متزايدًا على الذكاء الاصطناعيّ في إنتاجه، حتى يغدو هذا الاعتماد شاملًا لمراحل الكتابة والتخييل وبناء الشخصيّات وصياغة اللغة وتشكيل العالم السرديّ؟ إنّنا أمام احتمال يتجاوز التحوّل في أدوات الكتابة إلى التحوّل في مفهوم الإبداع نفسه. فالإنسان الذي استخدم اللغة ليعبّر عن تجربته، واستعان بالكتابة ليعيد تشكيل ذاكرته وعلاقته بالعالم، قد يجد نفسه في مرحلة مقبلة مستعينًا بنظام ذكيّ يتولى عنه معظم عمليّات الإنتاج الأدبيّ. عندئذ، لن يكون السؤال: هل يستطيع الذكاء الاصطناعيّ كتابة الرواية؟ وإنّما: ما الذي يبقى من فعل الكتابة الإنسانيّة عندما يصبح إنتاج الرواية ممكنًا من دون أن يضطلع الإنسان مباشرة بأعبائه الإبداعيّة؟ في بدايات العلاقة بين الكاتب والتقنيّات الذكيّة، أمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعيّ بوصفه أداة مساعدة؛ يقترح فكرة، أو يراجع عبارة، أو يختبر بناءً سرديًا، أو يقدّم بدائل لغويّة يستطيع الكاتب الاختيار بينها. وفي هذه العلاقة، ظلّ الإنسان صاحب المبادرة الأساسيّة، بينما أدّت الآلة وظيفة توسّع إمكاناته وتختصر بعض جهوده. غير أنّ المسار قد يتّجه إلى وضع مختلف، تتراجع فيه المسافة بين الاستعانة بالأداة وتسليمها معظم العمل. فقد يكتفي الكاتب بتحديد موضوع الرواية، أو رسم ملامح شخصيّاتها، أو تقديم تصوّر أوّلي لعالمها، ثم يترك للنظام الذكيّ بناء الأحداث، وتطوير الصراعات، وصياغة الحوارات، وإنتاج الفصول، وإعادة كتابة النصّ حتى يبلغ الصورة التي يطلبها. وقد تتقلّص هذه المشاركة الإنسانيّة أكثر، بحيث يصبح التدخّل البشريّ مقتصرًا على اختيار النصّ المطلوب من بين نصوص متعدّدة، أو إصدار تعليمات عامّة، أو الموافقة على الناتج النهائيّ. عند هذه النقطة، لا يعود الذكاء الاصطناعيّ مجرّد وسيلة للكتابة؛ إذ يصبح البيئة التي يجري داخلها معظم الفعل الإبداعيّ. لا يعني هذا أنّ المستقبل سيتّخذ صورة واحدة، أو أنّ جميع الكتّاب سيتخلّون عن الكتابة المباشرة. غير أنّ اتساع الاعتماد على الأنظمة الذكيّة يجعل هذا الاحتمال جديرًا بالتأمّل النقديّ، خصوصًا حين تصبح سهولة الإنتاج وسرعته عاملين مؤثّرين في اختيارات الكتّاب والناشرين والمؤسسات الثقافيّة. يمكن أن نطلق على هذه المرحلة، في إطار اصطلاحيّ نقديّ، اسم "المرحلة اللاإنسانية"؛ لا بمعنى أنّها مرحلة تختفي فيها الإنسانيّة من الأدب، وإنّما بمعنى أنّ الإنسان قد يتراجع فيها عن ممارسة فعل الكتابة بنفسه، فيما تتولّى الأنظمة الاصطناعيّة إنتاج النصوص التي تعبّر عنه أو تحاكي عالمه. وتكمن المفارقة في أنّ الأدب قد يواصل الحديث عن الإنسان، وعن الحبّ والفقد والخوف والحنين والموت والذاكرة، في الوقت الذي يتراجع فيه حضور التجربة الإنسانيّة المباشرة في عمليّة إنتاجه. فقد تكتب قصّة عن أمّ تفقد ابنها، أو عن مهاجر يودّع قريته، أو عن رجل يستعيد سنوات عمره الأخيرة، من خلال نظام يستطيع بناء هذه المواقف وصياغة تفاصيلها السرديّة اعتمادًا على الأنماط والعلاقات التي تعلّمها من البيانات. لكن إنتاج وصف مقنع للألم لا يساوي اختبار الألم، كما أنّ محاكاة الحنين لا تثبت وجود ذاكرة شخصيّة وراء النصّ. وهنا ينبغي التمييز بين القدرة على تمثيل التجربة الإنسانيّة لغويًا، وامتلاك التجربة ذاتها. فالأنظمة التوليديّة تستطيع تركيب صور ومواقف ومشاعر معبّر عنها في اللغة، من دون أن يثبت ذلك أنّها تعيش هذه المشاعر كما يعيشها الإنسان. ومع ذلك، لا ينبغي أن يقودنا هذا التمييز إلى إنكار القيمة الأدبيّة الممكنة للنصّ الذي تنتجه الآلة. فالقارئ قد يتأثّر بنصّ لم يكتبه إنسان مباشرة، وقد يجد فيه ما يعبّر عن تجربته أو يساعده على فهمها. إنّ الإشكال الأعمق يتعلّق بموقع التجربة الإنسانيّة في عمليّة الإبداع، وبالطريقة التي نعرّف بها المؤلف، وبالمعايير التي نعتمدها للحكم على العمل الأدبيّ. إنّ المرحلة اللاإنسانيّة، بهذا المعنى، لا تعلن بالضرورة غياب الإنسان عن موضوع الأدب، وإنّما تضع موضع التساؤل استمرار حضوره بوصفه المنتج المباشر للنصّ. تكتسب هذه المسألة أهميّة خاصّة عندما نتأمّل مستقبل القصّة العربيّة المحليّة، التي تستمد جانبًا من خصوصيتها من المكان والذاكرة واللهجة والعلاقات الاجتماعيّة والتفاصيل اليوميّة. فالقصّة المحليّة ليست مجموعة من أسماء القرى والشوارع، ولا قاموسًا من المفردات الشعبيّة، ولا مشاهد متكرّرة للحياة الريفيّة أو الحضريّة. إنّها طريقة في رؤية العالم، تتشكّل من علاقة الإنسان ببيئته ومن خبرته بتاريخ الجماعة وتحوّلاتها. يستطيع الذكاء الاصطناعيّ أن ينتج قصّة تدور في قرية فلسطينيّة، وأن يستخدم بعض مفردات لهجتها، وأن يستحضر مشاهد من الحياة الاجتماعيّة، وأن يبني شخصيّات تبدو مألوفة للقارئ. غير أنّ نجاحه في محاكاة هذه العلامات لا يضمن وحده أنّه قدّم تمثيلًا عميقًا للحياة المحليّة. فقد يعيد إنتاج صور شائعة عن المجتمع، أو يخلط بين عادات تنتمي إلى أزمنة وأماكن مختلفة، أو يختزل تجربة تاريخيّة مركبة في تفاصيل سطحيّة يسهل التعرف إليها. وتظهر مخاطر ذلك بوضوح في أمثلة من القصّة العربيّة المحليّة. فقد يكتب النظام قصّة عن عائلة فلسطينيّة في قرية جبليّة، فيضع على لسان الجدّ تعبيرات من لهجة غزّة، ويخلطها بمفردات شاميّة أو بدويّة، ثم يقدّم هذا الخليط بوصفه "اللهجة الفلسطينية" العامّة. وقد يستعمل كلمة محليّة صحيحة في غير موضعها الاجتماعيّ، كأن يجعل طفلًا يخاطب كبير العائلة بعبارة لا تقال إلّا بين الأقران، أو يجعل امرأة من جيل قديم تستخدم تعبيرًا حديثًا شائعًا في وسائل التواصل. هنا لا يكون الخطأ لغويًا فحسب، بل يكشف سوء فهم للعلاقات العمريّة والطبقيّة والجغرافيّة التي تمنح اللهجة معناها. وفي قصّة تدور في قرية أردنيّة أو سوريّة، قد يستحضر الذكاء الاصطناعيّ مشهد "الساحة" و"المضافة" و"موسم الحصاد"، لكنّه يضع في المشهد عادات متباعدة زمنيًا: هاتف ذكي بتطبيقات معاصرة إلى جانب طقس اجتماعيّ كان شائعًا قبل عقود، أو يجعل أهل القرية يتحدّثون عن حدث تاريخيّ بذاكرة جماعيّة لا تنتمي إلى منطقتهم. وقد يكتب عن قرية مغربيّة فيستخدم أسماء أطعمة وملابس وأمثالًا من بيئات عربيّة أخرى، فيبدو المكان مزينًا بعلامات محليّة متفرّقة، لكنّه يفتقر إلى منطق الحياة اليوميّة الذي يربط هذه العلامات بعضها ببعض. أمّا في استحضار الذاكرة، فقد ينتج النظام قصّة عن لاجئ فلسطينيّ يعود إلى قريته المهدّمة، فيحوّل الذاكرة إلى قائمة عامّة من شجرة زيتون ومفتاح قديم وبيت حجريّ، من دون أن يميّز بين ذاكرة شخص عاش المكان وذاكرة من ورث حكايته. وقد يخلط بين أسماء القرى المهجّرة، أو ينسب إلى قرية ساحليّة تفاصيل من قرية جبليّة، أو يجعل الشخصيّة تتذكر حدثًا وقع بعد مغادرتها المكان. مثل هذه الأخطاء قد تبدو صغيرة في بنية الحبكة، لكنّها تمسّ حساسيّة الذاكرة الجماعيّة، لأنّ المكان هنا ليس خلفيّة روائيّة قابلة للاستبدال، بل جزء من تاريخ الفقد والاقتلاع والهويّة. وفي قصّة عن مدينة عربيّة، قد يختزل النظام الذاكرة الحضريّة في معالم معروفة، فيجعل بيروت مجرّد مقهى وشارع الحمرا، أو يجعل بغداد مجرّد دجلة ومقهى شعبيّ، أو يجعل القاهرة مجرّد زحام ونيل وعمارة قديمة. وبذلك تستبدل الذاكرة المعاشة بصور سياحيّة متكرّرة، وتهمّش تفاصيل الأحياء والطبقات واللهجات والتحوّلات السياسيّة التي تمنح المدينة صوتها الخاصّ. كما قد يقدّم النظام حكاية عن موسم دينيّ أو مناسبة اجتماعيّة، فيخلط بين طقوس الطوائف والمناطق، أو يعمم ممارسة تخصّ جماعة محدّدة على المجتمع كلّه، بما يحوّل التنوع الثقافيّ إلى صورة نمطيّة مضلّلة. وفي المقابل، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعيّ في حفظ اللهجات، وتنظيم الحكايات الشفويّة، واستكشاف التحوّلات اللغوية، ومساعدة الكتّاب على الوصول إلى مواد ثقافيّة يصعب جمعها بالوسائل التقليديّة. ولذلك، تتعلّق المسألة بطبيعة البيانات التي تستند إليها هذه التقنيّة، وبحدود معرفتها بالسياق، وبمقدار المسؤوليّة التي يحتفظ بها الإنسان عن النصّ المنتج. وإذا أصبحت كتابة القصّة المحليّة تعتمد اعتمادًا شبه كامل على النماذج الذكيّة، فقد يظهر سؤال جديد: هل تبقى المحليّة تجربة تتجدّد من داخل المجتمع، أم تتحوّل تدريجيًا إلى مجموعة من السمات القابلة للمحاكاة وإعادة الإنتاج؟ وهل يستطيع الأدب الاحتفاظ بتفاصيل الحياة التي لم تدخل بعد في المدوّنات الرقميّة، أو تلك التي يصعب اختزالها في أنماط لغويّة متكرّرة؟ هنا يتّصل مستقبل القصّة المحليّة بمستقبل الذاكرة الثقافيّة نفسها؛ لأنّ ما لا يوثّق قد يصعب على النماذج استحضاره، وما يوثّق بصورة ناقصة قد يعاد إنتاجه بصورة مشوّهة، وما يتكرّر في البيانات قد يحظى بحضور أكبر من التجارب الهامشيّة أو الأصوات التي لم تجد طريقها إلى النشر. إذا اتّسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعيّ في إنتاج الأدب، فقد يتغيّر مفهوم الكاتب وموقعه في العمليّة الإبداعيّة. فبدلًا من أن يكون الكاتب هو الذي يصوغ النصّ جملة جملة، قد يصبح موجّهًا للعملية، ومختارًا بين البدائل، ومراجعًا لما تنتجه الأنظمة، ومحدّدًا للمعايير التي ينبغي أن يستجيب لها النصّ. وقد يذهب التحوّل إلى أبعد من ذلك، حين يصبح بعض المستخدمين قادرين على إنتاج روايات كاملة من خلال تعليمات قصيرة، من دون امتلاك خبرة واسعة في تقنيّات السرد أو القدرة على كتابة نصّ طويل بأنفسهم. وفي هذه الحالة، قد تنفصل القدرة على طلب العمل الأدبيّ عن القدرة على إنجازه بالمعنى التقليديّ. وسينشأ عن ذلك توتّر بين مفهومين: الكتابة بوصفها ممارسة تتطلّب معرفة باللغة، وخبرة بالتشكيل السرديّ، ومراجعة مستمرّة؛ وإنتاج النصّ بوصفه نتيجة يمكن الحصول عليها من خلال توجيه نظام ذكيّ. وقد لا تختفي الكتابة البشريّة، لكنّها قد تفقد احتكارها لعمليّة الإنتاج، كما قد تتغيّر المكانة الثقافيّة التي ارتبطت طويلًا بالكاتب بوصفه صاحب العمل ومصدره الأساسيّ. ومع ذلك، فإنّ توجيه النظام، واختيار مخرجاته، وتحريرها، قد تتطلّب بدورها قدرات نقديّة وجماليّة ومعرفيّة. لذلك، لا يمكن مساواة كلّ استخدام للذكاء الاصطناعيّ بالتخلّي الكامل عن الإبداع. ويكمن الفارق الحاسم في مقدار ما يضيفه الإنسان إلى العمل، وطبيعة قراراته، ومدى فهمه للنصّ الذي ينسبه إلى نفسه. من النتائج المحتملة لاتّساع الإنتاج الآليّ أن يصبح إنتاج القصص والروايات أسرع وأقلّ كلفة، وأن تتضاعف النصوص المتاحة للقراءة والنشر. وقد يفتح ذلك المجال أمام تجارب سرديّة جديدة، وأمام أشخاص لم تسمح لهم ظروفهم أو مهاراتهم اللغويّة بخوض تجربة الكتابة الطويلة. لكنّ وفرة الإنتاج تطرح سؤالًا آخر: هل تؤدّي زيادة عدد النصوص إلى زيادة موازيّة في القيمة الأدبيّة؟ من الواضح أنّ القدرة على إنتاج نصّ طويل ومتماسك لا تكفي وحدها لإثبات تميّزه الفنيّ. فالأدب يتّصل أيضًا بخصوصية الرؤية، وعمق البناء، والقدرة على اكتشاف العلاقات الخفيّة في التجربة الإنسانيّة، وتقديم صياغة تجعل القارئ يعيد النظر في العالم الذي يعرفه. وقد تواجه الثقافة الأدبيّة مستقبلًا فيضًا من النصوص المتشابهة في أساليبها وبنائها، خصوصًا إذا اعتمد عدد كبير من المستخدمين على نماذج متقاربة، وعلى أنماط جاهزة من الحبكات والشخصيّات. وقد تصبح الندرة الجديدة مرتبطة بقدرة العمل على كسر التوقّع، واكتشاف تفاصيل لا تختزلها القوالب الشائعة، وتقديم رؤية متفرّدة للحياة. غير أنّ هذا الاحتمال لا يبرّر الحكم المسبق بأنّ الأدب الآليّ سيكون أدبًا ضعيفًا، أو أنّ الأدب البشريّ سيحتفظ دائمًا بالتفوّق. فالمعيار ينبغي أن يظلّ مرتبطًا بالنصّ وتجربته الفنيّة، مع الانتباه إلى ظروف إنتاجه، ومقدار الأصالة والمسؤوليّة والشفافيّة التي تحيط به. قد يكون السؤال عن نهاية الإبداع الإنسانيّ سابقًا لأوانه؛ لأنّ الإنسان يستطيع تغيير موقعه في العمليّة الإبداعيّة من دون أن يختفي أثره منها. فالتقنيّات الجديدة قد تدفعه إلى الانتقال من الكتابة المباشرة إلى بناء التصوّرات، ومن صياغة الجمل إلى اختبار البنى السرديّة، ومن تنفيذ التفاصيل إلى مراجعة المعنى والاختيارات الجماليّة. لكنّ هذا التحوّل يحمل خطرًا حين ينتقل الاستخدام من توسيع القدرة الإبداعيّة إلى إحلال الإنتاج الآليّ محلّ الممارسة الإنسانيّة، من غير وعي بما قد يفقد في الطريق. فالكتابة ليست مجرّد وسيلة للحصول على نصّ نهائي؛ إنّها أيضًا عملية تفكير، واكتشاف، ومواجهة مع اللغة، واختبار للأفكار، وتعديل للرؤية خلال العمل. وقد يحرم الاعتماد الكامل على الأنظمة الذكيّة الكاتب من جانب من هذه الخبرة، إذا ترك لها التفكير والصياغة والمراجعة جميعًا. ومن هنا، لا تتعلّق القضيّة بضرورة مقاومة التقنيّة أو الانسحاب منها، بل بضرورة إدراك أنّ التخلّي عن فعل الكتابة قد يغيّر علاقة الإنسان باللغة وبالتجربة التي يريد التعبير عنها. فثمة فرق بين أن يستخدم الكاتب الذكاء الاصطناعيّ لاكتشاف إمكانات جديدة في نصّه، وأن يكتفي بالحصول على نصّ جاهز لا يعرف كيف تشكّلت رؤيته، ولا لماذا اتّخذ بنيته النهائيّة. ولعلّ التحدّي الأهمّ في المرحلة المقبلة يتمثّل في المحافظة على قدرة الإنسان على الاختيار والفهم والحكم، حتى عندما لا يعود هو الذي ينتج كلّ جملة بيده. فقد تتغيّر صورة المشاركة الإنسانيّة، مع ضرورة بقائها واعية ومسؤولة، بعيدًا عن مجرّد الموافقة الآليّة على ما تقترحه الأنظمة. إنّ المرحلة التي يزداد فيها اعتماد الإنسان على الذكاء الاصطناعيّ في كتابة القصّة والرواية والعمل الأدبيّ عمومًا تفتح أفقًا جديدًا للتفكير في ماهيّة الإبداع، وحدود التأليف، ومستقبل العلاقة بين التجربة واللغة والنصّ. وقد تصبح الأنظمة الذكيّة قادرة على أداء جانب متزايد من الوظائف التي ارتبطت تاريخيًا بالكاتب، من بناء الحبكة إلى تشكيل الشخصيّات وصياغة العوالم المتخيّلة. غير أنّ القدرة على إنتاج الأدب لا تحسم وحدها معنى الأدب، كما أنّ محاكاة الإنسان لا تعني بالضرورة امتلاك تجربته. وبين هاتين الحقيقتين تتشكّل المسألة التي تستحق أن تشغل النقد الأدبيّ: كيف نحكم على النصوص التي تنتجها الأنظمة الذكيّة؟ وكيف نحدّد مسؤوليّة الإنسان عنها؟ وما الذي يمنح العمل خصوصيّته حين تتشابه الأدوات والأنماط والطرائق التي ينتج بها؟ قد لا يكون المستقبل نهاية للكاتب، لكنّه قد يكون نهاية للصورة التقليديّة التي احتكر فيها الكاتب جميع مراحل إنتاج النصّ. وقد لا تختفي القصّة المحليّة، لكنّها قد تدخل اختبارًا جديدًا تتنافس فيه الذاكرة المعيشة مع الذاكرة الرقميّة، والتجربة المباشرة مع المحاكاة، والخصوصيّة الثقافية مع الأنماط القابلة للتكرار. في هذه المرحلة، لا تبدو المسألة مجرّد انتقال من القلم إلى الخوارزميّة؛ إذ يمكن النظر إليها بوصفها انتقالًا محتملًا من الكتابة باعتبارها فعلًا إنسانيًا ممتدًّا إلى إنتاج أدبيّ تتوزّع عمليّاته بين الإنسان والآلة، وقد تنفرد الآلة بمعظمها. وعندئذ سيصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا استطاع الإنسان الحصول على القصّة من دون أن يكتبها، فهل يظلّ الإبداع بالنسبة إليه فعلًا يمارسه، أم يتحوّل إلى منتج يطلبه ويستهلكه؟ لعلّ هذا السؤال هو المدخل الحقيقيّ إلى فهم المرحلة اللاإنسانيّة؛ فهي لا تخلو بالضرورة من الأدب أو من المعاني الإنسانيّة، لكنّها قد تجعل الإنسان أقلّ حضورًا في الفعل الذي طالما عبّر من خلاله عن وجوده، وأعاد به تشكيل علاقته بذاته والعالم. الطيرة – 26.10.2026
#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين أسرار الطبيعة وصفاء الرّوح: قراءة نقديّة في قصيدة -البحر
...
-
جماليّات الزمن التأطيريّ والرحلة المعرفيّة في رواية -عبر بوا
...
-
تحوّلات أدوات الناقد العربيّ في البيئة الذكيّة
-
ردًّا على ردّ الناقد حاتم جوعيّة: النقد لا يُقاس بالوظيفة ول
...
-
حين يتعب القلب ولا يغادره الهوى: قراءة في قصيدة جمال أسدي
-
من الانتظار إلى البدء: قراءة في قصيدة -في أواخر أيلول- لنبيل
...
-
حين تعيش الشخصيّة أكثر من الرواية
-
الشخصيّة الروائيّة في عصر الذكاء الاصطناعي: هل نحن أمام نهاي
...
-
قراءة نقدية في قصّة -العبد شرف بريء- للأديب الفلسطينيّ سعيد
...
-
قراءة نقديّة في المجموعة القصصيّة -قَبلَ مُنْتَصَف اللّيل- ل
...
-
بلاغة الومضة وصفاء العبارة: قراءة نقدية في ديوان -أكون لك سُ
...
-
ملامح الدستوبيا في الأدب المحلّي: قراءة في روايات فلسطينيّة
...
-
أدب الداخل الفلسطينيّ في فضاء النقد العربيّ الذكيّ
-
نحو تحوّل إبستمولوجي في النقد الأدبيّ العربيّ
-
ضوءان... وجرح واحد: شعريّة الحوار ووحدة الوجع الفلسطينيّ قرا
...
-
الرواية التشاركيّة وإعادة اختراع الحكاية بين الإنسان والذكاء
...
-
الغرام الأول بين الذاكرة والحنين: قراءة في قصيدة “الغرام الأ
...
-
الذكاء الاصطناعيّ وأزمة التقييم في التعليم: هل انتهى عصر الا
...
-
الرواية الهجينة وإعادة تعريف الإبداع في العصر الرقمي
-
فلسفة الوجود وجماليات المقاومة قراءة نقدية في رواية -إلى أن
...
المزيد.....
-
اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعرين اللبنانيين أمل ناصر ويام
...
-
وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز
...
-
رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
-
بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا
...
-
مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا
...
-
الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ
...
-
الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد
...
-
أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
-
أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر
...
-
الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|