أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - حين تعيش الشخصيّة أكثر من الرواية















المزيد.....

حين تعيش الشخصيّة أكثر من الرواية


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 14:00
المحور: الادب والفن
    


لماذا تبقى بعض الشخصيّات في ذاكرتنا سنوات طويلة، بينما تتلاشى شخصيّات أخرى بعد أن نطوي الصفحة الأخيرة بفترة قصيرة؟ ولماذا نشعر أحيانًا، ونحن نستعيد بعض ما قرأنا، أنّ أحداث الرواية قد غابت من الذاكرة، بينما ظلّت شخصية واحدة منها حاضرة، كأنّها شخص عرفناه في حياتنا والتقيناه ذات يوم؟
أميل إلى الاعتقاد أنّ المسألة تتصل، في جانب أساسيّ منها، بقدرة الروائيّ على خلق شخصية تمتلك حياة داخل النصّ وخارجه. فالشخصيّة الروائيّة ليست اسمًا يمنحه الكاتب لشخص افتراضيّ، وليست عمرًا ومهنةً وملامح وشيئًا من الصفات التي تُدرج في سياق الحكاية. إنّها كائن سرديّ يتشكّل تدريجيًّا من الذاكرة والرغبة والخوف والتجربة والعلاقة بالآخر، ويكتسب مع تقدّم السرد ملامح إنسانيّة تجعل القارئ قادرًا على تصديقه والتفاعل معه.
قد ينجح الكاتب في بناء حبكة متماسكة، وقد يمتلك لغة جميلة، وقد يعرف كيف يوزّع الأحداث والمفارقات، لكنّ الرواية تظلّ في حاجة إلى ذلك الإنسان الذي يمنح كلّ هذه العناصر روحها. فالأحداث مهما كانت مشوّقة تحتاج إلى شخصية تحملها، واللغة مهما بلغت من الجمال تحتاج إلى تجربة إنسانيّة تمنحها معناها.
وهنا يظهر الفرق بين أن يكتب الروائيّ عن شخصيّة، وأن يخلق شخصيّة. الكتابة عن الشخصيّة يمكن أن تقدّم لنا معلومات كثيرة عنها، أمّا خلقها فيحتاج إلى معرفة أعمق بعالمها الداخليّ. ماذا تريد؟ ممَّ تخاف؟ ماذا تخفي عن الآخرين؟ ما الذي تركه الماضي في روحها؟ كيف تتصرّف حين تجد نفسها أمام اختيار صعب؟ وما الذي يمكن أن تفعله حين تضيق أمامها سبل النجاة؟ هذه الأسئلة الصغيرة هي التي تمنح الشخصية تدريجيًّا ذلك العمق الذي يجعلها أقرب إلى الحياة.
وحين نتحدّث عن الشخصيّة الروائيّة التي استطاعت أن تعيش خارج صفحات الرواية، تحضر أمامنا أسماء يصعب نسيانها: "آنا كارنينا" عند تولستوي، و"مدام بوفاري" عند فلوبير، و"راسكولنيكوف" في "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي، و"جان فالجان" و"كوزيت" في "البؤساء" لفيكتور هوغو، وشخصيّتا أحمد عبد الجواد وسعيد مهران عند نجيب محفوظ، وسعيد مصطفى عند الطيّب صالح، ومهدي جواد وآسيا الخضر في "وليمة لأعشاب البحر"، وغيرها من الشخصيّات التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الأدبيّة والإنسانيّة.
ما الذي جعل هذه الشخصيّات تبقى؟ أعتقد أنّ الإجابة تكمن في أنّها لم تكن مجرّد أدوات لتحريك الأحداث. لقد امتلكت حياةً داخليّة، وذاكرةً، ورغبات، ومخاوف، وتناقضات، وأحلامًا، وانكسارات. كانت شخصيّات يمكن للقارئ أن يصدّق وجودها، وأن يتخيّلها في الحياة خارج الرواية. وحين نغلق الكتاب، لا تنتهي حياتها بالضرورة؛ فقد تستمرّ في ذاكرتنا، وقد نعود إليها بعد سنوات، وربّما نقارن بينها وبين أشخاص نلتقيهم في حياتنا.
الشخصيّة المقنعة قد تحمل تناقضاتها الخاصّة، وقد تخطئ وتصيب، وقد تتردّد وتتراجع، وقد تقول شيئًا وتفعل شيئًا آخر. وهذه المساحة من التناقض جزء من إنسانيّتها. فالإنسان الذي نعرفه في الحياة لا يسير دائمًا وفق منطق واحد، ولا يمكن اختزاله في صفة واحدة. ومن هنا تأتي قوّة الشخصية الروائيّة حين تمنحها الكتابة مساحة كافية لكي تكشف عن وجوهها المتعدّدة، وتتحرّك وفق دوافعها الداخليّة، وتترك للقارئ فرصة اكتشافها بدل أن تقدّم نفسها كاملة منذ البداية.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يحقّقه الروائيّ أن يجعل قارئه يشعر بأنّ شخصيّته تمتلك حياة تتجاوز حدود الرواية. عندها تصبح حضورًا مستقلًّا في الذاكرة. وقد يحدث أن يتذكّر القارئ موقفًا لها بعد سنوات، أو يستعيد صوتها في لحظة مشابهة، أو يرى في شخص يلتقيه شيئًا منها. في تلك اللحظة تكون الشخصيّة قد خرجت من الورق ودخلت تصارع الحياة.
وهنا تبرز قيمة التفاصيل الصغيرة. فقد تكون طريقة الشخصيّة في الصمت، أو حركة يدها، أو علاقتها بمكان ما، أو ذكرى قديمة ترافقها، أكثر تأثيرًا من صفحات طويلة يشرح فيها الكاتب صفاتها. التفاصيل لا تأتي لتزيين الشخصيّة، وإنّما لتمنحها خصوصيّتها. وكلّما كانت هذه التفاصيل نابعة من طبيعة الشخصيّة ومسار حياتها، أصبحت أكثر قدرة على إقناع القارئ.
ومن المهمّ أيضًا أن تظلّ الشخصيّة مرتبطة بالعالم الذي تعيش فيه. فالإنسان ابن بيئته وزمنه وعلاقاته، ويتشكّل وعيه من خلال احتكاكه بالآخرين. ولذلك لا تنشأ الشخصيّة الروائيّة في فراغ؛ إنّها تتشكّل داخل شبكة من العلاقات والظروف والتحوّلات. وكلّما استطاع الروائيّ أن يجعل هذه البيئة جزءًا من تكوين شخصيّته، ازدادت قدرتها على الحضور والإقناع.
وهذا يفتح سؤالًا آخر يتصل بالرواية في زمننا الراهن، حيث أصبحت الكتابة أكثر سهولة، وتعدّدت أدوات إنتاج النصوص، ودخل الذكاء الاصطناعيّ إلى فضاء الكتابة والإبداع. لقد أصبح بالإمكان الحصول على أفكار، واقتراحات، ووصف، وحوارات، ومسارات سرديّة في وقت قصير. وهذه الأدوات يمكن أن تكون نافعة للكاتب حين يستخدمها بوعي، لكنّ سهولة إنتاج النصّ تظلّ مسألة مختلفة عن القدرة على خلق إنسان روائيّ مقنع.
فالشخصيّة ليست مجموعة معلومات يمكن جمعها وترتيبها، وليست صفات يمكن توزيعها على صفحات الرواية. إنّها خلاصة تجربة ورؤية وحساسيّة تجاه الإنسان والحياة. ولذلك يحتاج الكاتب إلى أن يعرف شخصيّاته معرفة عميقة، وأن يمنحها وقتًا كافيًا كي تنمو في مخيّلته قبل أن تتحوّل إلى كلمات على الورق.
ولعلّ هنا تكمن إحدى المفارقات التي تواجه الكتابة اليوم: أصبح إنتاج النصّ أسرع، بينما تظلّ صناعة الشخصية بحاجة إلى ذلك الزمن الداخليّ الذي يسمح لها بالنموّ والتشكّل. فالكاتب يستطيع أن يكتب في ساعات صفحات كثيرة، لكنّ الشخصيّة التي تستحقّ البقاء قد تحتاج إلى زمن أطول بكثير حتى تتكوّن في وعيه ووجدانه.
وربّما لهذا السبب نشعر أحيانًا أنّ بعض الشخصيّات الروائيّة أقرب إلينا من شخصيّات نعرفها في الواقع. لقد استطاع الكاتب أن يمنحها تفاصيل صغيرة، ونبرة صوت، وطريقة في التفكير، وذاكرة، ومخاوف، وأحلامًا، فأصبحت قابلة للتصديق. وعندما ينجح الأدب في هذه المنطقة تحديدًا، تتراجع الحدود بين المتخيّل والواقعيّ، ونبدأ في التعامل مع الشخصية كما لو كانت كائنًا من عالمنا.
لذلك، أظنّ أنّ على الروائيّ، قبل أن يسأل نفسه عن عدد الأحداث التي ستتضمّنها روايته، أن يسأل عن الإنسان الذي سيضعه في قلبها. فالرواية التي تمتلك شخصيّات حيّة تستطيع أن تمنح القارئ أكثر من حكاية تُروى؛ تمنحه تجربة إنسانيّة قد تظلّ معه طويلًا.
وقد تكون الرواية الجيّدة هي التي تجعلنا نخرج منها ونحن نشعر بأنّنا عرفنا شخصًا جديدًا، أو فهمنا إنسانًا لم نكن نفهمه من قبل، أو رأينا جانبًا من الحياة من زاوية مختلفة. عندها يصبح الأدب أكثر من سرد للأحداث؛ يصبح محاولة لاكتشاف الإنسان.
وقد أخطئ في هذه القراءة وقد أصيب، لكنّني أجد أنّ سؤال الشخصيّة يستحقّ أن يحضر بقوّة في نقاشنا حول الرواية اليوم. فمع كثرة النصوص وسرعة إنتاجها، يصبح التحدّي الحقيقيّ أمام الكاتب في قدرته على أن يمنحنا شخصيّة نشعر بأنّها عاشت أمامنا، وأنّ لها تاريخًا، وصوتًا وذاكرة وحضورًا.
فالرواية قد تنتهي عند الصفحة الأخيرة، وقد ننسى بعض أحداثها وتفاصيلها، لكنّ الشخصيّة التي استطاعت أن تلامس شيئًا عميقًا فينا قد تبدأ حياتها الحقيقيّة بعد أن نغلق الكتاب. وربّما يكون هذا هو الاختبار الأجمل للروائيّ: أن يكتب شخصية تعيش أكثر من الرواية، وأن يترك في ذاكرة القارئ إنسانًا يصعب نسيانه.

الطيرة - 2026. 9. 9



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشخصيّة الروائيّة في عصر الذكاء الاصطناعي: هل نحن أمام نهاي ...
- قراءة نقدية في قصّة -العبد شرف بريء- للأديب الفلسطينيّ سعيد ...
- قراءة نقديّة في المجموعة القصصيّة -قَبلَ مُنْتَصَف اللّيل- ل ...
- بلاغة الومضة وصفاء العبارة: قراءة نقدية في ديوان -أكون لك سُ ...
- ملامح الدستوبيا في الأدب المحلّي: قراءة في روايات فلسطينيّة ...
- أدب الداخل الفلسطينيّ في فضاء النقد العربيّ الذكيّ
- نحو تحوّل إبستمولوجي في النقد الأدبيّ العربيّ
- ضوءان... وجرح واحد: شعريّة الحوار ووحدة الوجع الفلسطينيّ قرا ...
- الرواية التشاركيّة وإعادة اختراع الحكاية بين الإنسان والذكاء ...
- الغرام الأول بين الذاكرة والحنين: قراءة في قصيدة “الغرام الأ ...
- الذكاء الاصطناعيّ وأزمة التقييم في التعليم: هل انتهى عصر الا ...
- الرواية الهجينة وإعادة تعريف الإبداع في العصر الرقمي
- فلسفة الوجود وجماليات المقاومة قراءة نقدية في رواية -إلى أن ...
- تفكيك الوهم وبناء الذات: قراءة نقديّة في رواية -العاشرة عشقً ...
- حين تتحول القصيدة إلى مشنقة للضمير: قراءة نقدية في قصيدة -من ...
- الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟
- لماذا نطبع بضعة آلاف النسخ فقط في عالم عربيّ يعدّ بالملايين: ...
- الكلمة بين المعنى و”اللايكات”
- ديمقراطية النشر وفوضى النص
- قراءة في رقميّة النصّ عند الدكتورة إيمان يونس


المزيد.....




- بن شيلتون يسقط ألكاراز في ماراثون تاريخي.. واحتفال كوميدي بع ...
- من السجن إلى الذاكرة.. هل تصبح حكايات الأقبية أساسا لسوريا ا ...
- فنان مصري شهير يصاب بالتسمم أثناء تواجده في لبنان
- الخارجية الأمريكية مولت بودكاست باللغة الروسية للترويج لمجتم ...
- -ثقافة التنوع في السرديات العراقية- في المعهد الثقافي الفرنس ...
- سوريا.. من ريف إدلب إلى المتحف الوطني تروى حكاية 513 قطعة أ ...
- من -غلادياتور- إلى -الأوديسة-.. لماذا تحول المغرب إلى وجهة ل ...
- أكاديمية غزة للسينما.. مشروع جديد للتدريب وإنتاج الأفلام بال ...
- -أكاديمية غزة للسينما-.. مبادرة من فينيسيا لدعم السينمائيين ...
- 3 آلاف فيلم بلا كاميرات.. سينما الذكاء الاصطناعي تتسلل إلى ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - حين تعيش الشخصيّة أكثر من الرواية