أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - اسعد عبدالله عبدعلي - قطار الزواج في العراق: تأخر في المغادرة، أم غيّر اتجاهه














المزيد.....

قطار الزواج في العراق: تأخر في المغادرة، أم غيّر اتجاهه


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 10:28
المحور: كتابات ساخرة
    


في بلاد الرافدين العظيمة، حيث كان أجدادنا السومريون يكتبون عقد الزواج على رقاقة من الطين بظرف دقيقة واحدة و(عالسريع)، أصبح شاب اليوم حتى يخطو خطوة واحدة نحو "عش الزوجية" يحتاج إلى ميزانية تشبه ميزانية دولة نامية، وشهادة خبير بأسعار الذهب، واستشارة مهندس ديكور، فقط ليقنع عمّه المستقبلي بأنه (زلمة وخوش ولد) ويتحمل مسؤولية!
ان أزمة تأخر سن الزواج, أو ما يطيب للبعض تسميته بخفة ظل ثقيلة وجرعة مكثفة من (التقشير والتحشير) بـ "العنوسة" لم تعد مجرد مشكلة اجتماعية عابرة, تُناقش في البرامج الحوارية بين (هلهولة) وأغنية حزينة، بل تحولت بقدرة قادر إلى (سالفة عويصة) وظاهرة استراتيجية, تتطلب دراسة جدوى اقتصادية, وموافقة من صندوق النقد الدولي, قبل القبول بالصهر الجديد!

• صعوبة التقدم للخطبة
قديماً، كان الشاب يتقدم للخطبة، ويكون المهر رمزياً وبسيطاً؛ لأن الزواج في نظرتهم كان شراكة وتآلفاً بين عائلتين وليس (عقد بيع وشراء) لسلعة معينة، فيتوكل العريس على الله وينتهي الأمر.
أما اليوم؟ فالعريس المستقبلي يتعامل مع قائمة طلبات تشبه كراسة الشروط والمواصفات الخيالية لمشروع إنشاء سد أو مصفى نفطي: "شقة ملك في منطقة راقية (ومو أيا مكان)، غرف نوم تركية (درجة أولى)، حفل زفاف في قاعة لا تقل عن أربع نجوم، ومهر (ثقيل) يُحسب بسعر صرف الدولار في (البورصة والموازي) وليس السعر الرسمي للبنك المركزي!".
في المقابل، تجلس الفتاة العراقية وسط هذه (المعمعة والخبصة)، وقد بلغت الثلاثين أو تجاوزتها، لتجد نفسها بين فكي كماشة: من جهة، الاهل يرفعون سقف التوقعات إلى السماء, ويرون في ابنتهم سبائك ذهبية لا يمكن التفريط بها بأقل من (سعر السوق اليومي)، ومن جهة أخرى، شباب (مفلسين على الحديدة) تخرجوا من الجامعة بعد سنوات التعب, لينافسوا على وظيفة براتب هزيل لا يكفي حتى لسداد (سحب أمبيرية مولدة المنطقة).
والنتيجة؟ قطار الزواج السريع الذي كان ينطلق بسلاسة في سن العشرين، تحول بقدرة قادر إلى (قطار بضائع خردة) بطيء جداً، يتوقف في كل محطة ليطلب صيانة شاملة و(مصاريف مالها أول ولا آخر.


• المراة العراقية وجدلية اجتماعية
المرأة العراقية اليوم لم تعد كما كانت قبل عقود؛ لقد تعلمت، وعملت، وأصبحت تشغل مناصب إدارية وقيادية، وصار عندها (راتبها وجيبها الخاص) واستقلال مالي يقلب المعادلة رأساً على عقب. لم تعد ترى في الزواج (فد ملاذ أخير) أو وسيلة للهروب من بيت الأهل، بل خياراً لشركة حياة قائمة على التكافؤ والشراكة الحقيقية.
لكن المجتمع، بطبعه الكلاسيكي و(عقليته القديمة)، ما زال يصرّ بفرمان رسمي على أن يكون العريس "سي السيد" براتب مدير عام، بينما يريد من العروس أن ترضى فوراً بدور "ست البيت" وتجلس في المطبخ، حتى لو كانت تحمل شهادة الدكتوراة بـ (الأعصاب والذرة)!
ولا ننسى (الفشخرة) و"المظاهر الاجتماعية" التي (قضت على الأخضر واليابس) وأجهزت على ما تبقى من أمل في التسهيل. فالعروس لا تريد أن تكون أقل من صديقتها التي نزلت صورها في (جلسة تصوير على البسفور)، والعريس يريد أن يثبت لأقاربه وعمومته أنه (ابن أصول وما ينقص منه شبر)، حتى لو اضطر للانتحار المالي, والاقتراض من مكاتب الصيرفة بفوائد مركبة تتجاوز شروط البنك الدولي نفسه!


• تحولات المفاهيم... الزواج من "ستر" إلى "سلفة حظر"!
وهكذا، تحولت الفكرة من سُكينة ومودة ورحمة إلى مشروع استثماري محفوف بالمخاطر. كان الآباء في السابق يقولون: "أهم شيء رجل يستر عليها ويخاف الله بيها". أما اليوم، فصار السؤال الأول في مجلس الخطوبة: "عمي، إنت وين مصفط أحلامك؟ عندك قطعة أرض لو طابو؟ متعين بالدولة لو على العقد؟ وتعرف تسحب قروض بضمان الراتب؟".
لقد أصبح الشاب العراقي يدخل مرحلة الخطوبة وهو محمل بأدبيات "المحاسبة القانونية" والتفكير الدقيق في التخلف عن السداد؛ فالبداية "مقدم ومؤخر" يكسران الظهر، والمرور بـ "ذهب" الذي يحتاج تقييماً من البنك المركزي، والختام بـ "مصاريف ليلة العمر" التي تستنزف ميزانية العريس وتضعه تحت طائلة الدين إلى أن يبلغ أحفاده سن الرشد!


• هل ضل القطار طريقه أم غير اتجاهه؟
إن الحقيقة المرة التي نتهرب جميعاً من الاعتراف بها هي أن "قطار الزواج" لم يتأخر في المغادرة نتيجة عطل فني في المحطة، بل هو غَيّر اتجاهه بالكامل.. لقد غادر القطار سكة البساطة والقناعة والتضامن، ليترجل في محطة جديدة اسميتها "محطة الاستهلاك والتفاخر والمظاهر الكاذبة". لم يعد الشاب يهرب من الزواج لأنه لا يريد الاستقرار، ولا الفتاة تعزف عنه لأنها تكره التكوين الأسري، بل كلاهما بات يعلم أن ثمن التذاكر في هذا القطار صار باهظاً جداً، ويحتاج تعهدات مالية تجعل العيش المشترك يبدو وكأنه عقوبة مع تنفيذ الحظر المالي!
إذا أردنا لهذا القطار أن يعود إلى سكته الصحيحة، فعلينا أولاً أن ننزل جميعاً من برج "الفشخرة" العالي، وأن نتذكر أن الطين السومري الذي بُنيت عليه أول أسر التاريخ لم يكن بحاجة إلى (ذهب عيار 21) ولا إلى (قاعة أربع نجوم) كي يصنع حبساً دافئاً وعائلة متماسكة... وإلا، فسنبقى جميعاً نقف على الرصيف، ننتظر قطاراً لن يأتي، ونشاهد أعمار شبابنا وهي تسير ببطء شديد نحو محطة "التقاعد الاجتماعي"!


• الخاتمة:
إن أزمة الزواج في العراق اليوم ليست مجرد أزمة سكن أو ضائقة مالية، بل هي أزمة مفاهيم وقيم تم استبدالها برتوش صاخبة ومظاهر زائفة.
ولن يصل "قطار الزواج" إلى محطته الآمنة إلا عندما ندرك أن بناء البيت يبدأ من متانة القلوب لا من فخامة الديكورات، وأن أثمن ما يُقدم للعروس هو رجل يُحترم وتُصان كرامته، لا مشروع مدين يُساق إلى المحاكم قبل أن يكتمل حلم الليلة الأولى.
فحين نعود إلى أصل الفكرة العراقية البسيطة... يومها فقط، سنسمع صافرة القطار وهي تعلن الانطلاق من جديد، وبلا ديون!



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سقوط الحياد في -جدل التنزيل- قراءة نقدية في منهج كتاب رشيد ا ...
- فوق شاطئ هرمز: أين تقف أوروبا من الصراع الأمريكي الإيراني؟
- طوفان الشاشات وتآكل الأصول.أين يذهب البيت العراقي؟
- متى تنطلق صولة الحكومة ضد تجار السوء؟
- قصة قصيرة : ظل على رصيف الذاكرة
- نظام صدام ومنهج اعلامه في شيطنة ايران
- طمطم الهندي: أسطورة الساحر الأعظم ولغز الأثر المفقود
- قصة قصيرة : فخٌّ في المقعد الخلفي
- عجلة التكتوك مصيدة لانتهاك براءة الاطفال والمراهقين:
- مسرحية الشاشة: الوطني بإرث بعثي يحارب المقاومين
- كتاب مفقود وشاي ساخن
- قصة قصيرة// صفعة الحقيقة
- المرجعية الصالحة وأعداء الظل
- أبو هريرة بين ظلال الصفة وبلاط الأمويين: قراءة في مهنة وضع ا ...
- شغف تحت سقف الورق: كيف تبتكر بغداد ضوءها؟ -معرض بغداد الدولي ...
- قصة قصيرة / صك من زفر
- كابوس تأخر الراتب, وبيض نصف مقلي
- سيكولوجية الاستعلاء السياسي تقديس الذات وشيطنة الاختلاف في ا ...
- قصة قصيرة/ عبيد الدينار
- حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش


المزيد.....




- أماندا سيفريد وشارون ستون في فيلم كوميدي جديد للمخرج رامي يو ...
- مسرحية «أمان ترللي» في بيروت: صرخة كوميدية للرجل في مواجهة ا ...
- «خطى متعثرة نحو النور».. 14 قصة قصيرة تستكشف عوالم «أدب الخر ...
- نساء غزة يوثقن الصمود بالعدسة: انطلاق مهرجان سينمائي من قلب ...
- بوتين في قمة روسيا - إفريقيا: لا بديل عن حل الدولتين في فلسط ...
- مسرح ماياكوفسكي يحتفل بمرور 104 أعوام على تأسيسه بأمسية شعري ...
- أمريكا.. الشرطة تغلق التحقيق في وفاة الممثلة هايدن بانيتير
- ذكرى رحيل حسن يوسف الثانية: مسيرة ستة عقود بين التمثيل والإخ ...
- جيسيكا بيل: ابني سيلاس لن يدخل التمثيل من باب شهرة والديه
- سويلم يشارك في الجلسة الفنية “الحوار التفاعلي الثالث ” الميا ...


المزيد.....

- زمن المضاف إليه / د. خالد زغريت
- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - اسعد عبدالله عبدعلي - قطار الزواج في العراق: تأخر في المغادرة، أم غيّر اتجاهه