أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - طوفان الشاشات وتآكل الأصول.أين يذهب البيت العراقي؟















المزيد.....

طوفان الشاشات وتآكل الأصول.أين يذهب البيت العراقي؟


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 16:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نحن نعيش في زمنٍ تتآكل فيه الأصول بهدوء مريب؛ زمنٍ تحولت فيه بغداد وشوارعنا الحبيبة, من واحات للدفء والأصالة إلى مسرحٍ كبير لصراعٍ خفي, هذا الصراع ينخر في عظام العائلة العراقية. لم تعد المعركة اليوم تتلخص في رغيف الخبز وصعوبة العيش فحسب، بل امتدت لتطال الروح والوجدان والهوية. فحين تتبدل معايير الشرف والنجاح، وتُقاس قيمة الإنسان بعدد المتابعين لا بعمق فكره، وحين تبيع البيوت طمأنينتها في سوق المظاهر الكاذبة، وتتحول الشاشات الزجاجية إلى جدران سميكة تعزل الأزواج وتقطع حبل الأوصال بين الآباء والأبناء، فإننا نقف أمام زلزال اجتماعي ونفسي يهدد بتدمير أسسنا الأخلاقية من القاعدة.
إنها حكاية جيلٍ يضيع بين وميض الشاشة ووهم "الترند"، وأسرٍ تكابد مرارة الاغتراب تحت سقف واحد.. فكيف جرفنا هذا الطوفان، وإلى أين نحن ذاهبون؟


• عرش الشاشة وجهل المرحلة
كان أبي يمسح الغبار عن كتبه باهتمام شديد، وهو يرى في حبر القلم وسهر الليالي الشرف الحقيقي، وكبرتُ انا على هذا الأمر, عندي الشهادة والجهد الأكاديمي هما السلاح الوحيد لانتزاع الاحترام. لكن الزمن دار دورة حادة، وأسقط هذه المعادلة الأخلاقية لنستيقظ على عالمٍ أعاد تعريف القيمة برمتها.
اليوم، يقف المعلم والطبيب والمهندس في هامش الصراع اليومي لتأمين العيش، بينما يُرفع شأن من أتقن لعبة الصخب أمام شاشة صغيرة! لقد صنعت "السطحية المربحة" زلزالاً قيمياً؛ فلم تعد القيمة لما تحمله في رأسك من فكر، بل بعدد الإعجابات ومقاطع خاطفة تدغدغ الغرائز. إنها هزيمة نفسية لنظام القيم الأصيل، حيث يشعر صاحب الأثر بالغربة في مجتمع يُكافئ التفاهة بسخاء.
نحن أمام أزمة وجودية تُعيد تشكيل هوية الجيل؛ شبابٌ يَرَون في مقاعد الدراسة مساراً للعوز، وفي شاشة الهاتف بوابتهم للثراء السريع بلا عناء معرفي. لقد حلّ "الترند" محل العلم، لتنطفئ شعلة الشغف بالمعرفة لصالح الهوس بالظهور، وننتهي إلى مجتمعات مفرغة تصفق للهامش وتنسى من يبني الجوهر.


• حين تبيع العائلات أعمارها للوهم
نشتري ما لا نتحمل ثمنه، لنبهر أشخاصاً لا نُعيرهم اهتماماً، بأموالٍ لا نملكها! هذه هي المعادلة العبثية التي تختصر مأساة الأسر اليوم؛ عائلات بأكملها تقايض طمأنينتها وراحة بالها بحفنة من الديون المتراكمة، فقط لكي تحافظ على "بريستيج" زائف تفرضه أعراف اجتماعية مريضة وعدسات "الإنستغرام". لقد تحول الفرح البسيط والعرس الهادئ إلى استعراضٍ استداني باهظ، تبدأ حكايته بليلة خيالية وتنتهي بسنوات طويلة من الملاحقات القانونية والمرارة الاقتصادية.
إنها ليست مجرد أزمة مالية خانقة، بل هي انهيار نفسي واجتماعي عميق يعكس جوعاً للظهور وإحساساً زائفاً بالأهمية. حين يصبح "كلام الناس" هو البوصلة التي تقود حياة الإنسان، تفقد الأسرة استقلالها ومعناها الحقيقي، وتتحول البيوت إلى زنزانات مظلمة يغلق أصحابها أبوابهم ليلاً على هموم الديون ومرارة القروض لتسديد أثمان بهرجة لم تدُم سوى ساعات معدودات. في هذا السباق المحموم نحو المظاهر الكاذبة، لا تخسر العائلات أموالها فحسب، بل تبيع أعمارها وسلامها الداخلي في سوق الوهم الأرخص.


• الغرفة المظلمة.. حين تسرق الهواتف دفء البيوت
يبدأ الخراب في البيوت من حيث لا تدري الأبصار، بلا ضجيج، بل تحت غطاء من الصمت المخيف في غرفة المعيشة؛ حيث يجلس الزوجان على أريكة واحدة تفصل بينهما أمتار، لكن عقل كل منهما يحلق في عالم افتراضي بعيد. كنا نظن أن هذه الشاشات وُجدت لتقريب البعيد، فإذا بها تبني جدراناً من الإسمنت المسلح بين القلوب القريبة، وتتحول من تطبيقات ترفيهية إلى خنجر صامت ينهك أركان الأسرة ويقودها خطوة بخطوة نحو أروقة المحاكم وخراب الطلاق.
في عمق هذا المشهد العبثي تقبع أزمة نفسية خانقة؛ فقد أصبحت الهواتف منفذاً سحرياً للهروب من مرارة الواقع ومسؤوليات الحياة اليومية الثقيلة، ليتم استبدال الدفء الحقيقي والالتزام الأسري بأعجابات عابرة ووهم براق.
ان الخيانة اليوم لا تولد دفعة واحدة، بل تتسلل بخفة عبر كلمات معسولة واهتمام مصطنع، انها مقارنة ظالمة بين شريك حياة يكابد هموم العيش وبين صور مثالية كاذبة يصنعها الشاشة. وفي غمرة هذا الانغماس الأعمى خلف الأزرار، تفرغ الصدور من مودتها، وينطفئ أمان البيت، لتتحول العائلة إلى أشباح تسكن تحت سقف واحد بلا روح ولا نبض.

• جدار العزلة.. عندما يغترب الأب وابنه في بيت واحد
جلست العائلة على مائدة العشاء ذات مساء، فتناول الأب لقمته بصمتٍ يثقله وقار السنين، بينما كان الابن يمرر أصابعه بسرعة جنونية على شاشة هاتفه، غارقاً في عالمٍ لا يملكه الأب ولا يعرف لغته. هنا تتكشف حقيقة الهوة السحيقة؛ فجوة لا تقتصر على العمر، بل تمتد وتفصل بين عالمين يتشاركان سقفاَ واحداً بلا لغة تواصل حقيقية. الآباء يحملون إرث البساطة والكد والصبر على شظف العيش، بينما يسبح الأبناء في فضاء مفتوح، بلا قيود ولا ثوابت، صاغته خوارزميات السرعة والتأثر السريع بالمظهر الخارجي.
إن هذا الصراع الخفي ليس مجرد اختلاف في الأجيال، بل هو اغتراب نفسي عميق يمزق نسيج الأسرة والشارع العراقي على حد سواء. حين يتحدث الأب عن "الأصول" و"الستر"، يجيبه الابن بلغة "الترند" ومنطق الاستعراض الرقمي، لتضيع الحكمة وسط ضجيج الشاشات. لقد أفرز الانفتاح الرقمي جيلاً يعتقد أنه يملك العالم لأنه يمسك بهاتفه، بينما يقف الآباء حائرين أمام أطلال قيمٍ تربوا عليها وبنوا بها أعمارهم. وفي هذا المفترق المظلم، تتحول البيوت إلى غرف متجاورة لأغراب يجمعهم الدم ويفرقهم الوهم.


• ختاما: طوق النجاة.. قبل أن تبتلعنا العاصفة
في نهاية المطاف، لعل أقسى ما في هذا العصر الرقمي المتسارع ليس ضياع البوصلة الاقتصادية فحسب، بل هو ضياع "الإنسان" فينا؛ فبينما ننشغل بتلميع صورنا الافتراضية، وملاحقة "ترند" زائل، وابتياع المظاهر بالديون، تتشقق جدران بيوتنا بصمت مريب. إن بغداد التي عهدناها، بتاريخها ودفء دواوينها وأصالة أهلها، لا تستحق أن تُختزل في شاشة زجاجية تافهة أو أسرار زائفة.
إنها صرخة وعي قبل أن فوات الأوان؛ علينا أن ندرك أن استعادة أصالتنا وتبديد هذا الاغتراب المنزلي يبدآن حين نُعيد الاعتبار للكلمة الطيبة، والجهد الحقيقي، وحين نُطفئ وميض الشاشات لنضيء دفء القلوب من جديد. فالأمم لا تسقط بفعل الأزمات الخارجية بقدر ما تتداعى من داخل بيوتها حين تفرغ من معانيها. فهل نعود إلى ذواتنا، أم سنترك الريح تذرو ما تبقى من رماد الدواية؟



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى تنطلق صولة الحكومة ضد تجار السوء؟
- قصة قصيرة : ظل على رصيف الذاكرة
- نظام صدام ومنهج اعلامه في شيطنة ايران
- طمطم الهندي: أسطورة الساحر الأعظم ولغز الأثر المفقود
- قصة قصيرة : فخٌّ في المقعد الخلفي
- عجلة التكتوك مصيدة لانتهاك براءة الاطفال والمراهقين:
- مسرحية الشاشة: الوطني بإرث بعثي يحارب المقاومين
- كتاب مفقود وشاي ساخن
- قصة قصيرة// صفعة الحقيقة
- المرجعية الصالحة وأعداء الظل
- أبو هريرة بين ظلال الصفة وبلاط الأمويين: قراءة في مهنة وضع ا ...
- شغف تحت سقف الورق: كيف تبتكر بغداد ضوءها؟ -معرض بغداد الدولي ...
- قصة قصيرة / صك من زفر
- كابوس تأخر الراتب, وبيض نصف مقلي
- سيكولوجية الاستعلاء السياسي تقديس الذات وشيطنة الاختلاف في ا ...
- قصة قصيرة/ عبيد الدينار
- حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش
- قصة قصيرة/ كابوس الحياة
- -انهيار الأخلاق الرقمية-/ ظاهرة الشتائم والطعن بالأعراض بسبب ...
- -رواتب الموظفين على صفيح ساخن- ستة حلول لازمة السيولة النقدي ...


المزيد.....




- مصر: جلسة طارئة للبرلمان الأحد بعد طلب السيسي تفويضًا لدعم ا ...
- كيف ينظر ترامب إلى زيلينسكي؟
- قريبا ستشتعل أوروبا كلها
- بغداد: 55 دولة وأكثر من 40 منظمة شاركت في اجتماعات التعاون ا ...
- أزمة التدفئة في كييف تشعل احتجاجات ضد عمدة المدينة
- علماء يجدون مفتاحا لحماية القلب من التليّف بعد النوبات القلب ...
- روسيا.. ابتكار مركب جديد لمنع تدفق الدم في الأوعية الدموية
- هل يمكن شرب الشاي والقهوة والحليب بين وجبتي الطعام؟
- احتجاجات حاشدة في تونس تنديدا بتردي الأوضاع
- ألبانيا.. تصاعد الاحتجاجات الطلابية في تيرانا ومطالبات باستق ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - طوفان الشاشات وتآكل الأصول.أين يذهب البيت العراقي؟