أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مؤمن سمير - من مفاتن قصيدة النّثر في -تباشيرُ الحياة- لمؤمن سمير بقلم/ د.بهاء محمد مزيد














المزيد.....

من مفاتن قصيدة النّثر في -تباشيرُ الحياة- لمؤمن سمير بقلم/ د.بهاء محمد مزيد


مؤمن سمير
شاعر وكاتب مصري

(Moemen Samir)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 22:13
المحور: الادب والفن
    


(كانتْ العَيْن الكبيرةُ ترقبُ بكسلٍ رجلًا ضامرًا في الصحراء يجُرُّ أقدامَهُ ومن خلفهِ طفل.. الرجلُ كان جَدِّي ويقينًا كان الطفلُ الصغيرُ أبي.. كانا قد خرجا من بلدتهما تلبيةً لنداءٍ حَطَّ على الدَّار في تباشير الفجر وغمغم بأن أوان الرحيل قد أزف، وأن ما مضى من حياتهما قد مضى وأنَّ فصلًا جديدًا قد هلَّت بشائره.. شَدَّا الرحال ومشيا بلا هدًى حتى ظهرت في الأفق مدينةٌ تتلوَّى ونورها مُغوٍ.. تنهَّد جَدِّي ونظر في عينَيْ ولده وقال: هذه تباشيرُ حياتنا الجديدة.. قال هذا وسقط من التعب فتوسَّدَ الولد فَخِذَ أبيه والدوَّاماتُ كانت تلفُّ فوق رأسهِ والأصوات والروائح والرُّؤَى.. تقدم الموت ببطء وهما في عِزِّ نومهما.. نظرَ مَليًّا وهزَّ رأسَهُ.. رآهما مخبولان وقعا من شُبَّاك الوهم، تلك الطاقةُ الصغيرةُ التي علَّقتها السماءُ في السقف الفِضيِّ لتفرز الأغبياء عن الأذكياء.. وبالرغم من أنَّ هذا الخالد يسلبُ الأرواح جميعها وسلَّتُهُ متخمةٌ بعجينٍ لا يظهر فيه أحدٌ بعينه، فإنَّه كان يقول لنفسهِ دومًا مهما لَفَفْنا ودُرْنا فالأغبياء بلا فائدة.. أيُّ انتصارٍ يكمنُ في أن أُريحَ الدنيا منهم؟ إذن زَفَرَ الموتُ وأولاهما ظهَرهُ ثم بصقَ وغاب.. وهكذا صار لي سردابٌ في الحكاية يظهرُ من بعيد، مدخلٌ صغيرٌ كي أصل إلى الدنيا.. وهكذا صار لتلك المدينة المُتوهِّجة هناكَ، مغزًى أصيلٌ وقديمٌ هو أنّهُ لا مغزى لأي شيء..)
يوشك هذا النّصّ أن يكون قصّة قصيرة، لكنّها ليست كذلك، ويوشك أن يكون قصيدة مُكثّفة مكتنزة، بل "ومضة سردية". هي كلّ هذا وزيادة؛ ولا شيء من ذلك: هي قصيدة نثر تتعقّب نسَبًا عائليًا (الجدّ ← الأب ← الراوي/ الشّاعر/ الناثر) وتجعل من لحظة الرحيل الأولى أصلَ الوجود الفردي كلّه، لكنّها تنتهي بمفارقة صادمة: فالتباشير التي بُشِّر بها "فصلٌ جديد" تنقلب إلى لا شيء في لا شيء ومن لا شيء: عدمٌ كالعَدَم - "لا مغزى لأيّ شيء".
تبدأ القصيدة أو "المنثورة" - إذا جاز التعبير - مع "العين الكبيرة التي ترقب" وتبصر كلّ شيء وهي الشّمس، إلّا أنّها كسولة، لعلّها لا تهتمّ ولا تكترث، وربّما تنتظر مشهدًا كبيرًا ختاميًّا. ثُمّ نداء قد يتبعه رحيل وقد "حطّ على الدّار" – كان هاتفًا سماويًّا وإلهامًا مصدره مجهول، لكنّه جاء أسطوريًا خرافيًّا، في مدينة تتلوّن وتتقلّب و"تتلوّى ونورها مُغوٍ" - مدينة تشبه حيّة أو أفعى، تسربلها الغواية، وتكتنفها المخاطر والفخاخ.
وكأنّ الموت يسخر ويتباهى ويتفاخر ويحملق ويتفرّس في النوّام الساهين الغافلين، ثُمّ يتهكّم بهم جميعا ويغادرهم. انقلاب على تفاصيل من المشهد الرّاهن في سخرية الموت من النائمين، ربّما في تناصّ مغاير مع قصيدة جون دون Donne الأربع عشريّة المشهورة (1633م)، وفي تبسيط مطلعها يقول الشّاعر: "لا تتفاخر أيّها الموت ولا تسخر، حتّى لو قيل إنّك قويّ قاهر، على غير حقيقتك":
Death, be not proud, though some have called thee
Mighty and dreadful, for thou art not so
وفي المنثورة التفات deixis محتوم ينتقل فيه المتكلّم في النّصّ من الغائب إلى المتكلّم "صار لي سردابٌ في الحكاية" ليربط وجوده بنجاة الجدّ والأبّ من الموت ولا ينسى الشّاعر دأبه وانتقاده اللاذع المرير وتهكمه من "غبائهما" معًا - الجدّ والأبّ. كلاهما صدّق بهرجة المدينة ومفاتنها فكانا "مخبولين"، وكان الغباء منجاة والذّكاء مهلكة – يكاد المتنبّي يصدح من بعيد، أو كما يقول:
ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلِه
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ
والموت عند "الأغبياء بلا فائدة" لا يحزن عليهم أحد، فهلاكهم لا غناء فيه ولا أثرً، ولا أكاليل غار، ولا "انتصار". بسبيل الاستدراك، يكون فرزٌ واختيارات واستمازة الأغبياء من الأذكياء في تعبير بليغ في استعارة "شبّاك الوهم": الوهم نافذة يسقُط منها البشر. والسّقف الفضّي هو السّماء الباردة. وها هو الشّاعر يمارس الانزياح deviation بفداحة في "سلّة الموت المتخمة بالعجين" حيث تنعجن الأرواح وتنمحي الفروق بلا ملامح فرديّة مائزة "لا يظهر فيه أحدٌ بعينه".
يقول الجدّ: "هذه تباشير حياتنا الجديدة"، وفي عنوان النّصّ نفسه "تباشير الحياة"، ما يشي بالبهجة والفرح والإقبال على الحياة، لكنّ الصدمة تنتهي إلى أنّ للمدينة مغزى بلا مغزى، ولا معنى، بل عبثٌ في عبث؛ في تعبيرات وجُمل قصيرة متشظيّة يكثر فيها القطع والانقطاع والتنقيط في سرد متسارع لاهث الأنفاس. أمّا العلامات المؤسّسة في النّصّ فهي "العين"، و"المدينة"، و"الموت"، في درجات من الشّعري والأسطوري، إلى اليومي والدّارج، وربّما المُبتذل.
هذه عيّنة من شعر/نثر مؤمن سمير الفاتن الجميل..
* "تباشير الحياة" قصيدة من ديوان "فضائل الضغينة" لمؤمن سمير.
* مقالة منشورة بصفحة د. بهاء محمد مزيد الشخصية على فيسبوك يوم ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦.



#مؤمن_سمير (هاشتاغ)       Moemen_Samir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -زحام- شعر/مؤمن سمير. مصر
- - أنوار الشقيق-
- معمارية الانفصال وجماليات التلفظ المأساوي: قراءة في ديوان -أ ...
- الشعر خاطف الأرواح.. بقلم/ مؤمن سمير. مصر
- فضائل الضغينة: القصاص من البراءة.. بقلم/ممدوح رزق
- تفكيك المعجم اللغوي في ديوان -فضائل الضغينة- بقلم/محمد جلال ...
- سيرة شعرية لذات ممزقة. مؤمن سمير يفتح صناديق الذاكرة في «فضا ...
- -فضائل الضغينة- للشاعر المصري مؤمن سمير بقلم/ريما حمزة
- قراءة في ديوان -فضائل الضغينة- للشاعر المبدع مؤمن سمير بقلم/ ...
- مؤمن سمير في فضائل الضغينة بقلم ناصر أبوعون
- الإنسان الأخير في الشعر:قراءة في ديوان -فضائل الضغينة- للشاع ...
- (“فضائل الضغينة”.. حين تتحول الضغينة إلى ذاكرة حيّة) بقلم/آف ...
- -ذاكرة مؤمن سمير البيضاء، تفض الاشتباك-بقلم/ بهاء الدين حسن
- ميتافيزيقا الأشياء اليومية في ديوان -أنت لا تخصني وأنا لا أخ ...
- -بلاغة الانفصال ومسافة المعنى- في ديوان -أنت لا تخصني.. وأنا ...
- -عزلة الذات وانفصام الوجود في ديوان -أنت لا تخصني.. وأنا لا ...
- مؤمن سمير: المشهد الشعري مَوّار لكنّه معزول عن سياقه العالمي ...
- «كأنكِ كوكبٌ دُرِّيٌ» شعر/ مؤمن سمير . مصر
- (الحياة في مدينة الأسماء المستعارة.. أدونيس ويمنى العيد) بقل ...
- تشكلاتُ الصورة البصرية في قصيدة النثر-مقاربة تأويلية لديوان ...


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مؤمن سمير - من مفاتن قصيدة النّثر في -تباشيرُ الحياة- لمؤمن سمير بقلم/ د.بهاء محمد مزيد