أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بشارة - حدود القوة الاستراتيجية ووهم الهيمنة العالمية لأمريكا















المزيد.....



حدود القوة الاستراتيجية ووهم الهيمنة العالمية لأمريكا


جواد بشارة
كاتب ومحلل سياسي وباحث علمي في مجال الكوسمولوجيا وناقد سينمائي وإعلامي

(Bashara Jawad)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 16:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حدود القوة الأمريكية الاستراتيجية الأمريكية ووهم القوة
ويليام إتش. ماكريفن
عدد نوفمبر/ديسمبر 2026
نُشر في 20 أكتوبر 2026
في مجلة الشؤون الخارجية
ترجمة د. جواد بشارة
لم تكن الحرب في إيران المرة الأولى التي يفشل فيها صناع السياسة الأمريكيون في إدراك حدود القوة الأمريكية. لكن استخدام إدارة ترامب للقوة العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية، منذ 28 فبراير، يمثل نموذجاً صارخاً لخطأ طالما طبع الاستراتيجية الأمريكية في العقود الأخيرة. فقد شُنّت الحرب دون مبرر واضح، ومع أهداف متغيرة باستمرار؛ بدءاً من تغيير النظام في طهران وكبح طموحاتها النووية، وصولاً -في الآونة الأخيرة- إلى إعادة فتح مضيق هرمز، الذي لم يكن مغلقاً أصلاً قبل اندلاع الحرب. ولم يكن مفاجئاً أن تكون النتائج كارثية، سواء على المصالح الأمريكية أو على منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن التركيز حصراً على الإخفاقات في إيران يعني تجاهل مشكلة أعمق في السياسة الخارجية الأمريكية؛ مشكلة سبقت رئاسة دونالد ترامب وستستمر بعدها. ورغم أن الأخطاء المحددة في إيران قد تُعزى إلى أوجه القصور لدى الرئيس الحالي وفريقه، إلا أن المبالغة في تقدير فاعلية القوة العسكرية باتت سمة متنامية في الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل. لقد كان الميل إلى تجاهل حدود القوة سبباً في بعض أكبر أخطاء السياسة الأمريكية خلال الحرب الباردة، وتُعد حرب فيتنام المثال الأوضح والأكثر تأثيراً في هذا السياق. ورغم الالتزام الظاهري باستيعاب دروس ذلك التوسع المفرط، إلا أن هذا الوهم الأمريكي -أي إيماننا المفرط بقدرة القوة العسكرية على تحقيق النصر، ومن ثم تحقيق غايات سياسية جوهرية- قد ازداد سوءاً، لا سيما خلال الربع قرن الماضي. وللأسف، ثمة أسباب وجيهة تدعو للقلق من أن هذا الوهم سيزداد عمقاً في السنوات المقبلة؛ إذ باتت السلطة الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية تتسم بطابع شخصي متزايد، في ظل تآكل القيود المفروضة عليها. إن تسييس المؤسسة العسكرية (إلى جانب السلك الدبلوماسي وأجهزة الاستخبارات) يقلل من احتمالية حصول صنّاع السياسات على أفضل المشورات، بما في ذلك التحذيرات الصريحة بشأن المخاطر والتكاليف. كما أن صعود الذكاء الاصطناعي وتقنيات الأسلحة الجديدة يعزز شعوراً زائفاً بالسيطرة الكاملة على ساحة المعركة والإحاطة التامة بتفاصيلها، مما يغذي نزعة الغرور لدى القوى العظمى. لم تكن مخاطر الإفراط في توسيع نطاق التدخلات (أو ما يُعرف بـ "الإفراط في التمدد") أكبر مما هي عليه اليوم، في وقت بات فيه إصلاح الأضرار الناجمة عن هذا الإفراط أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
الانتصار في كل معركة
في أبريل 1975، التقى العقيد هاري سامرز -وهو عضو في الوفد الأمريكي المعني بمعالجة قضايا ما بعد الحرب في فيتنام- بنظيره من فيتنام الشمالية، العقيد "تو"، في هانوي. قال سامرز: "أتعلم، أنتم لم تهزمونا قط في ساحة المعركة"، فردّ عليه العقيد "تو" قائلاً: "ربما كان هذا صحيحاً، لكنه أيضاً أمرٌ لا صلة له بالواقع". لاحقاً، ألّف سامرز كتاباً محورياً عن تلك الحرب بعنوان "حول الاستراتيجية: تحليل نقدي لحرب فيتنام" (On Strategy: A Critical Analysis of the Vietnam War). كانت خلاصته الأساسية بسيطة: هناك حدود للقوة الأمريكية، وتجاهل هذه الحدود يؤدي إلى تكاليف باهظة. فالحرب -كما كانت دائماً- هي صراع إرادات بشرية، تتشكل بفعل البطولة والجبن، والخوف والنشوة، والمصادفة وعدم اليقين؛ ومهما بلغت قوة الجيش من تفوق، فإن النصر الاستراتيجي لا يظل مضموناً. أصبح هذا الكتاب مادةً إلزامية للقراءة للعديد من الضباط العسكريين، بمن فيهم أنا. فقد انضممتُ إلى وحدة تدريب ضباط الاحتياط البحرية (Naval ROTC) في جامعة تكساس قبل عامين من ذلك اللقاء بين سامرز والعقيد "تو". كان نظام التجنيد الإجباري قد انتهى للتو، ولم تكن مدينة سايغون قد سقطت بعد، لكن النقاشات حول فيتنام كانت تهيمن على أوساطنا. وبينما كنت أدرس أسباب الفشل الأمريكي، أدركت أن ما اعتبرناه قوةً هائلة قد تحول إلى نقطة ضعف قاتلة؛ ألا وهي إيماننا الراسخ بأننا -نحن الولايات المتحدة الأمريكية- يجب أن ننتصر، وبالتالي سننتصر حتماً. لقد انتصرنا في الحرب العالمية الأولى، وانتصرنا في الحرب العالمية الثانية، وخضنا في كوريا حرباً انتهت -على أقل تقدير- بالتعادل، حيث نجحنا في صد الكوريين الشماليين والصينيين. وبطريقة ما، كان علينا -مهما كلف الثمن- أن ننتصر في فيتنام. إن الإيمان بإمكانية تحقيق النصر أمر مهم؛ فهو يبعث الحماس في نفوس القوات ويُبقي الرأي العام منخرطاً في مسار الحرب. ولكن، عندما لا يقترن الالتزام بتحقيق النصر بحكمة سياسية سليمة، وعندما يتم تجاهل مبادئ الحرب بناءً على اعتقاد خاطئ بأن التكنولوجيا أو القوة النارية كفيلة بالتغلب على الصعوبات المتأصلة في القتال، وعندما يُنظر إلى النجاحات التكتيكية على أنها طريق مضمون نحو نصر استراتيجي، وعندما تتصاعد تكاليف الحرب -بشراً وموارد- بشكل مطرد بينما تنهار أي مزاعم بأحقية القضية؛ فإنه يصبح من الضروري إعادة تقييم الموقف. في فيتنام، كان الرد على تزايد الخسائر هو ببساطة "المزيد"؛ المزيد من القوات، والمزيد من القنابل، والمزيد من الأموال. كان يُنظر إلى الهزيمة في المعركة على أنها نقيض لكل ما نؤمن به؛ لذا واصلنا القتال رغم الحدود التي باتت تتضح أكثر فأكثر لقوتنا. وعندما جاءت النهاية أخيراً مع الانسحاب الأمريكي المتسرع من سايغون عام 1975، لم يستطع العديد من القادة العسكريين والسياسيين استيعاب كيف تمكنت الولايات المتحدة من الفوز في كل مناوشة ومعركة تقريباً، ومع ذلك خسرت الحرب في نهاية المطاف. لقد بات إصلاح الأضرار الناجمة عن الإفراط في توسيع نطاق الالتزامات أكثر صعوبة. عندما التحقت بالجيش في عام 1977، كان يعاني من تداعيات حرب فيتنام. فقد أدى ما سُمي بـ "عائد السلام" (peace dividend) إلى تقليص حاد في القوى البشرية والموارد المالية. ووصلت الجاهزية العسكرية في مختلف القطاعات إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق؛ إذ انخفض عدد المجندين في الجيش بنحو 60 ألف فرد، وتراجع عدد السفن البحرية من حوالي 650 سفينة إلى ما يزيد قليلاً عن 500 سفينة. وفي الوقت ذاته، واجه التحول نحو جيش يعتمد كلياً على المتطوعين تحديات جمة؛ فقد تفشت ظاهرة تعاطي المخدرات وتصاعدت التوترات العرقية، وتدنت الروح المعنوية لدى القادة الكبار والجنود الشباب على حد سواء، كما افتقر المجندون الجدد إلى المهارات الأساسية. وعندما تولى الرئيس رونالد ريغان منصبه في عام 1981، شرع في تنفيذ أكبر عملية توسيع للجيش الأمريكي في وقت السلم منذ الحرب الكورية. وعلى مدى ثماني سنوات، زاد الإنفاق الدفاعي بنسبة 35 في المئة. وشهدت تلك الفترة صفقات تسليح كبرى، شملت دبابات "إم-1 أبرامز" (M-1 Abrams)، ومركبات "برادلي" القتالية، ومروحيات "أباتشي" و"بلاك هوك"، وطائرات مقاتلة من طراز "إف-15" و"إف-16"، وقاذفات "بي-1"، وطائرات الإنذار المبكر "إي-3 سنتري" (E-3 Sentry). كما عملت البحرية على استعادة قوتها لتصل مجدداً إلى نحو 600 قطعة بحرية، تضمنت 15 حاملة طائرات، و100 غواصة هجومية، بالإضافة إلى طرادات ومدمرات مجهزة بنظام "إيجيس" (Aegis) القتالي المتطور. وعلى صعيد الأفراد، تحسنت الرواتب، وتحققت أهداف التجنيد، واستُعيدت المعايير المهنية. والأهم من ذلك، أقر الكونغرس في عام 1986 قانون "غولدواتر-نيكولز" (Goldwater-Nichols Act)، الذي أحدث تغييراً جذرياً في المؤسسة العسكرية؛ إذ عزز دور رئيس هيئة الأركان المشتركة، وحدد القادة الميدانيين الإقليميين كمسؤولين مباشرين عن إدارة العمليات القتالية، وضمن تكامل القوات المشتركة، وحسّن عمليات التخطيط والتسليح المشترك، كما مهد الطريق لتأسيس قيادة العمليات الخاصة الأمريكية. وبحلول عام 1990، كان الجيش الذي انضممت إليه في سبعينيات القرن الماضي قد شهد تحولاً جذرياً؛ فقد أصبح جنودنا مدربين تدريباً جيداً، ومجهزين بأفضل المعدات، ويتمتعون بدافعية عالية، والأهم من ذلك، أنهم حظوا بقيادة متميزة. في يوليو 1990، غادرتُ سان دييغو في مهمة اعتيادية استمرت ستة أشهر إلى غرب المحيط الهادئ. كنتُ حينها قائداً لوحدة عمليات خاصة تابعة لقوات "سيلز" (SEALs)، ومكلفاً بالعمل ضمن السرب البرمائي الخامس والوحدة الاستكشافية الثالثة عشرة لمشاة البحرية (المارينز). لم أكن أعلم حينها أن هذا الجيش -الذي استعاد عافيته- وقادتنا المدنيين كانوا على وشك الخضوع لاختبار حقيقي؛ مما طرح تساؤلاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تعلمت أي شيء من حرب فيتنام وغيرها من المهمات الفاشلة في الماضي القريب. هل الأمر يستحق العناء؟ في الثاني من أغسطس 1990، أصدر الرئيس العراقي صدام حسين أوامره للجيش العراقي بدخول الكويت. وفي غضون ساعات من بدء الغزو، انعقد مجلس الأمن القومي وعُرضت على الرئيس خيارات للتحرك الأمريكي. وقد أكد نائب وزير الخارجية، لورنس إيغلبرغر، قائلاً: "هذا هو الاختبار الأول للنظام العالمي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة؛ فمع تراجع حدة الاستقطاب الثنائي في العالم، أصبح حدوث مثل هذا الأمر ممكناً. وإذا نجح صدام، فقد يحذو آخرون حذوه". لحسن الحظ، كانت القيادة الأمريكية في ذلك الوقت في أقوى حالاتها وأكثرها خبرة؛ فالقيادة -لا سيما في زمن الحرب- تُعد عاملاً حاسماً. كان الرئيس جورج بوش الأب طياراً شاباً في البحرية الأمريكية حين أُسقطت طائرته بالقرب من جزيرة "إيو جيما"، ليتم إنقاذه لاحقاً بواسطة غواصة أمريكية؛ لذا كان بوش يدرك حقيقة الحرب. وفي مراحل لاحقة من حياته، شغل مناصب عدة، منها سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وممثل فعلي للولايات المتحدة في الصين، ومدير لوكالة الاستخبارات المركزية، ونائب للرئيس. لم يسبق لأي رئيس في التاريخ الأمريكي أن تولى منصبه وهو يمتلك هذا القدر من الخبرة في قضايا الأمن القومي. ومع ذلك، أحاط بوش نفسه بنخبة من أبرز الدبلوماسيين والقادة العسكريين وخبراء الاستخبارات والمفكرين الاستراتيجيين في ذلك العصر، أمثال: برنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي؛ وجيمس بيكر، وزير الخارجية؛ وديك تشيني، وزير الدفاع؛ وكولن باول، رئيس هيئة الأركان المشتركة؛ وغيرهم الكثير. أما القيادة المركزية الأمريكية، التي تولت قيادة الجهد العسكري ضد صدام، فقد كانت تحت إمرة الجنرال نورمان شوارزكوف. كان شوارزكوف من قدامى المحاربين في فيتنام، وقد حصل على وسام "النجمة الفضية" ثلاث مرات تقديراً لشجاعته، كما نال وسام "القلب الأرجواني" مرتين لإصابته في المعارك. عند عودته من فيتنام، قال شوارزكوف متأملاً: "لا أحد أكثر مناهضةً للحرب من شخصٍ ذكيٍّ خاض غمارها وحين يستعدون لإرسالي مجدداً، سأضطر للتوقف وسؤال نفسي: هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ إن وصول جيش أي أمة إلى مرحلة يتوقف فيها أفراده لطرح مثل هذا التساؤل، يضع تلك الأمة في وضعٍ بالغ الخطورة". إن التعامل بصدق مع هذا السؤال — "هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟" — هو جوهر القيادة الرشيدة. فقد درس بوش بعناية التكاليف والمخاطر المرتبطة بمواجهة صدام، وخلص إلى أن الحرب تستحق ذلك. وعمل القادة السياسيون والعسكريون في الولايات المتحدة معاً على وضع استراتيجية ذات أهداف وغايات واضحة، وحشدوا الدعم الشعبي والدولي للعمليات المرتقبة. وقد ثبت أن ذلك كان أرقى نموذج لاستخدام القوة السياسية والعسكرية في التاريخ الأمريكي الحديث؛ لذا فإن نجاح هذه التجربة يستحق التوقف عنده ملياً. لقد ارتكز نجاح حرب الخليج على عدة مبادئ أساسية كانت تشكل صلب الاستراتيجية الأمريكية. أولها، أن على الولايات المتحدة أن تبدأ بـالتمسك بالموقف الأخلاقي القويم. يعني هذا الموقف امتلاكك لموقف مهيمن عند مواجهة العدو، ويُظهر أن القتال يستحق العناء. وبفضله، يستطيع القادة إلهام الجنود، وحشد الجماهير، وكسب الحلفاء..
مباشرةً بعد غزو صدام، أمر بوش بنشر قوات عسكرية في المنطقة، وعمل مع السعودية لترسيخ وجود عسكري في المملكة تحسبًا لأي عمل عسكري ضروري. كان بوش لا يزال يأمل في تجنب الصراع، لكنه رأى تشابهًا بين "الخليج العربي والوضع في منطقة الراين في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما تحدى هتلر معاهدة فرساي ببساطة ودخل المنطقة". ومع ذلك، كان يعلم أنه يجب عليه إقناع المجتمع الدولي والشعب الأمريكي بأن أي إجراءات قد يتخذها ستكون أخلاقية ومشروعة، وتصب في مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها. الموقف الأخلاقي القويم يعني امتلاكك لموقف مهيمن عند مواجهة العدو، ويُظهر أن القتال يستحق العناء. انخرط بوش وفريقه في جهد دبلوماسي مكثف لحشد الدعم من الدول العربية في المنطقة، ومن الحلفاء الأوروبيين، ومن موسكو وبكين. ورغم تشكيكه في الأمم المتحدة، سعى بوش إلى الحصول على قرارات دولية متعددة تدين غزو العراق، وتفرض عقوبات اقتصادية شاملة، وتجيز استخدام القوة عند الضرورة. وفي الوقت نفسه، عمل على كسب تأييد الشعب الأمريكي، الذي أيدت غالبيته العظمى في نهاية المطاف تعامله مع الأزمة. ورغم اعتقاد بوش بأنه يملك، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، صلاحية إرسال قوات عسكرية دون موافقة الكونغرس، فقد سعى إلى الحصول على دعم الكونغرس وحصل عليه. ثانيًا، أدرك بوش وإدارته أهمية بناء تحالف دولي، حتى وإن كانت الولايات المتحدة تمتلك القوة العسكرية الكافية للتدخل منفردة. كان هذا جزئيًا يتعلق بالشرعية، وجزئيًا بفرصة توجيه رسالة. فقد مثّل غزو صدام فرصة لتشكيل ما اعتبره البعض في الإدارة "نظامًا عالميًا جديدًا"، نظامًا يُقابل فيه العدوان بعمل جماعي، وتتحد فيه القوى الكبرى رغم اختلافاتها الأيديولوجية. وكان من المقرر أن تلعب الأمم المتحدة والقانون الدولي دورًا حاسمًا بدلًا من تجاهلهما. استغل بوش علاقاته الشخصية القوية التي بناها على مدار مسيرته الطويلة في الخدمة العامة، فكسب دعم الجميع، بدءًا من المستشار الألماني هيلموت كول والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، مرورًا بالملك فهد بن عبد العزيز آل سعود والرئيس المصري حسني مبارك، وصولًا إلى الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف. وبصفته وزيرًا للخارجية، شرع بيكر أيضًا في حملة دبلوماسية مكثفة جاب خلالها أنحاء العالم، مُعززًا بذلك التحالف. في النهاية، لم تنل الولايات المتحدة دعم المجتمع الدولي فحسب، بل تحمل آخرون جزءًا كبيرًا من تكاليف الصراع. كانت القوة المتحالفة التي تم حشدها في نهاية المطاف - 750 ألف جندي من 36 دولة، من بينهم 540 ألف أمريكي - الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. وضمت، بشكل حاسم، تحالفًا عربيًا بقوات من السعودية والكويت ومصر وسوريا وقطر والإمارات العربية المتحدة وعُمان والبحرين. وكان إدارة هذا التحالف أمرًا بالغ الصعوبة. قال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ذات مرة مازحًا: "ليس هناك ما هو أسوأ من القتال مع الحلفاء، إلا القتال بدونهم". لكن بوش أدرك أن الدعم الدولي يضفي شرعية عملياتية واستقرارًا إقليميًا، ويوجه رسالة إلى صدام حسين والعالم أجمع. ثالثًا، كان بوش ومستشاروه عازمين على وضع أهداف وغايات واضحة، متناغمة بين البُعدين السياسي والعسكري. سياسيًا، كان الهدف هو دعم القانون الدولي وإحلال السلام في المنطقة. أما الأهداف العسكرية فكانت تدعم تلك الأهداف السياسية. كان من المقرر أن يُخرج التحالف القوات العراقية من الكويت، لكنه في الوقت نفسه سيسعى إلى تقليل الخسائر في صفوف القوات الصديقة، والحفاظ على التحالف، وتقليص مدة الحرب. كان القادة الأمريكيون واضحين منذ البداية: لن يكون هناك تقدم نحو بغداد أو اشتباك مطول مع الجيش العراقي. لهزيمة العدو، يجب السيطرة على الأرض التي يعتز بها. ومع ذلك، حتى مع هذه الأهداف المحدودة، لم يكن القادة المدنيون ولا العسكريون يتوهمون أن النجاح سيكون سهلًا أو مجانيًا. فإخراج عدو مصمم يسيطر على الأرض يتطلب قوة نارية هائلة واستعدادًا لتنفيذ عمليات برية. كما أكد كارل فون كلاوزفيتز في كتابه "عن الحرب"، فإن الدفاع أقوى من الهجوم، إذ يقتصر دور الدفاع على الحفظ والحماية، بينما يتعين على الهجوم فرض إرادته على العدو. ويجادل بأن السبيل الوحيد للتغلب على قوة الدفاع الكامنة هو استخدام قوة نارية ساحقة. كان العراقيون مستعدين للدفاع عن الأرض التي استولوا عليها في الكويت؛ فقد كانوا يسيطرون على التضاريس، وكانت الجغرافيا في صالحهم، وكان لديهم قوة قتالية متمرسة بعد ثماني سنوات من القتال ضد الإيرانيين. لكن تشيني وباول وشوارزكوف قد فهموا مبادئ الحرب؛ فكان لديهم هدف محدد بوضوح. قاموا بحشد القوة النارية الأمريكية في المناطق الأكثر أهمية، وقبلوا بالمخاطرة في المناطق الأقل أهمية، وكانوا على استعداد للمناورة ضد العدو. كما التزموا بالانسحاب فور تحقيق الأهداف، كي لا تطول أمد الحرب أكثر مما ينبغي. ولتحقيق هذه الغايات، كان لا بد من نشر قوات على الأرض - وبأعداد كبيرة. أدرك القادة العسكريون والمدنيون الأمريكيون أن هزيمة العراقيين تتطلب ما هو أكثر من مجرد القوة الجوية. وفي وقت مبكر، أشار تشيني قائلاً: "تاريخ الحملات الجوية يشير إلى أنها ليست ناجحة للغاية". واتفق معه باول بالقول: "إن تعزيز ردع أي تحرك عراقي تجاه المملكة العربية السعودية يتطلب وجود قوات أمريكية على الأرض، وهذا يعني مواجهة كبرى؛ إذ سيتعين على معظم القوات الأمريكية البقاء في الميدان لفترة تتجاوز يوماً أو يومين". إذا كنت قد تعلمت درساً واحداً مهماً خلال أكثر من أربعة عقود من الخدمة العسكرية، فهو أن هزيمة العدو تتطلب الوقوف على الأرض التي يعزّ عليه امتلاكها والسيطرة عليها. ولهذا السبب غزا الإسكندرُ بلادَ فارس، وعبر ويليام الفاتح القناة الإنجليزية نحو إنجلترا، وتوغل جنكيز خان في الصين، وزحف شيرمان نحو أتلانتا، ونزلت قوات الحلفاء في نورماندي، ودخلت الولايات المتحدة إلى الكويت. (وهذا هو السبب أيضاً في وجود الإسرائيليين اليوم في غزة ولبنان، والسبب في أن الروس لن يحققوا النصر أبداً ما لم يسيطروا على كييف). لكن، كما حذّر تشيني: "لا ينبغي لنا البدء في هذا الأمر إلا إذا كنا مستعدين للمضي فيه حتى النهاية. فالمشكلة تكمن في أن الشعب الأمريكي قد لا يتحمل الحرب لفترة طويلة". بدأت عملية "عاصفة الصحراء" بضربات جوية في الساعة 2:38 صباحاً بتوقيت بغداد، في 17 يناير 1991. وبعد 43 يوماً من العمليات الجوية و100 ساعة من العمليات البرية، تحققت الأهداف السياسية والعسكرية لواشنطن؛ إذ طُرد الجيش العراقي من الكويت، وبدأت معظم القوات الأمريكية في العودة إلى ديارها. كتب بوش في مذكراته: "نحن نقوم بعمل نبيل وجيد، وستصبح حرب فيتنام قريباً جزءاً من الماضي".
دروسٌ لم تُستوعب
مثّلت عملية "عاصفة الصحراء" نقطة تحوّل، لكن ليس بالشكل الذي كان ينبغي أن تكون عليه؛ فقد أتاحت فرصةً لاستيعاب دروسٍ حول كيفية استخدام القوة بفعالية، وحول ما يمكن للقوة العسكرية تحقيقه وما لا يمكنها تحقيقه. وبدلاً من ذلك، أدت العملية إلى موجة من الشعور بالانتصار المطلق. فعندما عُدت من "عاصفة الصحراء" -حيث قدتُ قوة مهام للعمليات الخاصة- كان شعور النشوة ملموساً؛ فقد استعدنا صفة "المنتصرين". لقد كان النصر مُسكراً، وأعادنا إلى الاعتقاد الخاطئ بأن قوتنا قادرة على فعل أي شيء تقريباً لتشكيل العالم وفقاً لرغباتنا. ومما زاد من حدة هذه النشوة، التكنولوجيا التي استُعرضت في مواجهة العراق؛ إذ أمكن للذخائر الموجهة بدقة إصابة هدفٍ متحرك بقنبلة تزن 500 رطل من ارتفاع 20 ألف قدم، كما أمكن إطلاق صواريخ "توماهوك" الجوالة من سفن وغواصات على بعد مئات الأميال. وبفضل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، أمكن توجيه كتيبة مشاة عبر صحراء منبسطة ليلاً لتصل بدقة إلى وجهتها المحددة، بينما مكّن "نظام الرادار المشترك للمراقبة واستهداف الأهداف" (JSTARS) من رصد تحركات الجيش العراقي. ووفرت أنظمة القيادة والسيطرة الرقمية أوامر جوية محوسبة، واتصالات فضائية آمنة، وأدوات تخطيط رقمية. لم يسبق لأي جيش في التاريخ أن سيطر على ساحة المعركة بمثل هذه الدقة التي حققناها خلال "عاصفة الصحراء". كان من المنطقي البناء على هذا النجاح لإحداث "ثورة في الشؤون العسكرية" من شأنها تطوير أساليب القتال لدى الولايات المتحدة، لكن هذه التجربة عززت أيضاً اعتقاداً واسع النطاق بأن التكنولوجيا قادرة على تجاوز الصعوبات المتأصلة في الحرب، وتكاليفها، ومخاطرها. في تسعينيات القرن العشرين، وبدافع من الثقة التي أعقبت "عاصفة الصحراء" وآمال عالم ما بعد الحرب الباردة، تركزت المهام العسكرية الأمريكية على دعم المعايير الدولية والحد من الأزمات الإنسانية؛ وقد تفاوتت نتائج هذه المهام، فبعضها كُتب له النجاح (كما في البوسنة وكوسوفو)، بينما كان نجاح بعضها الآخر محدوداً (كما في الصومال). لكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصبح الفشل في استخلاص الدروس الصحيحة من حرب الخليج جلياً بشكل خاص؛ إذ استمر سوء الفهم حول حدود القوة الأمريكية، وما يمكن للجيش تحقيقه وما لا يمكنه تحقيقه. بدأت الحرب في أفغانستان بنوايا سليمة، لكنها تحولت إلى صراع طويل الأمد ذي أهداف متغيرة، مع وجود فجوة بين الغايات العسكرية والأهداف السياسية، في مواجهة حركة طالبان التي كانت تقاتل بعزيمة على أرضها. وحتى بعد تنفيذ عملية القوات الخاصة التي أسفرت عن مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ظلت الأهداف والغايات في أفغانستان في حالة تغير مستمر. وكما هو الحال دائماً، كانت قوة الجيش تكمن في جنودنا؛ فقد كانوا يتسمون بالشجاعة والانضباط والكفاءة التقنية العالية. لقد ارتكبنا أخطاء، لكن لم يكن هناك نقص في الروح القتالية أو في تحقيق النجاحات التكتيكية. بل إن الدعم الشعبي ظل قوياً طوال معظم فترات الحرب. غير أننا تعثرنا حين افترضنا أن النصر السريع يمكن أن يمتد ليشمل المهام المعقدة، مثل محاربة التمرد، وتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب، وبناء الدولة. وحتى لا أبدو في نقدي للاستراتيجية الأمريكية وكأنني أدعي الصواب المطلق، فليكن واضحاً: بصفتي قائداً ميدانياً في أفغانستان، فقد وقعت أنا أيضاً في الفخ ذاته ألا وهو وهم الاعتقاد بأن حشد المزيد من القوات، وتوفير المزيد من الأسلحة، وضخ المزيد من الأموال، كفيل بحل بعض أكثر المشكلات تعقيداً واستعصاءً. لكن الواقع أثبت أن ذلك لم يكن ممكناً. لقد تحولت حرب العراق -التي قامت أصلاً على مبررات بالغة الهشاشة- إلى مهمة لمكافحة التمرد والإرهاب، في ظل نقص في القوات، وتحالف محدود، وجدول زمني ظل يتغير باستمرار. ومجدداً، أثبتت قواتنا أنها كانت على قدر تطلعات الشعب الأمريكي وآماله، غير أن قادتنا تجاهلوا مراراً وتكراراً المبادئ الأساسية للحرب. فادعاؤنا بامتلاك الأفضلية الأخلاقية استند إلى معلومات استخباراتية مغلوطة، وكان دعمنا الدولي محدوداً، كما تحولت أهدافنا من الإطاحة بصدام حسين إلى محاولة بناء ديمقراطية على الطراز الغربي. ربما دخلنا العراق وأفغانستان بنوايا نبيلة، ولعل بذور الحرية التي حاولنا غرسها تجد طريقها للنمو على المدى البعيد؛ لكن حتى الآن، لم تتحقق سوى مكاسب ضئيلة، مقابل تكاليف باهظة تكبدها جيشنا وقواتنا، ومجتمعنا في الداخل، ومكانتنا وشرعيتنا على الصعيد الدولي. قوة لا تُقهر (تقريباً) ومع ذلك، فإن هذه التجارب الأخيرة -التي عاصرها عن كثب عدد من المسؤولين البارزين في إدارة ترامب خلال خدمتهم العسكرية- لم تكن كافية لتعزيز الحذر في التعامل مع إيران في وقت سابق من هذا العام. ولنكن واضحين: النظام الإيراني نظام بغيض؛ فهو مسؤول عن مقتل مئات الجنود الأمريكيين، ويهدد دول الجوار، ويستخدم وكلاء لمهاجمة حلفائنا، كما تسبب في مقتل عشرات الآلاف من أبناء شعبه. وفي ظل سقوط نظام الأسد في سوريا، وتدمير قوة حركة حماس في غزة، وإضعاف حزب الله في لبنان، وتراجع نفوذ المرشد الأعلى داخل إيران ذاتها، يبدو من السهل تفهّم جاذبية فكرة السعي لتغيير النظام الإيراني. وفضلاً عن ذلك، وفي أعقاب العملية الدرامية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو -حيث أظهر الجيش الأمريكي سرعة فائقة وقدرة قتالية عالية وشجاعة استثنائية في اختراق دفاعات متطورة للغاية- كان من السهل جداً على صناع السياسة في الولايات المتحدة أن يفترضوا، مرة أخرى، أن تفوقنا التكنولوجي وشجاعة جنودنا وخبراتهم تجعلنا قوة لا تُقهر (تقريباً). لكن ثمة سبباً يجعل أي رئيس أمريكي لم يحاول تغيير النظام في إيران منذ عام 1979، وهذا السبب لا علاقة له بمدى العزيمة أو الإرادة السياسية. فالتحديات المتعلقة بالشرعية، وبناء التحالفات، والجغرافيا، وإرادة الخصم، وحقيقة أن تحقيق هدف طموح كهذا يتطلب إرسال قوات برية أمريكية إلى الميدان؛ كلها عوامل كانت تقف ضد مثل هذا المسعى. منذ بداية الحرب مع إيران، لم تكن هناك أي محاولة لبناء شرعية دولية. فقد اندلعت الحرب في 28 فبراير بضربة أمريكية-إسرائيلية. ومما زاد الطين بلة، أن إحدى الغارات الجوية المبكرة انحرفت عن مسارها وأصابت مدرسة ابتدائية إيرانية، مما أسفر عن مقتل 120 تلميذاً. صحيح أن الأخطاء تقع في الحروب، لكن عدم الاعتراف بخطئنا عزز الانطباع بغياب الشرعية وبالرغبة في الانتقام، مما أفقدنا أي تفوق أخلاقي كان يمكن أن نتمتع به. كما فشلت إدارة ترامب في إبلاغ أي من حلفاء الولايات المتحدة بالضربة الوشيكة، ولا سيما الدول العربية المجاورة، وهو ما أدى إلى انعدام الثقة الإقليمية منذ البداية. وفي وقت لاحق، عندما سعى الرئيس للحصول على دعم الحلفاء لإعادة فتح مضيق هرمز، قوبل بفتور دولي؛ ولم يكن هذا الرفض مفاجئاً، فقد عُرف عن ترامب أسلوبه اللاذع في التعامل مع القادة الأوروبيين. لا ينبغي أبداً الاستهانة بإرادة الخصم في القتال. لم يكن هناك فهم واضح للأهداف؛ فقد صرحت الإدارة في البداية بأنها تسعى لتغيير النظام، لكن ترامب عاد ليقول للصحفيين إنه لم يهتم يوماً بتغيير النظام. كما ادعت الإدارة أن هناك ضرورة ملحة لاستباق امتلاك إيران لسلاح نووي، لكن ترامب قلل لاحقاً من شأن هذه المخاوف، معتبراً إياها غير ذات أهمية، بدعوى أنه لم يتبقَ في إيران سوى "غبار نووي". وبعد أن أغلقت إيران المضيق، وأصبح إعادة فتحه أمام حركة الملاحة هو المحور الرئيسي للاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية، صرح ترامب للعالم بأن الأمر لا يحمل أهمية كبيرة، نظراً لأن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى ذلك النفط. بدت الأهداف وكأنها تتغير يوماً بعد يوم. ولا يساورني أدنى شك في أن المخططين العسكريين الأمريكيين كانوا يدركون حدود القوة الجوية في تحقيق الأهداف الأمريكية في إيران. كان ينبغي أن يشكل هذا مؤشراً للبيت الأبيض على أن تحقيق النصر أمرٌ مستبعد، ما لم يخطط الجيش لغزو إيران. لقد كانت الجغرافيا دائماً عاملاً مقيداً. فخلال مسيرتي العسكرية التي امتدت لنحو أربعين عاماً -قضيت جزءاً كبيراً منها في الشرق الأوسط- لم ألتقِ يوماً بجنرال أو أميرال لم يأتِ على ذكر مضيق هرمز عند الحديث عن إيران؛ إذ كان يمثل بالنسبة للإيرانيين سلاح دمار شامل، وحصناً منيعاً ضد الغزو، وورقة رابحة لا غنى عنها في أي مواجهة. علاوة على ذلك، كانت القيادة الإيرانية في موقف المدافع؛ فكل ما كان عليها فعله لتحقيق النصر هو الحفاظ على نفسها وحمايتها، وهو ما نجحت في تحقيقه بالفعل. وفي ظل هذه المعطيات، بات من المستبعد للغاية أن يتمكن الجيش الأمريكي يوماً من الوقوف على أراضٍ تعتبرها إيران عزيزة عليها، ليفرض سيطرته الكاملة عليها. كما واجهت الحرب الأمريكية قيوداً فرضتها إرادة الطرف الآخر؛ ففي الفترة ما بين عامي 1980 و1988، خاضت إيران والعراق حرباً ضارية أودت بحياة مئات الآلاف من كلا الجانبين العراقيون و الإيرانيون. كان ينبغي أن يكون واضحاً منذ بداية هذه الحرب أن الإيرانيين سيقاتلون، وسيقاتلون بشراسة. فالمتشددون في إيران هم من يسيطرون على الخطاب، وهم يخوضون معركة من أجل بقائهم.
حدود القوة
إن هذا الفشل الذريع في إدراك حدود القوة وتقديرها ليس ظاهرة جديدة في التاريخ الأمريكي، أو في التاريخ العسكري بشكل عام. فمع كل ثورة في التكنولوجيا العسكرية -بدءاً من سلاح الفرسان وصولاً إلى الوحدات الميكانيكية، ومن البنادق ذات الطلقة الواحدة إلى رشاشات "غاتلينغ"، ومن الطائرات ذات المراوح إلى الطائرات النفاثة- يستميت القادة في الرغبة للاعتقاد بأن بإمكانهم، بمجرد التمني، إلغاء الطبيعة الأساسية للحرب. ومع تزايد قدرتنا على بسط نفوذنا في جميع أنحاء العالم، نتشبث بشدة بالاعتقاد بأن الجغرافيا لم تعد ذات أهمية. ومع إتاحة وسائل الإعلام الحديثة لنا فرصة رؤية حالة الغضب الشعبي لدى خصومنا، نرغب بشدة في تصديق أن بوسعنا إحداث تغيير دون مخاطر كبيرة أو التزامات تذكر. ومع تسريع الذكاء الاصطناعي لعملية اتخاذ القرارات التكتيكية، نميل بقوة إلى الاعتقاد بأن دروس الخبرة العسكرية لم تعد ذات قيمة. كل هذه المعتقدات ليست سوى أوهام. والأكثر إثارة للقلق هو وجود اتجاهات هيكلية داخل الولايات المتحدة تشير إلى أن المشكلة ستزداد سوءاً، بغض النظر عن مدى وضوح الدروس المستفادة من الحرب مع إيران في الوقت الراهن. يتمثل الاتجاه الأول في النزعة نحو قيادة رئاسية تركز على شخص القائد، حيث تصبح الولاءات للأفراد أهم من الولاء للمؤسسات. فعندما يتولى الموالون للقائد إدارة المؤسسات المنوط بها تقديم أفضل المشورات العسكرية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية أو الاستخباراتية، يبرز خطر توجيه هذه المشورات -سواء عن قصد أو غير قصد- بما يتماشى مع رغبات الرئيس؛ وهذا وصفة لكارثة محققة. فالقائد يحتاج إلى الحقيقة المجردة وإلى أفضل المشورات الممكنة، بغض النظر عن موقفه الشخصي من القضية المطروحة. لقد تبلور هذا التركيز المتزايد للسلطة في الفرع التنفيذي عبر عدة إدارات متعاقبة، ورغم بعض الاعتراضات المتقطعة من الكونغرس، لا توجد مؤشرات تذكر على احتمال تغير هذا المسار. وفي هذا السياق، قد يمثل ترامب نموذجاً صارخاً بشكل خاص، لكن من غير المرجح أن يكون آخر رئيس يقع فريسة لمثل هذه الإغراءات ويعمل في ظل قيود محدودة للغاية. تتفاقم مخاطر القيادة الرئاسية القائمة على النزعة الشخصية بشكل حاد نتيجة تزايد تسييس القيادة العسكرية. فعمليات التطهير التي يجريها وزير الدفاع بيت هيغسيث في صفوف القيادة العسكرية ستؤدي إلى تقويض ديناميكيات العلاقة بين المدنيين والعسكريين لسنوات قادمة. لقد أطاح ترامب وهيغسيث بكبار الضباط في مختلف الأفرع العسكرية، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان المشتركة، وقائد العمليات البحرية، ورئيس أركان الجيش. وقد تدخل هيغسيث لعرقلة المسارات المهنية للضباط بطرق غير مسبوقة، حيث استبعد شخصياً عشرات الضباط من قوائم الترقية، غالباً دون تقديم أي تفسير (مع ملاحظة أن عدداً كبيراً منهم كانوا يعملون تحت قيادة أفراد اعتُبروا عقبات أمام الأهداف السياسية الداخلية لترامب). ورغم أن القادة العسكريين الباقين في مناصبهم سيظلون ملتزمين -في الغالب- بأداء واجبهم بشرف وتقديم أفضل مشورة ممكنة للقادة المدنيين في البنتاغون والبيت الأبيض، إلا أن حملة التطهير هذه ستخلق بلا شك حالة من التوجس، مما سيؤثر سلباً على استعداد كبار الضباط وقدرتهم على تقديم المشورة الصريحة، لا سيما فيما يتعلق بتكاليف استخدام القوة العسكرية وحدود ما يمكن أن تحققه. وأخيراً، فإن الإدخال السريع لتقنيات جديدة -بدءاً من الذكاء الاصطناعي والمركبات غير المأهولة، وصولاً إلى الروبوتات والأنظمة السيبرانية وتلك المعتمدة في الفضاء- سيجعل من السهل مجدداً تجاهل المبادئ الأساسية للحرب. ستظل التكنولوجيا دائماً عاملاً مهماً في كيفية خوض الحروب، ويجب على أي جيش أن يسعى لتعزيز قدراته من حيث الفتك، والبقاء في ساحة المعركة، والوعي بالموقف الميداني. ومع أن هذه القدرات ضرورية، إلا أنها ليست كافية لتجاوز المبادئ الجوهرية للحرب. إذ ينبغي للقادة أن يدركوا حقيقة التكنولوجيا؛ فهي مجرد "أداة تمكين". يمكنها تحسين كيفية توظيف القوة العسكرية، لكنها لا تستطيع التعويض عن السياسات الخاطئة التي تقودنا إلى الصراعات في المقام الأول
أكبر القوة في العالم
يُعد الجيش الأمريكي اليوم أفضل قوة مسلحة وأكثرها احترافية في تاريخ العالم بأسره. لكن هذا لا يعني أن بوسعنا تجاهل حدود قوتنا. فنحن مقيدون بـ "الغموض الأخلاقي"؛ فإذا كانت أسباب الصراع مشكوكاً فيها -أو أسوأ من ذلك- فسيصبح من الصعب بناء تحالف، أو تحفيز القوات، أو الحفاظ على دعم المدنيين، أو تقويض إرادة العدو. تفسر إخفاقات كهذه، الأسباب التي جعلت الإغريق يهزمون الفرس في سلاميس، والإنجليز يهزمون الإسبان في جرافلين، وجورج واشنطن يهزم البريطانيين، والروس يهزمون الألمان في ستالينغراد، والفيتناميين يهزمون الفرنسيين والأمريكيين، والأوكرانيين يهزمون الروس اليوم. ومع أن التمتع بالموقف الأخلاقي الأسمى لا يضمن النصر العسكري، إلا أنه يمثل ركيزةً يقوم عليها النجاح. ستظل الجغرافيا تفرض قيوداً علينا؛ فمهما بلغت التطورات التكنولوجية، ستظل الجغرافيا دائماً عاملاً حاسماً ومؤثراً إذ تُعد التضاريس عاملاً حاسماً في تحديد نتائج أي مواجهة عسكرية. يدرك كل قائد عسكري أن طبيعة الأرض تفرض أسلوب قتال العدو، وتحدد أماكن تمركز قواته، وكيفية إمدادها. فالمحيطات والأنهار تشكل حواجز طبيعية أمام القوات المتقدمة، كما أن التضاريس والممرات المائية تحد من قدرة القوة المهاجمة على المناورة، أو التمسك بالأرض، أو الحصول على الإمدادات، أو بسط النفوذ. وفي هذا السياق، تفرض مضايق مثل مضيق هرمز وباب المندب تحديات تماثل تلك التي يفرضها بحر المانش، أو نهرا الراين أو الفولغا. كما أن إرادة العدو تشكل قيداً آخر؛ ففي كل مجتمع يوجد "عملاق نائم" قد يستيقظ فجأة ليخوض قتالاً ضارياً، مدفوعاً بشعور بالحق، أو رغبة في البقاء، أو بكليهما معاً. فالمعتدون والغزاة ومن يبادرون بالهجوم يثيرون رد فعل غريزياً وعنيفاً لدى الشعوب التي يحاولون إخضاعها أو استمالتها. لذا، لا ينبغي أبداً الاستهانة بإرادة العدو في القتال؛ وهو خطأ وقعنا فيه مراراً وتكراراً. ومن القيود أيضاً، ترددنا في نشر قوات برية. لا يرغب أي أمريكي في فقدان شبابنا -رجالاً ونساءً- في ساحات معارك خارجية، لكن تحقيق المصلحة العليا قد يتطلب أحياناً القيام بذلك. ففي الحرب العالمية الأولى، أُرسل أكثر من مليوني جندي أمريكي إلى أوروبا، وفي الحرب العالمية الثانية، قاتل أكثر من خمسة ملايين جندي أمريكي ضد النازيين، وخاضوا معارك ضارية عبر جزر المحيط الهادئ وصولاً إلى اليابان. وفي كلتا الحالتين، كانت تضحياتهم تصب في مصلحة البشرية جمعاء. وبالطبع، إذا ساور القادة أي شك بشأن أحقية موقفهم أخلاقياً، فإنهم سيترددون في الالتزام الكامل بالمعركة؛ وهذا التردد هو بحد ذاته مدخل للهزيمة. وهناك قيد آخر يتمثل في عامل الوقت. ورغم أن هذا التحدي لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، إلا أننا يبدو أننا نعاني منه أكثر من معظم الدول الأخرى. فقد قيل عن الروس إنهم قد يأكلون العشب قبل أن يستسلموا، بينما تشتهر الولايات المتحدة بأنها سرعان ما تمل من القتال وتنسحب. وينبع جزء كبير من هذه السمعة من حقيقة أن نظامنا الديمقراطي يتطلب دعماً شعبياً للاستمرار في أي صراع طويل الأمد. حتى مع وجود سبب مقنع لإرسال شبابنا وشاباتنا إلى ساحات المعارك، فإن التكلفة -بما تنطوي عليه من إزهاق للأرواح وإنفاق للموارد- قد تفوق سريعاً إدراكنا الجماعي لضرورة خوض تلك المعركة. وفي نهاية المطاف، سيظل نجاحنا مرهوناً بجودة قيادتنا، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري. فبدون قادة يتمتعون بالخبرة -قادة يدركون أهمية إرساء الشرعية، وبناء التحالفات، وتحديد أهداف واضحة وقابلة للتحقيق، والالتزام التام بالمهمة، وقصر أمد القتال على ما تقتضيه الضرورة فقط- ستصبح كل القوة التي نمتلكها في العالم بلا جدوى.
*خدم ويليام إتش. ماكريفن في البحرية الأمريكية من عام 1977 إلى عام 2014، وشغل منصب قائد قيادة العمليات الخاصة الأمريكية في الفترة من 2011 إلى 2014. كما تولى منصب رئيس جامعة تكساس في الفترة من 2015 إلى 2018.



#جواد_بشارة (هاشتاغ)       Bashara_Jawad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا عن الله
- كون واحد أم أكوان متعددة 2
- قراءة في كتاب كون واحد أم أكوان متعددة
- كون واحد أم أكوان متعددة؟
- أحدث المستجدات في عالم الفضاء
- الزمن وما أدراك ما الزمن
- نهاية الكون المرئي المحتملة أو المتوقعة
- فخ التصعيد في الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية
- هل حققت الحرب أهدافها؟
- الانزلاق الأمريكي في الخليج والاستراتيجية الإيرانية المتغيرة
- آفاق المواجهة العسكرية
- رحلة في أعماق المخيلة البشرية الحلقة الثالثة
- رحلة في أعماق المخيلة البشرية الحلقة الثانية قد تكون المظاهر ...
- رحلة في أعماق المخيلة البشرية
- رحلة في أعماق المخيلة البشرية 1
- هل هي بداية حرب عالمية ثالثة؟
- ليس هل بل متى ستحدث الحرب الإيرانية الأمريكية؟
- فك شيفرة الوضع العراقي
- ملامح غير مؤكدة لشكل الحكومة العراقية القادمة بعد الانتخابات
- كتاب صيف من الرعب


المزيد.....




- مصر وتركيا تبحثان الأوضاع في ليبيا وسط اختلاف المواقف بشأن م ...
- القناة 14 العبرية: مقتل جندي إسرائيلي مصاب في هجوم الخليل ال ...
- الكرملين: مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ستعقد مطلع نوفمبر
- داء المرتفعات يقصي صانع المحتوى -أبو فلة- من إكمال تسلق جبل ...
- الدفاع الروسية: استعادة 270 أسيرا مقابل 270 أوكرانيّا (فيديو ...
- باريس.. مقتل شخص وإصابة أربعة بإطلاق عشوائي للنار
- هل تحلّ روسيا العقدة الإيرانية؟
- ترامب يدعم نتنياهو، أَمْ يقضي على فرصه الانتخابية!
- ليس بالديزل وحده، روسيا تُسعف الولايات المتحدة!
- حاملات الطائرات الأمريكية أمام إيران تنذر بحرب كبرى


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بشارة - حدود القوة الاستراتيجية ووهم الهيمنة العالمية لأمريكا