|
|
مصير العالم تحت ترامب وبوتين
لبيب سلطان
أستاذ جامعي متقاعد ، باحث ليبرالي مستقل
(Labib Sultan)
الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 13:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كانت ولاتزال تشكل روسيا والولايات المتحدة اكبر دولتين ثقلا وتأثيرا مباشرا على وضع العالم وشؤونه، على الأقل عسكريا، اضافة للتأثيرات السياسية والجيوسياسية ومجالات الطاقة والتكنولوجيا والايديولوجيا ، وهما عضوان دائمان في مجلس الامن ولهما حق النقض على أساس انهما ضامنان اساسيان لميثاق الأمم المتحدة الذي يضمن احترام سيادة الدول الأعضاء فيها ويمنع الاعتداء عليها ، ولكنهما قاما غالبا بخرقها وهما الضامنان. وجاءت الخروقات بشكل مباشر او غير مباشر ابان الحرب الباردة التي دارت بشراسة على مدى 45 عاما. انها دارت واقعا على أراضي الغير، ودفعت الشعوب، وخصوصا في العالم الثالث، ثمنا باهضا لهذه الحرب الأيديولوجية التي تخاض بالشعارات في الظاهر ولكنها في الجوهر صراع مصالم امبريالية لهما. لقد اخفى السوفيت مصالحهم الامبريالية تحت شعارات التحرر الوطني من الاستعمار الغربي والامبريالية وإقامة نظم تحرر وطني واشتراكية ( وترجمتها ان تصبح النظم موالية لهم وواقعا حيثما نجح السوفيت في اقامتها يلاحظ ان جميعها نظما قامعة وديكتاتورية وبشكل او باخر موالية) وبها تمكن السوفيت من مد نفوذهم لوسط اوربا وجنوب شرق اسيا والشرق الأوسط وافريقيا وبلدانا في اميركا اللاتينية. كذلك روجت الولايات المتحدة لشعارات الديمقراطية والحريات ولكنها لم تتوانى عن تدبير انقلابات ودعم ديكتاتوريات عسكرية وارسال جيوش لبسط نفوذها ومصالحها ، واقعا للحد من تمدد السوفيت وإقامة الأنظمة الموالية. كلاهما خاض حربا أيديولوجية شرسة وهي في الواقع ليست الا حربا لاجل النفوذ والتوسع الامبريالي ، اميركا رأت في الديمقراطية سلاحا أيديولوجيا لمجابهة الشيوعية ولكنها لم تتوانى عن إقامة ديكتاتوريات قامعة حيث وجدت خطر تمدد السوفيت، والأخير تفن في فن الدعاية الأيديولوجية لحشد الجمهورالواسع في العالم الثالث تحت شعارات التحرر والعدالة الاجتماعية والنضال المشترك ضد الامبريالية، ولكنهم واقعا تلمسوا نفس المصالح الامبريالية واقاموا وساندوا نظم القمع والمخابرات والتصفيات بالجملة لنفس الشعوب التي اتخموها بشعارات الاستقلال والتحرر الوطني والاشتراكية ( ويقصد بها واقعا الاستقلال والتحرر من النفوذ الأميركي والغربي لاغير ولا علاقة للتحرر بإقامة نظم ديمقراطية مثلا فهم اقاموا وساندوا ديكتاتوريات ونظم موالية). وأخيرا تنفس العالم الصعداء بعد انهيار احد القطبين، وهو الاتحاد السوفياتي، وذلك عام 1991 ، تماما بعد 45 عاما من الحروب الاهلية والانقلابات المستمرة التي طالت اغلب بلدان العالم الثالث، التي عانت ما عانت من انقلابات وديكتاتوريات قامعة يقيمها كل طرف لكسب النفوذ لمصالحه وتصفية انصار الطرف الاخر، واستخدموا الشعارات البراقة والدعايات المؤدلجة ، خصوصا السوفيت الذين برعوا في صياغة اكثر المبادئ عدالة وتحررا في دعايتهم وكسبوا جمهورا واحزابا ترددها ورائهم تقدما وتحررا واشتراكية ولكن الواقع اثبت انها برقع أيديولوجي لهم لتغطية وتوسيع النفوذ والمصالح الامبريالية التي لا تختلف كثيرا عن المصالح الخاصة لخصمهم، للامبريالية الأميركية. ان اية مراجعة موضوعية لاسباب الحروب الاهلية والانقلابات والديكتاتوريات خلال النصف الثاني من القرن العشرين ستظهر ذلك جليا، فما حدث في فيتنام على يد الاميركان نفسه حدث في أفغانستان على يد السوفيت وما حدث من انقلابات في ايران عام 1953 وفي العراق عام 1963 وشيلي عام 1973 حدث في غزو المجر عام 1956 وبراغ عام 196، والودعم لانقلابات عسكرية في افريقيا لناصر ولنميري وزياد بري ومنغستو ميريام في اثيوبيا ومثلها في سوريا والعراق امثلة وإعلان هؤلاء الانقلابيين انهم قادة التحرر الوطني والسير بطريق الاشتراكية. هذه امثلة ليس الا لهذا الصراع لكلا الامبرياليتين على النفوذ والمصالح وحصدت بلدان العالم الثالث تخلفا ودمارا بدل التنمية وإقامة نظمها الديمقراطية . وبدا تقدم السوفيت في السبعينات جليا. ولكن سرعان ما بدى أيضا فشل نظم القمع التي ساندوها وتراجعها امام النظم الديمقراطية التي دعمها الاميركان في اوربا واليابان وكوريا الجنوبية امثلة، ولكن شعوب العالم الثالث لم تنل منها غير الخراب الداخلي وتسلط العسكر. نعم لقد تنفس العالم الصعداء اخيرا بانهيار الإمبراطورية السوفياتية وانتهاء الحرب الباردة ، وفعلا خرجت من تحت نفوذه 10 دول اوربية ديكتاتورية الحكم كانت تحت النفوذ السوفياتي انظمت مباشرة للاتحاد الأوربي تحت دستور وقوانين ليبرالية تسنن الحريات والنظم الديمقراطية لدولها الأعضاء وانهاء كلي لنظم الديكتاتوريات في اوربا تقريبا، ونفس الامر امتد لبقية العالم وبدأت ظاهرة ولادة النظم الديمقراطية تسود وتمتد لاغلب دول جنوب شرق اسيا واميركا اللاتينية كأنما الامر انتهى الصراع بين القطبين وفازت الديمقراطية، خلال عقد اختفت تقريبا معظم الديكتاتوريات ، ولم يبقى منها سوى عدد قليل اغلبها في العالم العربي موروث الرعاية السوفياتية (مثل نظم الأسد وصدام) ومثلهما كوريا الشمالية والصين وايران، وما عاد هناك صراعا فكريا كبيرا في العالم بغياب القطب السوفياتي واتجاه العالم نحو نظم الديمقراطيات والحريات وبدا الاستقرار الدولي امرا ثابتا بغياب الصراع بين القطبين، ولكنه لم يكن كما بدا وحلم به الناس والشعوب في كل مكان، فماذا حدث؟
2. صورة العالم بعد صعود بوتين ماهي الا برهة قصيرة، ولعقد من الزمن وبداية القرن الحالي، حتى وصل بوتين للسلطة في روسيا ، وبدء وكضابط مخابرات متمرس في الكي جي بي ومدرب جيدا على استخدام وسائل الدعاية وتسويق الشعارات الأيديولوجية هذه المرة قومية باستعادة مجد الامبراطورية لتحل محل يسارية وشيوعية كما كان الحال عند السوفيت. انه لم ولن يقبل، كالكثيرين مثله في اجهزة روسيا الموروثة من الإمبراطورية السوفياتية شهدوا تحول روسيا العظمى زمن القيصر والاتحاد السوفياتي لما هي عليه مفككة وفقدت نفوذها واضحت ضعيفة وتحت حكم المافيات و الاوليغارخية ( وهؤلاء هم ابناء المسؤولين ومدراء المؤسسات الاشتراكية السابقين ورثوها لابناءهم واقاموا مافياتهم واصبحوا مليونيرية ومنها ولادة طبقة رأسمالية جديدة لا تعبأ بالسياسة قدر الارباح)، هذا ما رآه مسؤولوا المخابرات والجيش من يقوم على عظمة روسيا ، وجدوا ان روسيا خسرت استثمار توسع الأجداد وفقدت وزنها الدولي ولا بد من استعادة ارثها الامبراطوري العظيم. والقضية عند بوتين ليست معقدة للغاية ، فالأيديولوجيا الجديدة جاهزة للنهوض الامبراطوري، انها الشعبوية القومجية التي تدعو لارجاع مجد الامة وعظمتها الإمبراطورية. انه حسب جيدا مدخراته الموروثة من الاتحاد السوفياتي، 6000 صاروخ نووي عابر للقارات، ونفوذ وتعاطف يساري عالمي واسع لايزال مع روسيا ومستعد لترديد مطلبه بوجوب ارجاع قطبين للعالم بدلا من واحد ( ولو دققنا في المصطلح فالقطب يعني امبراطورية)، ولم يطالب احد منهم بصفر من الاقطاب أو عالم دون اقطاب، بل باثنتين، وورث جهاز حكومي مخابراتي متمرس في الاختراق والدعاية الأيديولوجية ومدرب جيدا سيستخدمه هذه المرة لبث قيم القومية الناهضة ومحاربة قيم ومبادئ نظم الليبرالية الغربية ( كان الاتحاد السوفياتي يسميها النظم الرأسمالية ،مجرد تغيير مصطلح الى الليبرالية هذه المرة) ووصمها انها حضارة التفسخ الأخلاقي وحريات المثليين والمنحرفين أخلاقيا ، وبدء يشغل بوتين ماكنته الدعائية في روسيا وحول العالم. لاشك ان ظروف انبعاث الأيديولوجيا القومية الشعبوية متوفرة تماما في روسيا وتبدو تكرار لظروف مشابهة لالمانيا بعد انهيار امبراطوريتها واذلال المانيا وادت وصعود هتلر بالشعارات القومجية بإعادة مجد المانيا).نفس الوضع تقريبا في صعود بوتين في لإنقاذ الامة في روسيا بالرجوع لأصول الامة وتقاليد الدين الأخلاقي الأرثوذكسي محل صراع الاشتراكية والرأسمالية ، وحل نقد الليبرالية محل الصراع الطبقي والاستغلال الرأسمالي ، واحلال المثل القومية الروسية العليا بدل الديمقراطية الليبرالية المنحرفة، واقعا استخدم أسس نفس الماكنة الدعائية المخابراتية المتطورة والموروثة من السوفيت، والامر هومجرد تغيير مصطلحات وتحديد من هو العدو لروسيا، انها هذه المرة نظم الليبرالية . ركز بوتين على تصفية كل مظاهر الحريات الفكرية وبدايات الحياة الديمقراطية في روسيا واعتبرها غزوا وتآمر ليبرالي غربي مقصود لأضعاف روسيا ( وليس طبعا لتطلع الشعب الروسي بإقامة دولة حقوق وحريات و ممارسة الديمقراطية كتلك التي يتمتع بها سكان دول الاتحاد الأوربي مثلا). لماذا قرر بوتين ان هذه لاتصلح لاعادة مجد روسيا ومجد الإمبراطورية ،مثلما في اليابان مثلا بعد انهيار امبراطوريتها؟ سؤال لن تجد له جوابا عدا ربما انه لن يستطيع ان يكون امبراطورا بوجود نظام ديمقراطي في روسيا ، انها قضية متصلة بتحقيق طموحاته الشخصية ، وجد الانبعاث القومي هو الموجة وقرر ركوبها ايديولوجيا لايصاله للسلطة المطلقة وتتويجه منقذا للامة. وفعلا دشن عهده بشن حملة أيديولوجية على قيم الليبرالية وصادر الحريات تدريجيا واجهض الديمقراطية الهشة الحديثة الولادة في روسيا بإرجاع نظام المركزية المطلقة والولاء للرئيس والغى انتخابات المحافظات والاقاليم ليقوم هو بتعيينهم وضمان ولائهم له، وباشر بتصفية وسائل الاعلام المستقلة واستخدام القمع والمخابرات لإرهاب وتصفية الصحفيين والمفكرين والخصوم واتهامهم انهم ليبراليين وانهم عملاء للغرب في روسيا. قام خارجيا بوضع منهجه بمحاربة الليبرالية ( يعتبرها عدوه الأول وأداة التوسع الغربي كما كان يعتبر الاتحاد السوفياتي الرأسمالية) واعتمد وسائل الشعبوية القومية اليمينية لمحاربتهافي داخل روسيا أولا ثم في الجمهوريات السوفياتية السابقة وأخيرا امتد لكل اوربا ، حيث وجد في اليمين القومي المحافظ والمتطرف حليفا لروسيا ( بديل اليسار الشيوعي سابقا) ، وانه لابد من انقاذ القيم والاخلاق والتراث القومي والديني المسيحي في اوربا. لقد عمل جهازه المخابراتي الدعائي على هذه المهمة لهدف بعيد ، تشتيت وانهاء الاتحاد الأوربي ذو الأسس والقوانين الليبرالية عن طريق القوى القومية اليمينية المتطرفة الأوربية مستغلا سياسات الهجرة الداخلية فيها وخطرها على النسيج والثقافة القومية الاوربية المسيحية، انه برقعا أيديولوجيا محكما أراد به بوتين إيجاد حلفاء فيها لاسترجاع وإعادة نفوذ روسيا دوليا ، بتفتيت وارجاع الاتحاد الأوربي كدول قومية ومنه يسهل على روسيا شق طريقها للتوسع من جديد وابتلاع املاكها السوفياتية السابقة لتصبح امبراطورية عظمى من جديد. ولهذا تراه اليوم متحالفا مع حركة البديل الألماني وجبهة ماري لوبان في فرنسا ويأمل بصعودهم السريع سيهيئ الطريق لانهاء وتفتيت الاتحاد الأوربي كليا وخلال سنوات، وهذه معركته القادمة بعدما وطد اموره داخليا في روسيا كرئيس مطلق يرتجف منه المقربون قبل الخصوم، وهو يحرز تقدما وفق حدس لفرضياته ان الليبراليات الغربية لا يهمها ولن ترغب في مجابهته عسكريا ، على الأقل في ممتلكاته السابقة، فجس النبض في شرق مولدوفا أولا ثم غزوه لجورجيا ثم غزوه القرم ثم اجتاح أوكرانيا وهذه لمجرد ان هذه الجمهوريات ترغب بنظم ديمقراطية مثال الغربية وتنوي للانضمام للاتحاد الأوربي وتصبح ليبرالية، ومنه التحدي الكبير امامه، خصوصا في أوكرانيا، ان تمكنت من الانضمام للاتحاد الأوربي ونجحت تجربتها الديمقراطية ستكون سببا مباشرا في انهاء سيطرته الديكتاتورية على روسيا، ومنه غزاها عسكريا ولايزال يشن ابشع حربا عدوانية تدميرية عرفتها اوربا منذ الحرب الثانية لتحقيق هدف بوتين بانهاء خيارها وسيادتها ومنه انهاءها كدولة وشعبا وكيانا مستقلا.
3. الصورة بعد صعود ترامب على الطرف الاخر من القارة يشارك ترامب رفيقه بوتين نفس العقائد وعلى ثلاثة مستويات أولها الشعبوية القومجية وخطاب إعادة مجد الامة من جديد، والثانية محاربة الليبرالية باعتبارها مناقضة لتقاليد الامة بمفهومها المسيحي ومنه جبهتهما المشتركة ضد الاتحاد الأوربي، ولكن النقطة الثالثة للقاؤهما هي الأهم وتعود جذورها لتحوله من رجل مافيات عقارية الى سياسي بشكل مفاجئ وسط الثمانينات، كما تشير لها سيرته الذاتية نفسها ، وفيها تجد انه تحول للسياسة عام 1985 وتماما بعد زيارته للاتحاد السوفياتي لعقد صفقة افتتاح برج ترامب في موسكو على ارض قدمت هدية مجانية من السلطات السوفياتية له ، وتم تبنيه لعقيدة ذات اصل وطرح سوفياتي ،كان له دعما رسميا وحزبيا واداريا وحتى شعبيا واسعا داخل الاتحاد السوفياتي يقوم على صفقة مع اميركا لانهاء الصراع الأيديولوجي والاتفاق على مناطق النفوذ القائمة وإقامة علاقات على المصالح المشتركة للطرفين العظيمين وانهاء الحرب الباردة بما فيها الحرب الأيديولوجية التي تبذر الموارد للبلدين و لاطائل منها ، انهما اكبر امبراطوريتان في العالم وتعاونهما بدل حربهما هو الطريق ، خصوصا ان الاتحاد السوفياتي يحتاج لاستثمارات أميركية ضخمة كما هو ويمتلك موارد طبيعية ضخمة يمكن لاميركا الاستثمار فيها ويجني الطرفان من ذلك فوائد جمة ( عرض مغر ومواز لما أنجزته اميركا مع الصين نهاية السبعينات). تم اقناع واقتناع وحتى تدجين ترامب لتبني عقيدة المصالح المشتركة امام ضخامة الفرص الاستثمارية في الاتحاد السوفياتي، ونشر أفكاره وفق هذه العقيدة بنفس الشهر لرجوعه من موسكو معلنا دخوله الحلبة السياسية باعلان كبير عن "عقيدة المصالح المشتركة" وعلى صفحة كاملة من جريدة نيويورك تايمز وكلفته مئة الف دولار. كانت هذه اول مرة يعرف فيها ترامب ان له خطابا سياسيا غير كونه تاجر عقارات مافيوي في نيويورك. ان مصطلح تدجينه عقائديا من ال كي جي بي يعني انه ليس عميلا يقبض للتجسس وتجهيز المعلومات بل يقوم بالترويج السياسي لهذه العقيدة السياسية مقابل صفقات ومساعدات لدعم اعماله العقارية ) . طبعا لم يحلم حتى قادة مخابرات الكي جي بي وقادة الكريملن انه فعلا سيصل يوما للسلطة، ولكن حصل هذا بعد ثلاثين عاما وفي زمن بوتين، فليس كل الاستثمارات السوفياتية ذهبت هباء ، انه استثمار ملهم حقا ونهم وضخم المردود وورثه بوتين من السوفيت كما ورث 6000 الاف رأس وصاروخ نووي وعلاقات واسعة مع اليسار المناوئ للغرب في العالم ، ولكن استثمار ترامب كان واقعا اقوى واكثر مردودا ( كافة التفاصيل أعلاه موثقة جيدا في وثائقيات عن سيرة ترامب وزيارته لموسكو وإعلانه دخول عالم السياسة عام 1985 وصفقاته التي تلت مع المخابرات و الاوليغارخية الروس ويمكن الاطلاع عليها من خلال وثائقيات يوتوب الصادرة من قنوات أميركية رصينة مثل ABC و PBS والألمانية DW وسلسة 60 دقيقة الوثائقية المشهورة وسلسلة History Slices وغيرها من المؤسسات الإعلامية المرموقة). هذا هو اصل وجذر اللقاء العقائدي المشترك الأعلى بين ترامب وبوتين واستثمر فيه بوتين لدعم العقائد القومية المعادية لليبرالية في اوربا ومايسميه ترامب بوضع المصالح الأميركية أولا. ان ماسهل هذا التحالف العقائدي بينه وبين بوتين هو تحول روسيا من الشيوعية الى الرأسمالية مما جعل الخطاب القومي ومعاداة الليبرالية لهما واحدا ، أضافة لاصل العقيدة بتقاسم النفوذ في العالم وفق المصالح المشتركة للامبراطوريتان من خلال التفاهم وليس الاحتراب للسيطرة عليه. لم يستطع ترامب تحقيق الكثير في ولايته الأولى (لجهله السياسي وفقدانه للعقل والقدرة الاستراتيجية ،ولكنه اثبت انه مهرج شعبوي بارع في السياسة وليس من شأنه الخوض بالاستراتيجية) .كان قد استعان في ولايته الأولى برموز هامة من الحزب الجمهوري في كابينته ذات ثقل شخصي وسياسي محترف ومستقل عن أفكاره وطروحاته ، هم محملون بطروحات الحرب الباردة في إدارة العلاقة مع روسيا وتعميق التحالف الغربي مما خلق له مصاعب لقلة من يشاركه عقائده بالمصالح المشتركة بين روسيا والولايات المتحدة بين الجمهوريين. ولكنه في هذه الدورة صحح المسار وعين في كابينته أشخاصا مغمورين ولكنهم ذو ولاء كامل له تابعين ومطيعين ومرددين دوما لما يقوله وبانه القائد المنقذ العظيم لاميركا من الليبرالية ، ان ولائهم له شخصيا وليس للدستور والمصلحة الأميركية كما اعتاد عليه الاميركان ان يروه في مسؤوليهم من استقلالية. انشأ ترامب حركة ماغا داخل الحزب الجمهوري لتكون هي قاعدته وتحل محله بتصفية نفوذ عناصر الحرس القديم للحزب الجمهوري واحلال عناصر غير معروفة تدين بالولاء الشخصي له ،تماما كما فعل بوتين في روسيا، وكما يفعله أي ديكتاتور اخر. ورغم هذه الخطوة فهو،وعكس بوتين، يواجه حياة سياسية صعبة، انه يتصارع مع وسائل الاعلام ومع القضاء ومع حكام الولايات ولم يستطع السيطرة على أي منها في مجتمع مترسخ الأسس الديمقراطية ،وليس بسهولة تمكن بوتين ونجاحه بالسيطرة في مجتمع حديث العهد بالديمقراطية كما في روسيا. ان ترامب يصرح ويهرج يوميا بما يشاء ويصدر أوامر وقرارات ( ضم كرينلاند، ضم كندا، فرض 100% تعريفة على بلد ليعاقبه، قبول هدية ديزل من بوتين ، وصم اللاجئين الصوماليين ومن هاييتي انهم يسرقون القطط والكلاب من البيوت لطبخها، وانه أوقف ثمانية حروب حول العالم (ولا احد يعرف ماهي هذه الحروب) ، وانه سيمحي سيزيل من على الخارطة دولة وحضارة اسمها ايران ووزير دفاعه يقول نحن لا نمتلك الذخيرة الكافية ، وهكذا تسمع يوميا من هذا الشعبوي أمورا لم تألفها اذن الأميركي، ولا أي انسان عاقل في العالم سوى معتوهي القومجية، ليقوم بنفس اليوم الاعلام الحر بشرشحتها والسخرية من سلوك وتصريحات هذه الكينونة المافيوية الغريبة عن عالم السياسة و الذي اوصلته استثمارات ال كي جي بي في عقاراته الى السلطة في اميركا. نعم ان العالم اليوم يعيش في حالة سريالية وغير واقعية ،ولم يكن احد تصور هذه الحال ، حال وقوع اكبر دولتين في العالم بيد مخابراتي وحرامي مافيوي ، حتى قبل سنوات قليلة. لم يتوقع احد مثل حصول هجوم وغزو روسيا لاوكرانيا البلد ذو السيادة وفي وسط اوربا، وتخلي السويد وفنلندا عن الحياد، وانقلاب ترامب على اوربا الغربية والاتحاد الأوربي في سعي مشترك مع بوتين لتفكيكه، باعتباره معقل الليبرالية، ،وتعاونهما لجلب أحزاب قومجية ويمينية متطرفة للسلطة في اهم دوله، فرنسا وألمانيا، لتقوم بمهمة فرط الاتحاد الأوربي من القمة الى القعر وافراغه من مفاهيمه لينفرط تتحول دوله الصغيرة وبوجبات لقمة سائغة لبوتين ومنها إعادة امبراطوريته المزعومة .ان حسابات وشعارات ومنهج بوتين وترامب تكاد تكررنفسها كتلك التي عند هتلر وموسوليني قبل قرن ، لهم بنفس الطروحات والايديولوجيا وبنفس الأدوات، فيا لها من ظاهرة. ان بوتين يعي جيدا ان حياة ترامب السياسية قصيرة وجل ما يطمح اليه قبل رحيله هما امران، هزيمة أوكرانيا العسكرية واستسلامها لبوتين، وايصال حزب ماري لوبان للسلطة في فرنسا عام 2027 ( أي بعد تسعة اشهر) وحزب البديل لالمانيا عام 2029 ( تماما قبل انتهاء ولايته) وبعدها ان رحل عن السلطة يكون قد انجز مهامه وأهدافه. ولكن مايفوت بوتين ان مصالح اميركا كما يراها اغلب الاميركان هو التحالف مع اوربا ( 98 % من الميركان ) وليس مع بوتين ( فقط 2% للتحالف معه) وهكذا يبدو الامر، ان تحالف المخابرات ومافيوي يسعى اقتصاديا لاثراء عائلته من الاستثمار في طاقات ومعادن روسيا تحت أسم المصالح المشتركة، وسياسيا يسعى الى تفتيت الاتحاد الأوربي بوضع فرنسا وألمانيا بيد اليمين القومي، فان القضية ستبدأ تماما بعد كشف الاوراق، ماذا لو تم القاء القبض على حرامي الصفقات في نفس الدولة التي يضع مصالحها اولا ويتم كشف تفاصيل صفقات عائلته ، الى اين سيتوجه بوتين بعدها ؟ ربما للانكفاء من جديد الى الصين وايران وكوريا الشمالية ،ولكن معضلته ان الصين اليوم الاقوى وستحتويه، و ربما لو صمدت أوكرانيا عامين قادمين حتى رحيل ترامب فعندها ستحدث هزيمة بوتين معه بحصول تمرد وانهيار جبهته الداخلية لعدم تحقيق انتصار وجدوى هذه الحرب عموما والخسائر الجسيمة التي تكبدها الشعب الروسي والأوكراني لعدوانه. عندها سينتهي زمنه وتسترجع روسيا عافيتها عظمتها الحقيقية وتحولها لدولة ديمقراطية ، وستغيب نفس الشعبوية القومجية عن العالم لوهلة أخرى، ربما لعشرات السنين القادمة قبل ان يأتي بوتين جديد وترامب جديد في المواجهة الدائمة في العالم بين اليسار الليبرالي واليمين القومي (لاحظ ان اليسار العربي يقف مع اليمين المتمثل ببوتين ، فهو دائما وكالعادة مؤدلج وغشيم ولم يتمكن من استيعاب حقيقة وجوهر ومهمة اليسار الاجتماعي بإقامة النظم الديمقراطية والحريات واحترام حقوق المواطنة ، وليس اليسار من يصطف خلف النظم الأيديولوجية التي هي واقعا شمولية ديكتاتورية، يالها من فضيحة لهذا اليسار المهلهل المزرقش عندنا تراه مع بوتين وضد ترامب وكلاهما واحد).
والخلاصة التي نخرج بها ان السنتين القادمتان حرجتان للعالم، اما ان تؤدي لسيطرة بوتين وترامي ولو بان والبديل النازي الألماني وبقية القومجيات الشعبوية ويتم انحلال الاتحاد الأوربي وتقاسم العالم بين الامبراطوريات المزعومة ( تماما كما حدث قبل قرن بصعود القومجية كهتلر وموسوليني واشباههما في اليابان والقارة الاوربية) ،او بانهزامها وتمكن العالم من تجاوز هذه المحنة الخطيرة على الإنسانية، من تحالف قطبي المخابرات والمافيا واليمين القومي الأوربي لتقاسم العالم باسم إعادة مجد الامة الإمبراطورية. اني أرى ان حدوث أيا من هذين الاحتمالين مرتبط ،ويا للغرابة، بمصيرالحرب في أوكرانيا فان نجحت روسيا بابتلاعها ستعلن القومية الإمبراطورية انتصارها في العالم ويعاد رسم الخرائط الإمبراطورية، وان فشلت ستهزم القومجية شر هزيمة وتتحول روسيا لدولة ديمقراطية. وهكذا فالصراع في أوكرانيا هو الذي سيقرر مستقبل العالم ومنه ترى ترامب اليوم يرسم الطريق مع بوتين وكلاهما في سباق مع الزمن لاستسلام أوكرانيا قبل رحيله، فأي معسكر سينجح، انه واقعا صراع حول قيادة العالم ،وسنرى من سينتصر القومجية الإمبراطورية ام الليبرالية الاوربية والأميركية.
#لبيب_سلطان (هاشتاغ)
Labib_Sultan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مجتمعات الذكاء الاصطناعي والماركسية
-
من المسؤول عن تراجع منطقتنا العربية
-
الضجة من ترشيح عبدُل لمجلس الشيوخ الاميركي
-
مناقشة حدود حملة الزيدي لمكافحة الفساد
-
لماذا فشلت الوصفة البلشفية للاشتراكية
-
علي والمسيح مثالا لشخصيات علمانية من التاريخ
-
المحنة هي في ايران
-
نهاية غريبة لحرب ترامب على ايران
-
درسا من عشرة ملايين متظاهر في اميركا
-
هل سيقوم ترامب بتغير النظام في ايران وكيف؟
-
ألهزيمة ألترامبية والبوتينية في دافوس وميونيخ
-
8 شباط 196 بدء اغتيال العراق كدولة
-
أهم القضايا امام تجدد اليسار العربي
-
درس من ايران
-
البلطجة الامبريالية والبلطجة الايديولوجية
-
خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -4
-
خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -3
-
خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -2
-
خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -1
-
سخرية ورقة ترامب لانهاء حرب اوكرانيا
المزيد.....
-
توسك يطالب كييف بتقديم تفسير حول تحليق مسيرة أوكرانية فوق بو
...
-
فساد في صفقات المسيرات بأوكرانيا يكبد الدولة 5.6 مليون دولار
...
-
طبيبة أعصاب توضح تأثير التغذية على الحالة المزاجية
-
على أساس منصات مستوردة.. ممَّ تُجمَّع الأسلحة -الأمريكية الخ
...
-
نوع من الشاي يحمينا من تراكم الدهون في الكبد
-
الخارجية الجورجية تتهم الاتحاد الأوروبي بالتدخل في شؤونها ال
...
-
وزير الدفاع الإيطالي: أحداث الشغب جاءت بسبب -حرب هجينة- تسته
...
-
-الحوثيون- ينشرون مشاهد لاستهداف قوات سعودية من جبل هان غرب
...
-
15 عاما على مقتل القذافي.. خبراء يقدمون قراءة للمشهد الليبي
...
-
ألعاب نارية وقنابل حارقة وخراطيم مياه: تصاعد الاضطرابات في أ
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|