أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عبد الإله بسكمار - تازة العتيقة بين المواقف التاريخية والإكراهات التنموية















المزيد.....


تازة العتيقة بين المواقف التاريخية والإكراهات التنموية


عبد الإله بسكمار

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 03:46
المحور: المجتمع المدني
    


" ...ومدينة الرباط ( يقصد رباط تازة ) كبيرة في سفح جبل عال مشرف على بسائط تشقها جداول المياه العذبة وعليها سور عظيم " هكذا عرَّف صاحب الاستبصار المتوفى سنة 595 هـــ / 1198 م بمدينة تازة، خلال القرن السادس الهجري وبالضبط، أثناء فترة حكم الخليفة الموحدي يوسف بن عبد المؤمن، سنة 568 هــ / 1172 م وقد نقل عنه فيما بعد عبد المنعم الحميري المتوفى سنة 726 هـــ / 1325 م ويصفها المؤرخ المجهول في الاستبصار بأنها " مدينة كبيرة في سفح جبل عال " وهو يقصد دون شك، جبل تومزيت ( بعلو 1000 م ) جهة الجنوب الغربي للمدينة، علما بأن تازة العتيقة، أقيمت في الأصل فوق صخرة، على علو ما بين 60 إلى أزيد من 100 م/ 150 م عن تازة السفلى وهي ما يقصده المجهول بالبسائط، ثم حوالي 600 م عن سطح البحر، أي أنها تقع في حيز أعلى ومحاط بالمنحدرات ولا تشبه هذا الوضع التضاريسي إلا مدينة طنجة العتيقة وقصبتها إلى حد ما .
من معاني كلمة تازة " الصخرة " ، علاوة على " الفج بين الجبلين " وفعلا، فتازة العتيقة موقع محصن من الناحية العسكرية وعبر ثلاث جهات : الشرق والغرب والشمال، أما الجنوب فهو متصل بأحياء التقدم ( الكوشة ) وهي منحدرات، تعتبر امتدادا لهضبة تازة من جهة، ولغابة بوكَربة وتل الطواش والشقة وروس الرحي، من جهة أخرى ولعله لهذا السبب، سورت المدينة وبنيت أبراجها ونسقت أبوابها، وفقا للنظام القروسطي، عبر نفس الجهات، انطلاقا من العهد الموحدي، وتم ازدواج بل وتثليث السور الأثري عند الجنوب، خلال العصر المريني، وقد بدأ صراع بني مرين مع الموحدين بتازة حوالي سنة 614 هــ / 1217 م كما عُزز الموقع بخندق حربي، لا زالت آثاره موجودة لحد الآن، الشيء الذي يعتبر أمرا منطقيا، قياسا إلى هذه الجهة المكشوفة من تازة .
نحن نتحدث بالطبع عن تازة العتيقة، الممتدة عبر 74 هكتارا، على طول وعرض مساحة الصخرة المعلومة، جنوب غرب المدار الحضري للمدينة ككل وإذا كان الموقع مثاليا من حيث التحصين الحربي، إلى حدود بداية القرن العشرين، فإن شروطا أخرى، بقدر ما أتاحت أهمية عسكرية للموقع، بقدر ما جعلت ساكنته تعاني منذ بداية الاستقلال، خاصة مع تراجع الأدوار التقليدية للحواضر المغربية عموما، وتعويضها بأدوار مختلفة ومتنوعة، ومرة أخرى، بحجم ما نجحت هذه الأدوار ( الثقافية – السياحية – الصناعة التقلدية – المآثر العمرانية والمعالم الطبيعية...) في مدن أخرى، فإنها تعثرت بشكل واضح على صعيد تازة العتيقة والتي تواجه فعلا مصيرا غامضا في الوقت الحالي، إذا ما استمر الوضع على ماهو عليه طبعا .
ظلت تازة العتيقة منحصرة في الصخرة المعلومة، طيلة فترات ممتدة وأحيانا، بدأت تتوسع هنا وهناك، ونذكر فضاءات أسفل تومزيت وقرن النصراني غربا وجنان السلطان وحجرة كناوة شرقا، ثم قصبة بيت غلام المحسوبة على تازة الجديدة، غير أن النواة الأصلية للمدينة، انحصرت تدريجيا فوق الهضبة المحددة والمنتهية بمنحدرات صعبة وأحيانا حادة، وكان الولوج تاريخيا للمدينة العتيقة عبر باب الريح غربا ( المهدمة حاليا باستثناء بعض الآثار القليلة وذلك منذ 1985 ) وباب القبور إلى الجنوب الشرقي، انطلاقا من طريق جنوب قرن النصراني وماجوسة أو شمال قرن النصراني، أي عبر البحرة والملحة ودوار الجديد ( حاليا ) وأسافل كردوسة غربا وتنتهي المدينة شرقا بباب الجمعة وباب القبور جنوبا، اتجاها نحو جعونة ثم ما يتلوها من قرى ومداشر وصولا إلى مسون ومن ثمة، تافراطا وجرسيف .
ظهر الدور العسكري بوضوح عبر التاريخ ونتيجة لهذا، لعبت تازة وظائف خطيرة خاصة، في أوائل أو أواخر الدول المتعاقبة على المغرب، كدول الأدارسة والموحدين وبني مرين والسعديين، علاوة على فترات ضعف أو استقواء المخزن العلوي الشريف وكانت آخر وظيفة للحاضرة، أنها أصبحت مركزا هاما للجيش الفرنسي ( الجنود السنيغاليون أساسا واللفيف الأجنبي ) في مواجهة المقاومة شمالا ( الريف ) وجنوبا ( الأطلس المتوسط ) ، ما بين 1913 و1927 حيث حصنتها بعدد من معسكرات جيوشها يصل إلى 08، ثلاثة منها بتازة العتيقة، هي معسكر أوبري Aubry جنوب نفس المدينة ومعسكر كوديل أو كودير Coudel/Coudert غربها ثم معسكر Lacroixلاكروا شرقها، وقد لعبت تلك المعسكرات إلى جانب الأخرى أدوارا هامة في مراقبة وضبط الساكنة المعنية، من ناحية وتعبئة وحدات الجيش والعتاد من ناحية أخرى، سواء خلال المقاومة الأولى أو الثانية التي انطلقت في 02 أكتوبر 1955، فضلا عن ادوار متعددة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية .
أؤكد للقراء والمبحرين الكرام أنني لست بصدد مقال تاريخي محض، وإنما أحاول تحليل ما يمكن وصفه ب" الأدوار " التي لعبتها منطقة تازة و ساهمت في الاستقرار البشري وضمان استمراره، بفضل عناصر طبيعية وسياسية ومجالية ورغم وجود عوائق في نفس الوقت، عرقلت التطور الطبيعي لساكنة الناحية، أو حسنت آداءها، على حد سواء ولا يمكن في نفس المجال الضيق نسبيا، أي هذا المقال المتواضع إلا تتبع العناصر المتحكمة في المعاش أو النشاط الاقتصادي والاجتماعي، إذا شئنا القول وذلك عبر المسار التاريخي، وصولا إلى الحماية وبعد الاستقلال وبكل إيجاز و تركيز .
لقد سبق للراحل الحسن الثاني رحمه الله أن أشار في إحدى زياراته لتازة ( ماي 1970 ) إلى ما سماه بمشكل " التحويل " الذي لخصه في فشل إحداث تراكم اقتصادي محترم، يعوض النمط الاستعماري المبني على أساس إنفاق جيش الاحتلال الفرنسي وما ظل يصرفه المعمرون، الذين كانوا مستوطنين بين فاس وتازة واستفادة الساكنة المحلية من ذلك في ضمان معيشها لا غير، مع وجود قلة تنتمي للنخبة آنذاك كالتجار والفقهاء والقضاة وذكر أن نموذج طنجة الدولية سابقا يدخل في هذا الإطار أيضا ( الخطاب اُلقي بعمالة إقليم تازة سنة 1970 وطنجة حاليا شهدت وتشهد نهوضا مؤكدا كما يعرف الجميع، بغض النظرعن أسبابه ونتائجه ) .
ما لبث التهميش أن رافق المدينة العتيقة لتازة، طيلة مراحل الاستقلال والتي لن نفصل في أحداثها السارة حينا والأليمة أحيانا وقد ألصق بعضها بتازة ظلما وعدوانا وبهتانا، لأن كل من قاموا بها تربوا ونشأوا وتكونوا خارج الإقليم، جاء في الذكر الحكيم " ولا تزر وازرة وزر أخرى "، فتاريخيا بعد أن كان ممر تازة شريانا حيويا للتجارة وقوافل الحجيج والجيوش وحركات السلاطين، سواء بمحاذاة إيناون أو شماله، حيث المرور السهل من الحياينة فالتسول ثم مكناسة للوصول إلى تازة، تراجعت هذه الدينامية تدريجيا، بفعل عوامل شتى وعناصر متعددة .
ويمكن التأكيد أن تازة وأحوازها شكلتا معبرا ومستقرا معا ونذكر هنا الأنشطة الفلاحية من خلال حوضي وادي أمليل وبوحلو أساسا، أما الباقي، فيظل محصورا في الزراعة المعاشية، ثم الدينامية التجارية عبر الأسواق الأسبوعية، سواء على مستوى البادية أو المدينة والروابط التاريخية مع فاس ومكناس ودور المخزن المركزي، دون أن نتغافل عن الزوايا والطرق المختلفة بموازاة مع أنشطة التهريب، خلال القرن التاسع عشر وبداية العشرين، خاصة من الجزائر الفرنسية ومليلية المحتلة وأولا وأخيرا، ما يمكن تسميته بالاقتصاد العسكري الذي أشار إليه الملك الراحل وقد أنعش المدينة عقودا كاملة، بغض النظر عن الطابع الاستعماري وبعد الاستقلال وانتهاء ب" الانتعاش الصناعي " الذي عرفته تازة خلال تسعينيات القرن الماضي و لم يبق منه شيء يذكر حاليا بكل أسف .
منذ استقلال البلاد سنة 1956 وإلى حدود أواسط ثمانينيات القرن الماضي، ظلت تازة العتيقة تعتمد في معيشها اليومي على ما تذره مداخيل وأشكال التسوق ومصدرها السوق البراني أساسا، يوما الخميس والإثنين، ثم بدرجة ثانية، مداخيل جنود وضباط الحامية العسكرية، علاوة على فوائد الحي الصناعي ( في شطره الأول ) المأسوف عليه بعد ذلك، وهناك عناصر ثانوية أخرى، كمحطة حافلات شركة بوقلال سابقا والمستشفى الإقليمي ابن رشد، الذي يعاد إلى الوجود حاليا، ثم انتعاش بعض الصناعات والحرف التقليدية كتاحدادت – وتاخرازت وتاسفناجت وتاعشابت والخياطة الأصيلة، إضافة إلى صناعة الخشب، زيادة على منشآت إدارية أخرى كعمالة الإقليم، التي يوجد مقرها بالمدينة العتيقة خارج الأسوار، وطبعا يضاف كل هذا إلى أنشطة الخدمات المختلفة .
منذ التاريخ المشار إليه، بدأت تازة العتيقة في التراجع والانكماش الاقتصاديين، بعد نقل السوق الأسبوعي من باب طيطي، ثم تحويل المحطة الطرقية وتجميد المركز الاستشفائي ابن رشد ونقل المقر الرئيسي للحامية العسكرية إلى مدينة جرسيف، حيث اقتصرت تازة ككل على المصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية، الشيء الذي انعكس بشكل سلبي على ساكنة تازة عموما والمدينة العتيقة على وجه الخصوص والبالغة ما يناهز 60 ألف نسمة أي 28 % من مجموع الساكنة الحضرية لتازة، فباتت المدينة العتيقة وهي النواة الحضرية الأولى، بمثابة مهجع أو قاعة نوم Dortoir لا أقل ولا أكثر لعموم ساكنتها .
رغم شكايات تلك الساكنة وتنبيهات ومقترحات المجتمع المدني، فإن وضع تازة العتيقة ما زال على حاله، وأضيف كل هذا إلى الإشكالات المتعلقة بإنقاذ المدن العتيقة بالمملكة وصعوبات بنيوية أخرى، تتميز بها نفس المدينة وأبرزها، مشكل العزلة الذي زاد الطين بلة، ففي وقت تحتل فيه المدن العتيقة بفاس ومكناس والرباط وطنجة الصدارة كنماذج وتعد القطب المحرك لاقتصاد تلك المدن، أو على الأقل من أبرز محاور نشاطها الاقتصادي، بسبب الثقل التاريخي والمجال التضاريسي والموقع الجغرافي، إضافة إلى المؤهلات المختلفة، نجد تازة العتيقة، في المقابل، تعاني من عزلة كبيرة لا تجاه الإقليم والمحيط الوطني فقط، بل إزاء أختها الحديثة أيضا، نعم هناك بعض التفاعل بين الحاضرتين، عبر شارعي 03 مارس وعبد الخالق الطريس، إضافة إلى مسلك باب الجمعة، لكنه يبقى في الأخير محدودا على مستوى مردوديته الاقتصادية والاجتماعية .
يقوم مشكل العزلة في الأصل على الانزواء التضاريسي والجغرافي للمدينة العتيقة، وسبق أن وصفنا طبوغرافيتها بإيجاز، الشيء الذي يفرض حلا ناجعا وعاجلا، بدل أساليب الترقيع المختلفة ومن ذلك ضرورة إحياء مشروع الطريق الدائري، الذي كان من المفترض أن يتفرع عن الطريق الوطنية رقم 06 الرابطة بين شرق البلاد وغربها ( وجدة - فاس عبر تازة ) ويخترق كلا من الباطوار وماجوسة وبوحجار وصولا إلى تازة العتيقة، وكان المشروع قد ارتبط وقتذاك ( في عهد الأغلبية الاستقلالية لمجلس تازة ) بتنقيل السوق الأسبوعي من جهة، وإقامة محطة طرقية حديثة من جهة أخرى، غير أن أغلبية جديدة حلت بالمجلس إياه سنة 1992 وعصفت بالمشروع ككل، محولة ما كان يفترض بأنه موقع المحطة الطرقية إلى مقر للمقاطعة الحضرية وجماعة تازة المدينة (......) حلل وناقش .
كان من المفترض أيضا، لو طبق مشروع الطريق الدائري، أن ينعش اقتصاد المدينة العتيقة، بالإضافة إلى تفعيل البعد الثقافي والسياحي وعلى نحو مواز، من خلال المآثر التاريخية، كالمعالم الدينية والعسكرية والمدنية وبعض الحرف التقليدية، وصولا إلى المواقع الطبيعية المحيطة بها، غير أن هذا التفعيل في حد ذاته يعد - من وجهة نظري كأحد أبناء الحاضرة - غير كاف لإنعاش المدينة العتيقة ومدها بسبل النهوض والاستمرار والإشعاع، فلابد من ربط المشروع إياه ( الطريق الدائري ) بتصور حقيقي لإنقاذ تازة العتيقة، يتسم بالشمولية والفعالية مع إشراك المعنيين بالأمر، من تجار وحرفيين وصناع وخدماتيين، لأنهم أعرف وأدرى بواقعهم المعيش، يضاف هؤلاء إلى وداديات الأحياء والغيورين من أبناء تازة وممثلي المجتمع المدني .
من ناحية أخرى، لم تسفر كل الدراسات وأبرزها، مشروع إنقاذ تازة العتيقة منذ 2002 ومشروع تهيئة المدينة ومنطقتها الحمائية ( 500 م حول الأسوار التاريخية ) وصولا إلى قرار تصنيف تازة تراثا وطنيا، بموجب المرسوم الحكومي رقم 218.889 الصادر في 23 يناير 2019 والمعزز بالقانون 80- 22، كلها لم تسفر عن أي تقدم ملموس على أرض الواقع، باستثناء إعادة هيكلة قبة السوق وما جاورها، كأسواق النجارين والخضارين والعشابين والخبازين ( سابقا ) والقزدارين، وفقا للمخطط الملكي الذي هم 26 مدينة عتيقة، أما غير ذلك، فالنسيج العتيق آخذ في التآكل والاختفاء وأحيانا دون مراعاة الحد الأدنى من شروط البناء وخصائصه المتميزة والأصيلة، وبقيت الطرقات والأزقة على حالها، كما أصبحت 180 بناية آيلة للسقوط وتراجع المجال الأخضر بشكل ملموس ومن ثمة، تبقى تلك الوثائق على أهميتها في واد وواقع الأمور في واد آخر ومن حقنا أن نعلق هنا: إنه من باب " الطنز العكري " ما جاء في محضر إحدى جلسات المجلس الجماعي، باعتبار أن تصميم التهيئة لتازة العتيقة سيكون " وثيقة محفزة على التنمية وحركة للدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة " متى ؟ في عام الفيل أو عام القردية ؟ ربما .
لقد اقتُصر في ترميم الأسوار التاريخية على جزء من الجانب الشرقي، بمحاذاة شارع 03 مارس، لأنه الشارع الرئيسي الرابط بين التازتين وبقي الجزء الجنوبي والغربي يتساقط شيئا فشيئا، حيث ترك لمصيره، ناهيك عن إلقاء القاذورات والتي تكاد تغطي ( وبشكل مخجل للجميع ) جزءا كبيرا من الحيز الجنوبي الغربي، قرب برج سارازين وكان الغلاف المخصص لإصلاح الجزء الشرقي وترميمه منذ سنة 2011 هو 40 مليون درهما، فيما بقي تأهيل ساحة مصلى العيدين حلما جميلا على الرفوف، إلى إشعار آخر .
أما تأهيل النسيج العمراني، فاقتصر على بعض الخواص، الذين حولوا منازلهم التقليدية إلى رياضات وقاعات عروض، فبقي التأهيل في شموليته حبرا على ورق، كما أعيد التنصيص على برنامج تصميم تهيئة المدينة العتيقة، خلال دورة المجلس الجماعي العادية لشهر أكتوبر 2026 بشراكة مع الوكالة الحضرية لتازة وسبق لنفس النقطة أن نوقشت في إحدى دورات المجلس لسنة 2020 دون أي تفعيل على أرض الواقع، حتى فيما يتعلق ببرنامج التنمية المندمجة الحالي، الذي تشرف عليه الإدارة الترابية، فلم تشهد تازة العتيقة لسوء الحظ مشاريع حقيقية ومعتبرة لحد الساعة .
كأن الأمر يتعلق بحلقة مفرغة، تدور بين الوثائق وأشكال " القر " والحنجوريات، التي تمدح هذه الجهة أوتتملق وتنافق تلك وفي المقابل، هناك واقع مرير لا يرتفع، وخاصة الوضع المعيشي للساكنة، حيث سدت أمامهم كل مصادر الدخل على تواضعه، الشيء الذي عمق من ظواهر البطالة والبؤس الاجتماعي والانحراف المتعدد الأوجه، فضلا عن هجرة أبنائها إما إلى الخارج، أو نحو حواضر أخرى، قد تتهيأ فيها فرص دراسة الأبناء أوممارستهم لوظائف محددة، أو لمجرد الرغبة في تغيير الفضاء والانتقال إلى المدينة الجديدة لتازة، هذا هو الواقع الملموس، دون زيادة أو نقص، وقد ساهم في إفشال تصميم التهيئة لتازة العتيقة، منذ 2005 تسجيل ما يناهز 56 تعرضا من المواطنين خاصة، تهم مساكنهم وإقاماتهم، لأسباب متعددة، اُخذ أكثرها بعين الاعتبار، في حين ترك الباقي للمناقشة بين المجلس الجماعي ولجنة التعمير، الشيء الذي ساهم في تعقيد الوضع العمراني لتازة العتيقة وتشابك كل أبعاده، دون أن يعني ذلك غياب الإرادات الخيرة والاقتراحات البناءة من أجل إنقاذ تازة التاريخية .
من الضروري، وفق مقترحات المجتمع المدني أن يتوازى تطبيق مشروع الطريق الدائري مع إنقاذ حقيقي، يشمل الدور والفنادق والحمامات والمقاهي وما تبقى من الأفران العتيقة والمدارس والمعمار الديني وخاصة المسجد الأعظم وبالمناسبة، فعمره الآن ما يناهز 09 تسعة قرون وهو معلمة مصنفة وطنيا ومنه انطلقت المظاهرة الوطنية ضد الظهير البربري بزعامة المجاهد ابراهيم الوزاني التازي سنة 1934، وهو المسجد الجامع الذي مرت على أشغاله 08 سنوات ولا زال وضعه كما هو، أي الإغلاق إلى إشعار آخر ويضاف ذلك إلى مقرات الزوايا وأضرحة الفقهاء والمتصوفة، كما يجب أيضا إنعاش وتشجيع الحرف والمنتجات التي عرفت بها تازة منذ القديم ( حرفة الأعشاب والصابون البلدي والحدادة التقليدية مثلا )، بدل الملابس الجاهزة ( مع الاحترام لأصحابها ) التي هي موجودة في كل مكان وخاصة بالمدينة الجديدة، إذ التميز يجب أن يكون طابع المدينة العتيقة وليس تقليد الجاهز.
لا ضرورة للتأكيد عل القوانين الجاري بها العمل عموما، في ميدان الحفاظ على المآثر التاريخية، سواء ما اتخذ منها طابعا عاما، أو ما اختص بمآثر تازة كالظهائر الشريفة والمراسيم الحكومية، التي صدرت منذ 1916 وقانون التعمير رقم 90 -12 والذي يشمل في العديد من بنوده موقع المدن العتيقة من المجال الحضري، دون الحديث عن تصاميم التهيئة وأبرزها ما تمت المصادقة عليه سنة 2011 والذي ينص بوضوح على ضرورة إنجاز عمليات الترميم التي تهدف إلى حماية الأسوار والأبواب والأبراج والمساجد والمدارس .... إلخ .
لا نحتاج في هذا السياق إلى التأكيد على ضرورة ترميم حصن البستيون السعدي وهو من المعالم المصنفة وطنيا أيضا وتحويله إلى متحف للأسلحة، أو لمنتجات المنطقة وفنونها الشعبية ومساراتها الثقافية والرمزية، بعد أن أنصف القضاء المجتمع المدني وحكم بإزالة الخزان المائي غير المشروع، الذي أقيم بجانبه، مع التذكير بمقترح تحويل الساحة المجاورة للبستيون إلى فضاء للمسرح والعروض الفنية، دون إهمال باقي الأسوار والأبراج التاريخية وفتح المسالك نحو القرية النيوليتيكية وتأهيلها وموقع كيفان بلغماري، الذي يعود إلى العصر الحجري وهو نفس ما ورد من أفكار في مشروع تأهيل المدينة العتــــــيقة .
من مقترحات المجتمع المدني المحلي أيضا، أن يتحول الفضاء الجنوبي الشرقي الموجود جنوب مقر العمالة وحول روضة العلامة علي بن بري التازي، وذلك امتدادا حتى باب الجمعة شرقا إلى منتزه عمومي ومجال أخضر، يتيح للساكنة التنزه والتمتع بأحضان الطبيعة، وهو نفس ما يقترحه مخطط التهيئة لسنة 2011 مع استكمال مشروع تهيئة مجال باب الجمعة، عبر الحيز الأعلى، الذي بقي على حاله وتهيئة أزقة المدينة وتوحيد لونها، كما هو شأن العديد من المدن المغربية ( الأزرق السماوي أو الأبيض الفاتح بالنسبة لتازة العتيقة ) واستعمال الزليج التقليدي ما أمكن، مع الإنارة المناسبة ليلا، بغية إضفاء جمالية على المعمار الأصيل وترسيخ الخصوصية التازية المتميزة .
كما اقترح المجتمع المدني تأهيل المدرستين المرينيتين بتازة العتيقة، المدرسة الحسنية بالمشور واليوسفية مقابل الجامع الكبير، التي طالها إصلاح بئيس، لا يليق بتاريخها وتحويل هذه الأخيرة إلى خزانة مفتوحة في وجه الباحثين الجامعيين وعموم المهتمين، تضم ماتبقى من مخطوطات ومصنفات المسجد الأعظم والتي تتآكل حاليا، دون أي اهتمام أو تتبع وبالمناسبة، فقد تعرضت في فترات مختلفة لنهب ممنهج رهيب، اتضح أن أبطاله هم بعض الأسماء العلمية للأسف الشديد، محلية ووطنية، شمل العديد من تلك المصنفات ك " روض القرطاس " في التاريخ لابن أبي زرع و" أعز ما يطلب " للمهدي يبن تومرت، داعية الموحدين وبعض مؤلفات الصوفي الثائر ابن أبي محلي، فضلا عن كتاب الجهاد و" إرشاد المسافر إلى الربح الوافر" لابن يجبش التازي .
إن إدماج تازة العتيقة في النسيج الحضري، يعد ضرورة حيوية، تعزز المكانة التاريخية والرمزية للمدينة ومدارها الحضري جميعا وباعتبار المدينة العتيقة أصل النسيج الحضري ككل، وبدون ذلك، يبقى هذا النسيج كسيحا معاقا، رغم مظاهر التحديث والعصرنة، نعم توجد بعض المؤسسات الهامة ذات الطابع الثقافي أو الخدماتي، كمسرح الطفل والقاعة المغطاة ومقر عمالة الإقليم وبعض الإدارات، كفرع المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ومركب الصناعة التقليدية ( الذي أصابه الشلل منذ البداية لسوء حظ تازة ولا ندري الأسباب والظروف ) ودار رعاية المكفوفين وضعاف البصر، كما يرتقب قريبا انتهاء أشغال المستشفى الإقليمي ابن رشد شرق تازة العتيقة ( روني دورباس في عهد الحماية ) ومعه بعض التخصصات الهامة كالأنف والحنجرة، ما يفرض على الجهات المعنية إنجاح هذه التجربة التي تعتبر في الحقيقة استمرارا لمسار نفس المستشفى الرائد، خاصة على صعيد أمراض الصدر وعلل أخرى .
وأخيرا يبدو أن تأهيل المدينة العتيقة لا يخلو من صعوبات لحد الآن، تضاف إلى الصعوبات التي تواجهها المدن المغربية التقليدية عموما، غير أن تضافر جهود الجميع، من مواطنين ومنتخبين نزهاء وسلطات وصاية، يمكن أن يعجل بانتعاش الحاضرة ومن ثمة، أن تحظى كل المشاريع بالتوفيق لصالح الساكنة وحقها في العيش الكريم وطبعا، لن يتم ذلك بمعزل في نهاية المطاف عن أولويات الدولة مركزيا وسياساتها على المديين المتوسط والبعيد ولابد أن نشدد على أهمية البعد الجهوي في إطار التكامل والتضامن والتنسيق والتوازن التنموي والانسجام بين كل حواضر وأقاليم الجهة .



#عبد_الإله_بسكمار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حفريات دستورية مغربية
- الهجرات البشرية : محطات وأسئلة
- مغارة فريواطو بتازة : في سبيل إعادة الاعتبار لموقع سياحي متم ...
- إعدام المجلات الثقافية بالمغرب
- قراءة نقدية في الكتاب الجماعي - وقفات في تاريخ تازة – حاضرة ...
- ثريا وقصيدة من العصر المريني
- أضواء جديدة على ثورة الجيلالي الزرهوني - بوحمارة -
- كتابات ممهدة للاستعمار الأجنبي
- أضواء على دور الماء في التاريخ
- أهمية الكتابة المونوغرافية في تاريخ المغرب
- الوجود الروماني بتازة أسئلة تاريخية وإشكالات منهجية
- محطات من الكفاح الوطني المغربي لتحرير مليلية السليبة
- كتابات نسائية في تاريخ تازة، ما الهدف وأية استراتيجية ؟
- القصبات الإسماعيلية بالمغرب : أدوار تاريخية وأوضاع متردية
- حول العزوف عن القراءة في المغرب / معضلة المعضلات
- تازة والأحواز : من الآفاق الثورية إلى هموم التنمية
- أسوار تازة المغربية بين الإهمال والنسيان
- ما هكذا تورد ياسعد الإبل
- قصبة مسون : معلمة تاريخية تندب حظها التعس
- مشروعية النقد المزدوج


المزيد.....




- مجلس وزراء الإعلام العرب يؤكد دعمه لحقوق الشعب الفلسطيني وفي ...
- السعودية تعلن زوال الخطر في جازان، والأمم المتحدة تحذر من كا ...
- مجلس الأمن الدولي يمدد ولاية بعثة الأمم المتحدة في ليبيا لمد ...
- حملة اعتقالات تطال 45 فلسطينياً في الضفة بينهم نساء وصحفي أُ ...
- أحداث الشغب في فرانكفورت .. هل يتحول الجدل حول الجناة إلى شب ...
- ضبط معمل لتصنيع المواد المخدرة في جنين واعتقال مشتبه به
- بن غفير يدعو الشاباك لاعتقال جميع رؤساء الأحزاب العربية
- احتجاز أطفال واعتقال أسرى محررين.. اقتحامات واسعة لقوات الاح ...
- قوات الاحتلال تشن حملة اعتقالات واسعة في نابلس تطال 18 مواطن ...
- زاخاروفا: غرف التعذيب هي دعامة سلطة زيلينسكي


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عبد الإله بسكمار - تازة العتيقة بين المواقف التاريخية والإكراهات التنموية