أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الإله بسكمار - حفريات دستورية مغربية















المزيد.....

حفريات دستورية مغربية


عبد الإله بسكمار

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 02:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قد يعتقد الكثيرون أن المغرب لم يعرف من الحداثة السياسية شيئا قليلا أو كثيرا ونقصد الدساتير " الديمقراطية " وما يتبعها من دينامية نيابية ومؤسسات، تعد جزءا أساسيا من الحياة الديمقراطية، لم يعرف كل ذلك إلا مع مجيء الحماية الفرنسية ( مجلس شورى الحكومة والمجالس البلدية " المختلطة " كنماذج، سرعان ما انتهت إلى الفشل، تبعا لانهيار إصلاحات الحماية على وجه العموم ) والحقيقة أن البلاد عرفت إصدار بعض المذكرات والرسائل، ذات الطابع الإصلاحي الدستوري، بدءا من أوائل القرن العشرين وذلك سنوات عديدة قبل توقيع الحماية .
أمام تحديات التغول والتغلغل الاستعماريين من جهة وأوضاع البلاد من جهة أخرى، انتفض بعض المتنورين من المغاربة وغيرهم، إلى درجة اقتراح" دساتير" حديثة لا تتناقض ومقاصد الشريعة الإسلامية، منذ سنة 1900 من خلال مشروع الوثيقة الدستورية التي تقدم بها ابن سعيد السلوي كنموذج إلى السلطان مولاي عبد العزيز، وإن لم يشر إلا قليلا إلى المجالس المنتخبة و" اختيار الأكفاء لتسيير دواليب الدولة " كما كان هناك مجلس " للأعيان " من شيوخ القبائل ووجهاء المدن، شكله نفس السلطان سنة 1905 للنظر في ما يجري على الساحة الدولية، بشأن المسالة المغربية وخاصة الاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا، والذي تم سنة 1904 ومع كل أسف، لم يستمر هذا المجلس إلا مدة قصيرة، فاضطر السلطان بعد ذلك إلى الموافقة على مقتضيات عقد الخزيرات سنة 1906 دون الرجوع إلى العلماء أو استشارتهم، حسب محمد بالحسن الحجوي .
إضافة إلى ما ذكر، كان هناك مشروعان دستوريان ظهرا سنتي 1906 و1907 هما مشروع الحاج علي زنيبر السلوي المتوفى سنة 1914 ثم مشروع الشيخ عبد الكريم مراد وهو سوري ( ويذهب العلامة الزعيم علال الفاسي بأنه ليبي بالأحرى ) كان مقيما بالمغرب، خلال نفس الفترة ويهمنا منهما مسألة التمثيل النيابي، حيث تنص المذكرة الأولى على تشكيل مجلس للأمة عن طريق انتخاب " لجنة من عيون متنوري الأمة تحت رئاسة أفضلهم لاتخاذ الوسائل الإصلاحية "، كما ورد في الوثيقة الصادرة ضمن كتاب " مظاهر يقظة المغرب الحديث ج 2 ص 402 لمحمد المنوني ونصَّ المتن بصريح العبارة على " استخدام كل نزيه أمين في كل المصالح بحسب الاستحقاق " وعبر ديباجة مهمة، يؤكد فيها عبد الكريم مراد أمله في أن تلتحق مملكة المغرب بمملكة اليابان ( امبراطورية اليابان ) عبر الحكم الديمقراطي والاعتماد على الذات، لتحقيق الترقي المنشود وضرب المثل بمجلس أعيان فرنسا ( عهد الجمهورية الثالثة ) الذي كان يتألف وقتذاك من 328 عضوا ودوره الهام في الإصلاحات التي عرفتها فرنسا منذ ذلك الزمن، ثم عدَّد الشيخ مراد شروط الانتخاب بمجلس الأمة المغربي والذي ورد في المشروع المذكور.
كان لقبول السلطان مولاي عبد العزيز شروط الخزيرات سنة 1906 من مراقبة الموانئ وإنشاء الشرطة واحتكار جزء من البنك المغربي وتنظيم الجمارك وإحداث ضرائب جديدة والتي نصت عليها المعاهدة، أثرا سلبيا على الرأي العام المغربي وشكل في ذاته عاملا أساسيا لميله عنه ومبايعة أخيه المولى عبد الحفيظ بمراكش ثم فاس، رغم أن نص وثيقة الجزيرة الخضراء يؤكد بوضوح استقلال المغرب ووحدة ترابه وهنا نذكر البيعة الحفيظية المشروطة والتي قام عليها علماء وطنيون في تلك الفترة ( 05 يناير 1908 ) أبرزهم أحمد بلمواز والشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني والتي ورد فيها ربط بيعة السلطان المولى عبد الحفيظ بشروط، تهم الأمة أساسا .
جاء في البييعة الحفيظية بفاس " ...أن يسعى جهده - أي السلطان الجديد – في رفع ما أضر بهم من الشروط الحادثة في الخزيرات حيث لم توافق الأمة عليها " ونص هذا الميثاق الدستوري الرفيع على ضرورة " إخراج الجنس المحتل من المدينتين اللتين احتل بهما " ( يقصد وجدة والدارالبيضاء ) وتهييء وسائل الاستعداد للمدافعة عن البلاد وضرورة التخلص من الحمايات واستشارة الأمة في كل الأمور السلمية والتجارية وإذا ما عرض ما يوجب مفاوضة مع الأجانب " فلا يبرم أمر منه إلا بعد الصدع به للأمة " وبعد حرب أهلية لم تدم طويلا، تنازل المولى عبد العزيز عن العرش لفائدة أخيه .
كان للعوامل الخارجية دور هام في توالي المذكرات والرسائل ذات الطابع الدستوري، على اختلاف صياغاتها ودرجة تحفظها العام أو انفتاحها " الديمقراطي " على المجتمع والنخب الناشطة آنذاك، من علماء وفقهاء وتجار وشرفاء وأعيان، وضمن أبرز تلك العوامل إضافة إلى التغلغل الاستعماري ومكائده صدور الدستور العثماني سنة 1908 الذي خلف صدى كبيرا لدى النخب العربية الإسلامية وبينها المغربية، ورأى بعضهم أن يستعين المغرب بالأتراك في مسلسل الإصلاحات، حتى يفوت الأمر على الدول الاستعمارية الغربية، الشيء الذي تم جزء منه على عهد المولى عبد الحفيظ، لكن المسلسل ككل لم يكتب له النجاح، بسبب الأزمات الداخلية والتكالب الاستعماري .
في هذا السياق، يأتي دستور جماعة " لسان المغرب " الذي قدم للمولى عبد الحفيظ، ونشر بين 11 أكتوبر وفاتح نونبر 1908 في نفس الجريدة، التي ظلت تحمل ذات الإسم أي" لسان المغرب " وقد كانت تصدر بطنجة واعتبر المشروع جد متقدم، إضافة إلى البيعة المشروطة ويرجح الأستاذ علال الفاسي أن يكون واضعو دستور لسان المغرب مغاربة، رغم ورود كلمات وتعابير ذات طابع مشرقي كوسم المغرب ب" بلاد مراكش " مثلا، كما أن الروح الدينية تقتصر على مدخل المذكرة، بخلاف الوثائق " الدستورية " السابقة، مقابل طغيان روح الحداثة الغربية وعلى العموم، فإن تلك الصيغ والمضامين الحديثة، حول إعادة بناء الإدارة وضرورة النظام التمثيلي وإصلاح مالية الدولة وتحديث الجيش والتعليم وإنشاء المؤسسات، سواء منها المنتخبة أو المعينة، كانت ترمي في العمق إلى اتقاء الطمع الفرنسي والأجنبي معا وتفويت الفرصة عليه وهو نفس ما كانت تجسده النصيحة التي طالما وجهتها بريطانيا العظمى للمخزن المغربي وذلك طبعا ليس حبا في المغرب ولكن ضدا في منافسيها الاستعماريين وخاصة فرنسا .
يتكون مشروع لسان المغرب من ثلاث وتسعين مادة ( 93 ) الشيء الذي يعكس غناه وشموليته، تخص 11 مادة منها الدولة ودينها الرسمي، ثم اختصاصات السلطان ومقامه أما المادة 12 إلى 34 فتتناول حقوق المواطن والتركيز على جوانب المساواة والعدل فيها .
تقدم 21 مادة من مشروع لسان المغرب مقتضيات تشكيل ما سماه ب" منتدى الشورى " وهو يساوي مجلس النواب أو البرلمان حاليا وصنفه إلى هيئتين : مجلس الأمة ومجلس الشرفاء وألزم النواب بالعمل طيلة 11 شهرا من السنة، كما منع المشروع الجمع بين الوظيف المخزني وعضوية مجلس الأمة، أما مجلس الشرفاء، فأعضاؤه دائمون وهو مكون من أمراء الأسرة المالكة والشرفاء والعلماء وكبار الضباط والأعيان وهو يشبه كلا من مجلس اللوردات في بريطانيا ومجلس الشيوخ في فرنسا، وهناك بنود أخرى هامة، تخص اختيار أو انتخاب كبار المسؤولين في المخزن وصلاحيات الحكومة ومنها تعيين عمال الأقاليم والقبائل ويبقى لمجلس الأمة الحق في الاعتراض على تعيين من لم يره صالحا، كما نصت البنود على ضمانات مشرفة للموظفين المخزنيين، وهناك مراقبة مالية الدولة وتحديد رواتب الوزراء وكبار المسؤولين، كما قيد المشروع إلى حد كبير من ظاهرة الحمايات، وفق بنود معاهدة مدريد من جهة وقرارات المخزن من جهة أخرى، وقد اهتمت باقي بنود المشروع بالتعليم والإصلاح المالي والإداري .
مرة أخرى، لم تتح الظروف الصعبة داخليا وخارجيا لهذا المشروع الدستوري الهام أن يرى النور، وزاد من تعقيد الوضع المكائد الاستعمارية، التي استفحلت منذ مؤتمر الجزيرة الخضراء وإفلاس مالية الدولة وسياسة القروض والفتن الداخلية، فتحول السلطان مولاي عبد الحفيظ تدريجيا عن المطالب الوطنية، وكانت أزمة أكادير والمعاهدة الألمانية الفرنسية في نونبر 1911 بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فتوج كل هذا المسلسل التراجي/ كوميدي بتوقيع عقد الحماية بفاس في 30 مارس 1912 وتنازل المولى عبد الحفيظ عن العرش لفائدة أخيه مولاي يوسف .
لن نتحدث عن فترة الحماية الفرنسية، لأنها ببساطة خلو من أي تمثيل نيابي أو صيغ دستورية، بل فقط هناك معاهدة الحماية، التي حكمت كل الفترة بشد وجذب، حسب سياسات وتقديرات المقيمين الفرنسيين العامين الذي ظلوا طيلة 44 سنة حكاما فعليين، بالتنسيق التام مع حكوماتهم بفرنسا وبالاعتماد داخليا على ضباط الشؤون الأهلية والمراقبين المدنيين، وطبعا احتفظت الحماية بجهاز المخزن العتيق، ولكنه لم يزد عن هيكل صوري لتوقيع الظهائر والمراسيم التي ترتضيها السلطات الفرنسية .
عند استقلال البلاد كان هناك تيار سياسي رئيسي إلى جانب المخزن ويتمثل في حزب الاستقلال، ثم حزب الشورى والاستقلال وهو أول تنظيم مغربي، طرح الدستور والملكية الدستورية، بقيادة الزعيم محمد بلحسن الوزاني ووُجد الحزب الشيوعي المغربي والذي تمغرب انطلاقا من الحرب العالمية الثانية وأصبح يسمى حزب التحرر والاشتراكية ثم حزب التقدم والاشتراكية، بعد 1969 وقد عانى طويلا من التهميش والتضييق على أنشطته، تبعا لاتهامه بالإلحاد ( كذا ) وقتذاك، ثم تأسس حزب الحركة الشعبية، على يد الدكتورعبد الكريم الخطيب والضابط ( سابقا ) المحجوبي أحرضان سنة 1958 وفقا لتصريح أحرضان المثير والشهير" الشعب المغربي لم يضح من أجل الاستقلال ليفقد الحرية " وذلك بايعاز ودعم رئيس الحكومة الائتلافية الأولى والثانية مبارك البكاي .
في سنة 1959 انفجر حزب الاستقلال وأسس يساره بزعامة المهدي بن بركة والمحجوب بن الصديق وعبد الله ابراهيم والفقيه محمد البصري " الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال " ثم " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية "، الذي كان يضم المثقفين والطلبة ( الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ) والعمال ( الاتحاد المغربي للشغل ) وشريحة من التجار الصغار والمتوسطين، فضلا عن جناح عريض من المقاومة، وكان هذا اليسار ممثلا في حكومة عبد الله إبراهيم، بينما بقي الجناح التقليدي للتنظيم ، بزعامة علال الفاسي والحاج احمد بلافريج في إطار حزب الاستقلال، هذه هي صورة الحياة السياسية باختصار، عشية انتهاء عهد الحجر والحماية .
لحسابات سياسية معينة وفي مواجهة المطالب الدستورية للمعارضة وعوامل أخرى، أسس المغفور له الملك محمد الخامس رحمه الله ولأول مرة " المجلس الوطني الاستشاري " ووضع على رأسه الأستاذ المرحوم المهدي بن بركة، وصدر الظهير المتعلق بإنشائه يوم 03 غشت 1956 كما ألقى الملك خطاب افتتاحه يوم 12 نونبر 1956 وقد اتخذ المجلس مقره بقصر المامونية ( لا زال موجودا لحد الآن وهو مقر وزارة العدل ) ويتكون من 76 عضوا، تشمل 16 شخصية تمثل النزعات السياسية ( 10 لحزب الاستقلال – 06 لحزب الشورى والاستقلال ) و06 لشخصيات سياسية مستقلة و37 ممثلا للمنظمات الاقتصادية والاجتماعية ( 10 للاتحاد المغربي للشغل – 18 من الفلاحين – و09 عن التجار والصناع ) وأخيرا 17 ممثلا لهيئات مختلفة (المحامون - الصيادلة - المهندسون والعلماء وحبر عن الطائفة اليهودية ومنظمات الشباب والرياضة ) .
رغم أن هذا المجلس كان معينا وليس منتخبا، فقد شهد نقاشات عميقة بين مختلف فرقائه شملت الشؤون السياسية والاقتصادية ( ميزانية سنة 1957 مثلا ) والاجتماعية ( العدل والصحة والتعليم ) والقضايا الوطنية مثل المناطق المغتصبة و الخارجية كالتضامن مع الشعب الجزائري في ثورته العادلة واتباع سياسة عدم الانحياز والدفاع عن الشعوب المستعمرة أو المضطهدة، ولا ننسى متابعة وزراء الحكومة ومحاسبتهم، وقد وثق الحاج احمد معنينو رحمه الله بعض تلك النقاشات ضمن مداخلات نواب حزب الشورى والاستقلال، الذي كان يمثل المعارضة وقتذاك ( بين 1956 و1959 ) وسبق أن شهدت الساحة السياسية احتكاكات دموية أحيانا، ذهب ضحيتها العديد من الشوريين واتهم حزب الشورى التنظيمات الاستقلالية بأنها تقف وراءها، في محاولة منها " لفرض الرأي الوحيد والحزب الوحيد " وفقا لكتابات الشوريين وخاصة الزعيم محمد بلحسن الوزاني ثم جريدة الرأي العام .
أقيلت حكومة عبد الله إبراهيم " دون مبرر واضح " حسب الزعيم عبد الرحيم بوعبيد في ماي 1960، فانتهت بذلك مرحلة المجلس الوطني الاستشاري، لننتقل من الصراع حول أو داخل السلطة، إلى الصراع بين السلطة والمعارضة الوطنية الديمقراطية، فعشية أول انتخابات جماعية في تاريخ البلاد وقبل إعلان الدستور وبتاريخ 29 ماي 1960 صوت المغاربة لانتخاب أعضاء المجالس البلدية والقروية واتسمت المشاركة بالكثافة بين 4.172,000 ناخب / ة تراوحت بين 75 إلى 80 % ( بلغت الساكنة خلال نفس الفترة 9 ملايين نسمة ) فكان الأمر طبيعيا لأن الحماس ظل متدفقا والآمال عريضة، عشية الاستقلال ولم تتعد عدد التنظيمات السياسية المتنافسة في ذلك الوقت المبكر نسبيا، خمسة أحزاب ( حزب الاستقلال – الاتحاد الوطني للقوات الشعبية – حزب الشورى والاستقلال / الدستور الديمقراطي – الحركة الشعبية والأحرار المستقلين ) وللمفارقة، فقد اعتبرت تلك الانتخابات ولحد الآن إنجازا مهما تبعا لنسبة المشاركة المرتفعة .
تمخضت نفس العملية عن سيطرة المعارضة، أي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية على أغلب المدن الساحلية ( باستثناء أكادير التي لم تجر فيها الانتخابات تبعا للزلزال المؤلم الذي ضرب المدينة في فبراير 1960 ) والحواضر الكبرى، في حين تمكن حزب الاستقلال القديم من الهيمنة على أغلب مجالس المدن الداخلية، على حين اكتسحت الحركة الشعبية مجمل البوادي المغربية، في ظل هذه الظروف، التحق الملك الوطني محمد الخامس بالرفيق الأعلى، إثر عملية جراحية على الأنف بمصحة القصر الملكي، وكان قد تولى رئاسة الحكومة بعد وقت قصير من إقالة حكومة عبد الله إبراهيم، فأُعلن في الحين عن تنصيب ولي عهده الأمير مولاي الحسن ملكا على المغرب باسم الحسن الثاني، متقلدا نفس مهام أبيه الراحل وبدا واضحا أن شعار" المجلس التأسيسي لوضع دستور ديمقراطي " الذي رفعته المعارضة بقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، قد أصبح من الماضي، بعد أن تقدم الملك الجديد بمشروع دستور سنة 1962 وأعلنت المعارضة مقاطعة الاستفتاء عليه، مثلما سبق أن امتنعت عن المشاركة في أول حكومة مغربية بعد رحيل الملك محمد الخامس رحمه الله .
كان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الحزب الوحيد، الذي رفض الدستور ووصفه بأنه " ممنوح "، في حين اكتفى الاتحاد المغربي للشغل بالتصويت السلبي ( لا ) وفي الجانب الآخر، وافقت على مسودته كل الأحزاب الأخرى وعلى رأسها حزب الاستقلال وطبعا تم إقراره بأغلبية ساحقة، وهناك فروقات أساسية بين ذلك الدستور من جهة، وبين الدستور الحالي من جهة أخرى، حيث تم التنصيص في الديباجة خاصة وبشكل دقيق على بنود الهوية المركبة للمغاربة والملكية الدستورية ودور رئاسة الحكومة والمؤسسات الأخرى، كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمجلس الأعلى للقضاء، ولذا من باب التنطع الادعاء بأن المسودة التي وافق عليها الشعب المغربي سنة 2011 لا تختلف قليلا أو كثيرا عن مسودة الدستور الأول سنة 1962 ناهيك عن الدساتير الأخرى والتعديلات التي شملتها ( 1970 – 1972 – 1992 – 1996 - وصولا إلى دستور 2011 ) .
بموجب نفس النص الدستوري، الذي أقر سنة 1962 أعلن عن تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، المعروفة اختصارا ب LA FDIC لافديك وقد ضمت كل أحزاب الإدارة في ذلك الوقت، زائد حزب الحركة الشعبية وحزب الدستور الديمقراطي ( الشورى سابقا ) في حين كان الحزب الشيوعي المغربي محظورا، وحينما جرت أول انتخابات برلمانية بالمغرب فازت الجبهة ب 69 مقعدا يليها حزب الاستقلال القديم ب 45 مقعدا فالاتحاد الوطني للقوات الشعبية ب 28 مقعدا ومما يذكر أنه سقط من وزراء الحكومة ستة بينهم : الوزاني – أحمد العلوي – باحنيني – يوسف بلعباس – أحرضان وفاز المهدي بن بركة عن دائرة يعقوب المنصور في الرباط بأغلبية ساحقة .
تميز نفس البرلمان بوجود وجوه سياسية رفيعة كعلال الفاسي والمهدي بن بركة وعبد القادر الصحراوي وعبد اللطيف بن جلون وعبد الكريم الخطيب وغيرهم، وكانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فضلا عن السياسية، مدار المداولات ومن أبرز محطات ذلك البرلمان، ملتمس الرقابة الذي تقدمت به المعارضة الاتحادية، غير أن التجربة تمخضت عن شح في القوانين والتشريعات وزاد في الطين بلة انفجار الأغلبية الحكومية على إثر تصويت بعض أفرادها لصالح المعارضة، كما قاطعت هذه الأخيرة الانتخابات الخاصة بالمجالس المحلية والغرف المهنية وكانت أحداث 23 مارس 1965 مناسبة للتعجيل بالأمور، قبل أن تنفلت بشكل نهائي، فأعلن الملك حالة الاستثناء ليتعطل البرلمان ويدخل المغرب مرحلة جديدة، اتسمت بمحطات فريدة من نوعها وسماها البعض " الحقبة الأوفقيرية " والتي لم تنقشع غيومها نهائيا، حتى تم فتح ملف الصحراء المغربية في مناخ المسيرة الخضراء وما صاحبه من إجماع وطني سنة 1974 لتبدأ مرحلة المسلسل الديمقراطي والتي تخللتها هي الأخرى محطات كبرى لا تقل أهمية عن سابقاتها، كتأسيس التنظيمات النقابية المستقلة عن الاتحاد المغربي للشغل وظهور التيارات الأصولية واغتيال عمر بن جلون القيادي الاتحادي وعودة الشرعية القانونية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب وغيرها



#عبد_الإله_بسكمار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهجرات البشرية : محطات وأسئلة
- مغارة فريواطو بتازة : في سبيل إعادة الاعتبار لموقع سياحي متم ...
- إعدام المجلات الثقافية بالمغرب
- قراءة نقدية في الكتاب الجماعي - وقفات في تاريخ تازة – حاضرة ...
- ثريا وقصيدة من العصر المريني
- أضواء جديدة على ثورة الجيلالي الزرهوني - بوحمارة -
- كتابات ممهدة للاستعمار الأجنبي
- أضواء على دور الماء في التاريخ
- أهمية الكتابة المونوغرافية في تاريخ المغرب
- الوجود الروماني بتازة أسئلة تاريخية وإشكالات منهجية
- محطات من الكفاح الوطني المغربي لتحرير مليلية السليبة
- كتابات نسائية في تاريخ تازة، ما الهدف وأية استراتيجية ؟
- القصبات الإسماعيلية بالمغرب : أدوار تاريخية وأوضاع متردية
- حول العزوف عن القراءة في المغرب / معضلة المعضلات
- تازة والأحواز : من الآفاق الثورية إلى هموم التنمية
- أسوار تازة المغربية بين الإهمال والنسيان
- ما هكذا تورد ياسعد الإبل
- قصبة مسون : معلمة تاريخية تندب حظها التعس
- مشروعية النقد المزدوج
- حروب المياه ...إلى أين ؟


المزيد.....




- اتصال بين وزير خارجية الإمارات ونظيره الإسرائيلي بعد حادثة - ...
- أول تعليق لترامب على حادثة طائرة -فلاي دبي-
- رئيس الوزراء البريطاني يتحدث عن -مؤشرات قوية- تدلّ على ضلوع ...
- تونس تخفّف عقوبة السجن في قانون مكافحة الأخبار الكاذبة
- لندن: -مؤشرات قوية- على تورط إيران في حادث أمني قرب قاعدة جو ...
- كفيف يقاضي المتحف البريطاني لهذا السبب!
- وزير خارجية مصر السابق يجيب.. هل اتفاقية السلام مع إسرائيل ف ...
- بوتين يكلف الحكومة بجمع البيانات مركزيا لتدريب نماذج ذكاء اص ...
- السفارة الروسية في فيينا ترد على تطاول فان دير بيلين: تصريحا ...
- إيطاليا تمدد الرقابة على حدودها مع إسبانيا 15 يوما إضافية بس ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الإله بسكمار - حفريات دستورية مغربية