أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عبد الإله بسكمار - أضواء جديدة على ثورة الجيلالي الزرهوني - بوحمارة -















المزيد.....


أضواء جديدة على ثورة الجيلالي الزرهوني - بوحمارة -


عبد الإله بسكمار

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 16:11
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


لعل الدارس لتاريخ المغرب، تستوقفه ظاهرة مثيرة من بين ظواهر عدة، تتمثل في امتداد الثورات وأشكال التمرد المتعددة على مدى هذا التاريخ، بما يواكب ذلك من ظهور زعامات سياسية تقود تلك" الانتفاضات " أو التمردات، التي قد تتحول في بعض لحظات التاريخ إلى حركات مؤثرة في مجرى الأحداث وممتدة زمنيا ومجاليا، أو قد تصل أيضا إلى مستوى تأسيس دول قائمة الذات، وعلى هذا النحو، يصبح الزعيم/ المتمرد بعد حين يطول أو يقصر سلطانا للأمة ببساطة أو خليفة/ أميرا على المسلمين أو إماما للمؤمنين، إذا توفرت له طبعا الشروط الذاتية والموضوعية وربما شيء من الحظ أو مصادفات التاريخ .
أما إذا لم يحصل ذلك، فيظل الزعيم إياه متمردا أو عاصيا لولي الأمر أو خارجا عن الجماعة/ ناقضا للبيعة التي في الأعناق، ويرد كثيرا في الحوليات التاريخية بهذا النعت وهناك مفاهيم متعددة وذات حمولة قدحية غالبا ( Péjoratifs ) تلصق بمثل هؤلاء، بينها نعوت وصفات " الفتان " " الجلف " " العاصي " " الروغي " " الدعي " ثم " المنشق ( Décident ) كما في الأدبيات الاستعمارية أو حتى استعمال لفظ " الخائن (Traitre) وفي أفضل الأحوال، ومثلما حدث خلال بداية القرن العشرين، فقد يطلق عليه " المطالب بالعرش " ( Prétendant ) و يدل هذا اللفظ الأجنبي أيضا على معنى الخاطب أو الذي يطلب يد الفتاة (...).
تذكر المصادر والحوليات التاريخية وكذا الكتابات الأجنبية عددا من أسماء المتمردين أو الثائرين على السلطة المركزية ولن نسرد كل تلك الألقاب والأسماء المثيرة للزعماء ومعها أوصاف المنتفضين منذ الثورة البربرية الخارجية ضد الأرستقراطية الأموية سنة 122 هــ/ 739 م بقيادة ميسرة المطغري سقاء القيروان ومرورا بعشرات غيرهم وعبر الدول التي تعاقبت على المغرب، ومن ذلك كنموذج أن المهدي بن تومرت اعتبر خارجا عن الجماعة ومبتدعا وناقضا لبيعة أولي الأمر في عهد أواخر المرابطين، وعكسه القاضي عياض اليحصبي السبتي الذي ثار ضد الموحدين دفاعا عن بيعته " الشرعية " للمرابطين.
غير أن الداعية السوسي، أثبت بالمقابل جدارته في تأسيس دولة جديدة، نتيجة الثورة " السياسية القبلية " التي أعلنها على المرابطين وغلفها باعتبارات دينية، كاتهامهم بأنهم مجسمة للذات الإلهية ومبتدعة وممالئون للكفار والمقصود الميليشيات المسيحية، التي كانت تشكل الخيالة المرابطية منذ عهد علي بن يوسف، ولذا سنقتصر في هذا المجال على منطقة محددة خلال العصر الحديث وتدقيقا، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإلا فإن أغلب المناطق المغربية، عرفت ظهور فتانين أو مطالبين بالسلطة، في مختلف المراحل التاريخية، إما على نحو مباشر أو بشكل ضمني، علما بأن الثورات تغلفت بأقنعة متعددة أبرزها الجهاد والتصدي للاحتلال الأجنبي علاوة على التصوف والنسب الشريف مثلا .
اعتبارا من سنة 1844 تاريخ انهزام الجيش المخزني ومعه مجند و القبائل المغربية أمام الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال بيجو Bugeaut R.، وتوقيع اتفاق للا مغنية ( مارس 1845) الذي تحفَّظ المغرب وقتها على العديد من بنوده، ثم وقوع هزيمة حرب تطوان أمام الإسبان ( 1859 – 1860 ) لتزيد من عمق أزمة المخزن والدولة المغربية، طُرحت من ثمة وبحدة يفرضها الواقع الموضوعي أسئلة الإصلاح وهنا وإلى جانب شروط تاريخية أخرى، أصبح المجال سالكا لعدد من " الفتانين " ومدعي الجهاد ضد النصارى، وفي هذا السياق نفسه، ظهر إسم الأمير عبد القادر بن محي الدين الجزائري، الذي انطلق من بلدة معسكر وقاد الجهاد في القطر المجاور المحتل منذ 1830 وبعد عدة اتفاقيات ومواجهات مع الفرنسيين، لحقته الهزيمة فالتجأ إلى المغرب، حيث لقي كل مساعدة وترحيب، لكن نكبة إيسلي وتصرفات الأمير المناوئة للسلطان المولى عبد الرحمان بن هشام، جعلته يتحول إلى مجرد " فتان " وبقية المسلسل معروفة .
لقد خلف الأمير عبد القادر رغم هزيمته، تأثيرا بليغا في شمال وشرق المغرب وجنوبه الشرقي، حيث واصل الدعاة إلى " الجهاد " مساعيهم خاصة وسط قبائل المنطقة، ولاسيما تلك التي كانت تتقاسم الترابين : المغربي والجزائري، كاولاد سيدي الشيخ مثلا، أكثر من ذلك، كان الجهاد أحيانا ينطلق من بعض الزوايا ويعني الصراع مع المخزن، تبعا لموقفه المتذبذب إن لم نقل المهادن تجاه القوى الأوربية منذ التاريخ المشار إليه، ونحن ندرك تماما سياسته خلال هذه الفترة الدقيقة، حيث لعب على التناقضات الاستعمارية وسعى جاهدا إلى إصلاح البلاد وربح الوقت، حتى لا تصبح لقمة سائغة في يد الأجانب، ويمكن أن نسوق هنا ثورة الغرب بقيادة " روغي " من فرع الروكَا المنتمي إلى قبيلة سفيان، وهو قد سبق الروغي الجيلالي الزرهوني بعدة عقود .
وعود على بدء، فلسنا بصدد تحليل حركة عبد القادر ومراميها، لأن هذا يحتاج مقاما أوسع مجالا، ناهيك عن أن نتعرض لأوضاع المغرب التي مهدت للحماية وتشمل تفاصيل كثيرة، فضلا عن أن موضوعنا يتعلق اختصارا بمرحلة تاريخية، ظهر خلالها عدد من الزعماء والدعاة وشيوخ القبائل والزوايا، كانوا يُتهمون بالتمرد أو العصيان أو الخروج عن البيعة الشرعية للإمام وأحيانا يُرمون بالسعي وراء خراب المسلمين، لأن شأن الجهاد وإعلانه مختصان بولي الأمر وحده، حسب ما أفتى فيه الفقهاء المغاربة خلال هذه المرحلة التاريخية، وعبر مختلف العوامل التي أدت إلى هذه الظاهرة ومدى تداخلها مع مرحلة المقاومة نفسها والمآلات التي صارت إليها، بحيث يطرح السؤال: هل ثمة قطيعة أم استمرار في نفس المسار ؟ .
لا يمكن مثلا فصل حركة الجيلالي " الدعي " أو " الروغي " الزرهوني الملقب ب" بوحمارة " عن طبيعة الحقبة الزمنية، التي جعلت من الحاكم الشرعي نفسه ( نقصد المولى عبد الحفيظ ) سلطانا للجهاد بعد أن انتزع العرش من أخيه مولاي عبد العزيز وذلك قبل أن يرضخ مجبرا لشروط الخزيرات ومن ثمة، يستسلم لفرنسا القوية موقعا عقد الحماية، فكما نلاحظ، تبدو الأمور أعقد بكثير مما يظن البعض، غفر الله لنا ولهم ونفس الشعار، أي الجهاد ضد الأجانب - والحال أنهم احتلوا جزءا من التراب المغربي- رفعه كل الفتانين الذين ظهروا قبل أو خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ البلاد : بوعزة الهبري ولد العربي – الشيخ بوعمامة وابنه الطيب – احمد الريسوني الذي يعده عدد من مواطني جبالة المغربية بطلا مجاهدا، في حين لا يتعدى عند البعض الآخر زعيم عصابة وقاطع طريق (؟؟؟).
هناك عبد المالك ابن الأمير عبد القادر الجزائري وأهدافه الملتسبة والذي كان تارة مع الفرنسيين ومخزن مولاي عبد العزيز وتارة أخرى مع الإسبان في مواجهة قوة محمد بن عبد الكريم الخطابي والذي ألصقت به فرنسا وإسبانيا كما هو معروف لقب " الروغي " أيضا !! وتارة ثالثة مجاهدا ضد فرنسا (......) ويمكن أن نذكر أسماء أخرى عديدة كالهيبة بن ماء العينين والشنجيطي والحجامي ومولاي الكبير ومولاي الزين ( وهذان الأخيران من إخوة المولى عبد الحفيظ ) ولا نتحدث عن قياد الجنوب من أجل ألا " نذهل عن المقاصد " بتعبير العلامة ابن خلدون .
لقد كان المفهوم ذاته أي " الجهاد " أمام ضعف المخزن الشرعي في تلك الفترة وراء ظهور" زعامات " هنا وهناك وليس في منطقة تازة وحدها، تبعا أولا لدخول الأجنبي/ النصراني بلاد الإسلام، ثم القضم التدريجي لأراضي الإيالة المغربية الشريفة، ولم يك احتلال كورارة وتديكيلت وتوات إلا مقدمة لاستعماريي الجزائر، قصد بسط النفوذ الفرنسي على المغرب، وفضلا عن هذا الجانب الحساس بالنسبة للمغاربة الغيورين على دينهم ووطنهم في ذلك الوقت، فإنه التبس ببعض الأهداف الأخرى الضمنية حينا والواضحة حينا آخر، كالطمع في العرش والاستيلاء على القبائل واحتكار السلطة والتحكم والاستبداد مع بعض مفاهيم الإصلاح الغامضة أوالمضببة وغيرها.
مثلما اندغم نفس الجانب مع شعار " العودة إلى الدين وأحكامه " للاعتقاد الذي ساد خلال تلك الفترة ( ولا زال موجودا لحد الآن ) أن سبب الانتكاسات والهزائم هو ابتعاد الناس عن أحكام الإسلام الحنيف، وهذا لا يعني وجود خلط منهجي بين جميع هذه الزعامات، فلكل منها خصوصياته المجالية والبشرية وحتى القبلية والرمزية كعنصر الانتماء للبيت النبوي الشريف وامتداد " المجال الحيوي " للحركة ( القبيلة – الصحراء – الوطن – الجبل - الفضاء الديني كدار الإسلام مقابل دار الحرب...) وتزعم مجموعة قبلية أو زاوية صوفية معينة أو على الأقل التوسط والتحكيم مثلا وغيرها من العناصر التي حركت مغرب ما قبل الحماية .
إذا تناولنا عبر هذا الجانب فقط حركة ملتبسة أثارت العديد من التساؤلات وكلفت كثيرا من الصفحات والمداد والنقرات، وتطلبت حجما كبيرا من التحاليل وبعضها لا نشك في موضوعيته وتاريخيته، غير أن البعض الآخر حفل بالأحكام الجاهزة والمتسرعة بل والمغلوطة أحيانا ومنذ عدة عقود، فقطعا، علينا أن نضع كل العناصر السابقة وغيرها في الحسبان، ونقصد حركة الروغي الفتان الجيلالي بن ادريس بن عبد السلام اليوسفي الزرهوني الملقب ب " بوحمارة " وهو اللقب الذي أطلق عليه من قبل خصومه عموما، لا من طرف محيطه أو تابعيه في تلك الفترة، كما لا يخفى، لأنهم ببساطة كانوا ينادونه بمولاي امحمد ويعتبرونه على الأقل أخا للسلطان.
لقد امتدت حركة هذا الفتان زمنيا بين خريف 1902 وصيف 1909، ولا ندعي الإحاطة بجميع عناصر الموضوع، نظرا لضيق السياق من جهة ووجود بياضات مهمة في بعض مراحل الحركة من جهة أخرى وهذا يعود بدوره إما لنقص معين في الوثائق التاريخية أو لتدخل عناصر أخرى ذات طابع سياسي أو أيديولوجي، ولذا لابد من الإشارة باختصار إلى العوامل التالية :
- القرب النسبي للحركة زمنيا إلى حقبة المغرب الحديث وخاصة المرحلة الرسمية للحماية الفرنسية على المغرب والتي بدأت سنة 1912 وانتهت عام 1956، ما جعل الحديث عنها ملتبسا بما عرفته البلاد منذ تلك الفترة، وحتى بعد الاستقلال، عبر تأثير من الأحداث والوقائع ومجمل المواقف المختلفة والمتعددة .
- ورود أخبار الحركة من خلال الوثيقة الفرنسية ثم الإسبانية ( فوانو – لوي أرنو – ويسجيربر- ريجينالد كان – إدواردو ما لدونادو – مارتان – شارل أندري جوليان/ وثائق وزارة الخارحية الفرنسية ووزارة الدفاع ) وهناك الوثائق المخزنية ثانيا ( ع الرحمان بن زيدان – المختار السوسي – بوعشرين - غريط – الحجوي – عبد الوهاب بن منصور وغيرهم ) ، ولم تتم دراستها بشكل منهجي إلا قليلا وعند بعض الباحثين الجامعيين أساسا، اعتبارا من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كما نلحظ عند المرحوم عبد الرحمان المودن والأستاذ عكاشة برحاب وذ محمد الصغير الخلوفي وذ ابراهيم كريدية وذ محمد خير فارس كنماذج فقط.
- وجود مساحات بياض على نحو ما سبق الذكر أو مجالات مسكوت عنها لسبب أو لآخر، تتعلق إما بشخصية الفتان أو" جهازه المخزني " أو المرحلة التاريخية أو القبائل التي ساندته، أو حتى بعض هزائمه وانتصاراته، ولم يتم الكشف عن تلك الصفحات لحد الآن في إطار مصـــــالحة المغاربة مع تاريخهم .
يعد الاعتماد على هذه العوامل أثناء التحليل ضروريا، من وجهة نظرنا ومن الناحية المنهجية، قصد التمهيد لمقاربة تهدف إلى تحقيق الشروط العلمية الموضوعية ولو في حدها الأدنى، وضمن الالتزام بطبيعة التيمة التاريخية التي نتناولها .
من باب التكرار الممل أن نعيد سرد مختلف الأحداث التي ميزت هذه الحركة وزعيمها الذي انتحل شخصية الأمير مولاي امحمد ( فتحا ) الابن الأكبر للمولى الحسن ( الأول ) وولي العهد الشرعي، وادعى فيما ادعى أن الإنجليز قاموا بترحيل أخيه إلى " اللندرة " وأن الجالس على العرش لا يعدو أن يكون شخصا إنجليزيا، وقد استغل الروغي العناصر التالية بشكل ينم عن ذكائه الحاد :
- ضريبة الترتيب التي سنها المولى عبد العزيز بدفع من ممثل إنجلترا السير ما ك لين، وتعد هذه الضريبة التي كان من المفروض أن تحل مكان الزكاة والأعشار الشرعية، من أبرز مظاهر التحديث لدى السلطان الشاب مولاي عبد العزيز، في حين أن حركة الروغي ظلت ذات طابع محافظ عموما، يتجلى ذلك في الالتزام بالشعائر الدينية وتوقيف " الحركات " والمواجهات خلال المناسبات كعيد الأضحى .
- ارتماء السلطان المولى عبد العزيز في عالم المخترعات الأوربية من راديو وقطار وآلات موسيقية ورياضية وغيرها، مما كلف ميزانية المخزن غاليا، الشيء الذي دفع السلطان أخيرا إلى طلب قرض يقتطع 60 % منه من مداخيل الموانئ والجمارك، إلى درجة أن تقولت فيه الرعية الشيء الكثير والمبالغ فيه أحيانا، ولنتصور درجة الوعي الحضاري عند المغاربة في ذلك الوقت، إذ لاشك أنه كان متدنيا على نحو فظيع، حتى علق محمد بلحسن الحجوي " وكل يوم تنشر على الألسنة مناقب وأعمال كلها أو جلها لا حقيقة له " ويضيف " وكان السلطان مولعا بركوب الدراجة ( البيسكليط ) ولم يكن موجودا بالمغرب فعدوه كفرا " ويعلق فوانو Voinot من جهته " أثارت نزوات السلطان استياء عاما للمغاربة، فقد اتهمه رعاياه بأنه باع البلاد للمسيحيين " ويضيف الضابط والباحث الفرنسي " في مناخ القلق هذا، كان بإمكان شخص طموح أن يطلق العنان لثورة عارمة " .
- تعد مظاهر فساد البطانة العزيزية من أبرز عوامل الثورة إلى جانب التفريط في التراب الوطني، فقد أفاضت المصادر المخزنية في وصف تلك المظاهر من رشاوى وبيع الوظائف جهارا وأشكال الظلم وعدم انتظام الأحكام واللعب بالرقاب والدماء وغيرها مثلما أورده محمد بن الحسن الحجوي .
- اتفاقيتا توات وباريس سنة 1901 حول الحدود المغربية والتي وقعها عن الجانب المغربي عبد الكريم بن سليمان وزير البحر ( الخارجية ) ومحمد الجباص العلاف الكبير ( وزير الحربية ) من جهة وكل من السفير سان روني طيانديي ووزير الخارجية الفرنسي دولكاسي من جهة أخرى والتي كانت عبارة عن مناورة استعمارية ماكرة، جعلت المغرب يضفي شرعية ما على احتلال مناطق ومواقع من جنوبه الشرقي ( ألحقت فيما بعد بالجزائر المستقلة ) مثل كورارة وتديكيلت وتوات، وكان لرفض الرأي العام لها تأثير مباشر على ثورة الروغي، يعلق عبد الوهاب بن منصور" كانت أفكار تلك القبائل ( يقصد التي أيدت الفتان ) متغيرة على المخزن بسبب التفريط الذي حصل في قضية توات والاتفاقيات التي عقدها عبد الكريم بن سليمان ومحمد الجباص مع فرنسا والجزائر بشأن الحدود " .
- إعدام الشخص المغربي المدعي أنه شريف علمي من طرف المولى عبد العزيز، بعد أن أطلق الشخص النار وأردى مبشرا إنجليزيا كان قد تجرأ على الحرم الإدريسي بفاس، رغم لجوء الشخص المسلم إلى نفس الضريح .
- يثبت باحثون أجانب كمارتانMartin أن عسكر الفتان بقدر ما واجه جيوش وحركات المخزن العزيزي، تصدى في نفس الوقت لجيوش الاحتلال الفرنسي كما حدث في 17 و 20 غشت 1903 بحاسي لغزال والنخيلة وتاغيت وفي 02 شتنبر واجه الفرنسيين في واد زوزفانة ( ثورة بوحمارة / كريدية ابراهيم )
وعلى هذا، يمكن اعتبار الروغي ممثلا للمعارضة في ذلك الوقت، بغض النظر عن مسألة المطالبة بالعرش، ويؤكد الأمر أن جزءا من علماء فاس، بينهم بعض كبار شيوخ القرويين، كانوا مع قضية الروغي الجيلالي الزرهوني، كالعلامة أحمد بن الخياط وتلميذه الفاطمي الشرادي والعلامة الحاج ادريس بن محمد الجامعي، إضافة إلى عدد آخر من علماء وفقهاء كل من الجنوب والمنطقة الشرقية والريف، كنماذج فقط ويمكن أن نضيف اتصال مولاي الرشيد الذي كان خليفة للسلطان مولاي عبد العزيز على تافيلالت بالروغي وإعلان تأييده له ونفس الاتصال وقع مع أحمد الريسوني المشار إليه سابقا، الذي كان ثائرا ببلاد الهبط واتفقا على عمل مشترك ضد الفرنسيين الطامعين في البلاد " فولاه بوحمارة قبائل جبالة " والكلام ليس لي وإنما هو لعبد الوهاب بن منصور .
إن تعقيد وتشابك الحدث التاريخي في موضوع الفتان يطرح نفسه منذ البداية، ولكن رغم ذلك يمكن فرز محاور أساسية، تشكل أرضية قاعدية صلبة لتحليل ذلك الحدث وهي كالتالي :
- تعد شخصية الجيلالي بن ادريس الزرهوني الملقب من طرف خصومه ببوحمارة، ملغزة خاصة في مراحل نشأتها الأولى، حيث تضاربت المصادر في تاريخ ولادته بدوار ولاد يوسف قرب زرهون وهنا نسجل عدة سنوات : 1860 – 1864 - 1865- 1862 – 1868 وتكتفي المصادر، بتأكيد أن الرجل هو ابــــــن دار المــــخزن، بدليل أنه انتظم في سلك الطلبة المهندسين المبعوثين إلى فرنسا ملتحقا بالمدرسة العسكرية في مونبولييه من طرف السلطان المولى الحسن الأول، فأصبح مهندسا طبوغرافيا، حيث خدم في الجيش ثم انتظم في القصر السلطاني بمراكش، إذ شغل كاتبا لمولاي عمر أحد إخوة المولى عبد العزيز، ثم لدى حمو الحسن قائد بن مطير، قبل أن يتوجه إلى تونس فالجزائر ويدخل أخيرا إلى المغرب.
- إن تأييد قبيلة غياثة المحيطة بتازة للروغي تم خلال سوق أسبوعي بالحياينة، فمنها اتخذ جزءا من بطانته وقيادته وجيشه، وقد اشتهرت هذه المجموعة القبلية بشراستها على مر التاريخ واعتزازها باستقلالها وحريتها التي قد تصل إلى درجة الفوضى، مع تبعيتها شكليا للمخزن، كما أورد ذلك رحالو الفترة كدوفوكو ودوزكونزاك، ولكن ولاءها أصبح مضطربا بعد تبين حقيقة الروغي، وأشكال شعوذته التي مارسها خاصة في بداية أمره كإشعال النار في مزرعة للنعناع واستعمال الراديو بشكل ماكر وتم تفسير ذلك بكرامات الروغي.
- لقد اتجه الفتان في البداية نحو مدينة تازة لموقعها الاستراتيجي المتحكم في شرق وغرب المغرب، وكانت المدينة محسوبة على المخزن وفي نفس الوقت تحت رحمة قبيلة عياثة ( أو بالأحرى بعض فروعها حتى نكون منصفين ) التي ظلت تستبيح المدينة غير ما مرة وتقطع المياه عنها، وبعد يومين من المفاوضات مع أعيان تازة، قبلوا في النهاية تسليمه إياها " خوفا من بطشه بعدما يئسوا من وصول نجدات عسكرية من فاس " حسب بن منصور، فيما فر عامل المخزن عبد السلام ولد الشكرة إلى مكناسة شمال تازة التي ظلت في مجملها مخلصة للمخزن الشرعي .
- توجه الروغي في بحر سنة 1903 إلى مدينة وجدة ومنذ ذلك الحين اتخذها عاصمة له، حيث أخذ البيعة هناك، وظل إلى حدود سنة 1905 بالمنطقة الشرقية علما بأنه أيضا اتخذ سلوان في المرحلة الأخيرة لحركته عاصمة له .
- كانت ساكنة مدينة تازة في حاجة ماسة للأمن بعد استباحة أملاكها وأرواحها ( أحيانا ) ولذا وجدت في " مخزن " الروغي الملاذ والحماية اللازمة يقول الحجوي نقلا عن كتاب / رسالة من أحمد بن كيران أحد أعيان تازة، أرسلها لوالد الحجوي " بتاريخ 1902 " ومنذ حل عندنا بتازة ( يقصد حلول الروغي ) ما بقي يسمع هذا ضرب هذا ولا هذا أخذ مال هذا، ونزلت الرحمة ونزع الله الخوف والفزع من القلوب " ولعل النتيجة أن تكون منطقية فنفس المجموعة القبلية التي كانت متغولة على أهل مدينة تازة، أصبحت جهازا مخزنيا يحميهم وينشر الأمن بينهم .
- لم يكن أهل مدينة تازة على مستوى واحد سواء في تأييد الفتان أو المخزن الشرعي، فقد كان الشرفاء إلى جانب المولى عبد العزيز، على حين ظل الفقهاء في معسكر الروغي، ويقال إن عموم مكناسة كانوا مع المخزن وانعكس هذا الخلاف حتى داخل الأسر التازية نفسها وفيما يخص التحالف مع فرنسا لم يثبت رسميا، علما بأنه كان يوجد في محيط الروغي بعض الفرنسيين كالمهندس ديلبريل ولكن على نحو فردي وليس باسم الدولة الفرنسية، كما أن كل المصادر لم توضح مصير الصفقة مع الإسبان في استغلال مناجم ويكسان بالريف، هل تحققت أم لا، وللعلم فإن مختلف القبائل وأنصار دعوة مولاي عبد الحفيظ كانوا يرون أن تعاون بوحمارة مع الإسبان أخف ضررا من تعاون المخزن الشرعي مع الفرنسيين " حسب ع الوهاب بن منصور.
هذه عناصر نعتقد أنها ضرورية وهي تعزز القراءات الموضوعية لفترة حرجة من تاريخ المغرب .



#عبد_الإله_بسكمار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتابات ممهدة للاستعمار الأجنبي
- أضواء على دور الماء في التاريخ
- أهمية الكتابة المونوغرافية في تاريخ المغرب
- الوجود الروماني بتازة أسئلة تاريخية وإشكالات منهجية
- محطات من الكفاح الوطني المغربي لتحرير مليلية السليبة
- كتابات نسائية في تاريخ تازة، ما الهدف وأية استراتيجية ؟
- القصبات الإسماعيلية بالمغرب : أدوار تاريخية وأوضاع متردية
- حول العزوف عن القراءة في المغرب / معضلة المعضلات
- تازة والأحواز : من الآفاق الثورية إلى هموم التنمية
- أسوار تازة المغربية بين الإهمال والنسيان
- ما هكذا تورد ياسعد الإبل
- قصبة مسون : معلمة تاريخية تندب حظها التعس
- مشروعية النقد المزدوج
- حروب المياه ...إلى أين ؟
- السياسة الجهوي بالمغرب : من أجل عدالة مجالية
- مشور تازة : دلالات عمرانية وتاريخية
- ....ويحدثونك عن تصنيف مدينة تازة تراثا وطنيا
- قبة السوق بتازة : قبس من ذاكرة ممتدة
- المدارس المرينية بتازة من الوظيفة الأيديولوجية إلى الدور الس ...
- تازة التي لم تخضع للاحتلال الروماني


المزيد.....




- صدور أسبوعية المناضل-ة عدد 26مارس 2026 : على خط الدفاع الأخي ...
- عاجل | ترمب: علقت فترة تدمير محطات الطاقة لمدة 10 أيام حتى ي ...
- التقدم والاشتراكية يستقبل فداً عن “التنسيقية الإقليمية لمتضر ...
- على خط الدفاع الأخير: حالة النبض العمالي راهنا
- How the US Became an International Serial Killer
- Less Analysis, More Organizing
- واشنطن تُصعّد حربها على كوبا وتدفع شعبها إلى حافة الاختناق
- الرهانات الاقتصادية للحرب على إيران
- إيران، أوقفوا الحرب الإمبريالية!
- مشهد إقليمي متفجر وصراع مفتوح على عدة جبهات مع تداعيات عالمي ...


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عبد الإله بسكمار - أضواء جديدة على ثورة الجيلالي الزرهوني - بوحمارة -