أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهند المدني - الاستراتيجية الجيوسياسية بين المركزية العقائدية والتمدد الإقليمي: قراءة تفكيكية لنظرية (أم القرى) للراحل محمد جواد لاريجاني وأبعادها متعددة المستويات















المزيد.....

الاستراتيجية الجيوسياسية بين المركزية العقائدية والتمدد الإقليمي: قراءة تفكيكية لنظرية (أم القرى) للراحل محمد جواد لاريجاني وأبعادها متعددة المستويات


مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 00:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة/ شهد الفكر السياسي الإيراني في أعقاب عام 1979 تحولاً مفصلياً عكس محاولة التوفيق بين بنيتين متناقضتين ظاهرياً، هما: (هيكل الدولة الوطنية المحدد بحدود جغرافية والمصالح القومية لإيران)، و(مفهوم الثورة العابرة للحدود القائم على أيديولوجيا أممية).
وفي هذا السياق برز كتاب (مقولات في الاستراتيجية الوطنية) للسياسي والاستراتيجي الإيراني الراحل محمد جواد لاريجاني، الذي بدأ كتابته عام 1984 والصادر عام 1988، ليكون الوثيقة النظرية الأبرز التي حسمت هذا التناقض عبر ما عُرف بـ (نظرية أم القرى) الإيرانية.

تقوم هذه النظرية في جوهرها على صياغة معادلة حيوية: تحويل إيران إلى مركز قيادي وثقافي وأمني للعالم الإسلامي، حيث تصبح حماية النظام السياسي والتراب الإيراني أولوية مطلقّة تعلو على أية مصلحة أيديولوجية فرعية، بصفته المركز الذي يؤدي سقوطه إلى انهيار المشروع برمته.
وتسعى هذه المقالة في دراستها الأكاديمية إلى تفكيك أبعاد نظرية (أم القرى) عبر سبعة محاور رئيسة، واستعراض أثرها الميداني على المحيط العربي والإسلامي.

1/البعد الديني والثقافي (إعادة صياغة المركزية والرمزية)
وإزاحة المفهوم القرآني للمركز:

أ- إعادة التأويل: تُطلق الأدبيات الإسلامية والتفسير القرآني مصطلح (أم القرى) على مكة المكرمة باعتبارها مهد الدعوة وقبلة المسلمين. عملت نظرية لاريجاني على إجراء (إزاحة رمزية) عبر نقل المفهوم الاستراتيجي والفقهي للمركزية من مكة إلى إيران (طهران + قم) لإضفاء شرعية دينية على المرجعية السياسية لولي الفقيه.

ب- الولاء العابر للأوطان: صياغة مفهوم (الأمة) بطريقة تقتضي أن يكون الولاء الفقهي والسياسي للمركز الإيراني متقدماً على المواطنة في الدولة الوطنية.

ج- التسويق الثقافي والقوة الناعمة: بناء شبكة موازية من المراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية والوسائل الإعلامية الموجهة ناطقة بلغات متعددة لترويج النموذج الحضاري الإيراني.

د- توظيف المشاعر التاريخية: توظيف الأدبيات والطقوس المذهبية التاريخية كوسيلة للتعبئة والكسب في المجتمعات والتجنيد السياسي والعسكري خارج الحدود.

2/البعد السياسي والأفكار الإمبراطورية المضمرة
كنسيج مزدوج (الإمبراطورية بلباس أيديولوجي):
أ- تعبئة الميراث الجيوسياسي: تستصحب نظرية (أم القرى) المخيال الإمبراطوري الفارسي التاريخي وتغلفه ببرغماتية حديثة. ليرى الفكر الاستراتيجي الإيراني أن إيران ليست مجرد دولة ذات حدود، بل هي (حاضنة حضارية) تستحق النفوذ القيادي في المشرق.

ب- اختزالية السيادة: لا تنظر (نظرية أم القرى) إلى سيادة دول الجوار كحق مطلق، بل كسيادات مرنة ومشروطة ب مدى توافقها مع مقتضيات أمن أم القرى.

ب- هندسة الدولة العميقة الموازية وتفريغ السلطات الرسمية: تطبيق آلية بناء كيانات سياسية موازية للأنظمة الحاكمة في دول الجوار، مما أدّى إلى إضعاف المؤسسات المركزية لصالح الفاعلين من غير الدول ليكون المتحكم السياسي والعسكري والاقتصادي والأمني والتشريعي هو المركز أي (طهران).

3/البعد العسكري والأمني (العمق الاستراتيجي والأحزمة الوقائية) تتأطر الهيكلية الأمنية للمشروع الإيراني وفق صياغة تتخذ فيها إيران موقع المركز الاستراتيجي (أم القرى) وتحيط بها أحزمة أمنية متدرجة تُشكل سياجاً وقائياً متقدماً حيث يمثل العراق الحزام الأمني الأول الذي يعمل كجدار دفاعي مباشر ومنطقة درع، بينما يشكل الشام ولبنان الحزام الأمني الثاني لإدارة النفوذ الإقليمي والمواجهة الجيوسياسية، وصولاً إلى مسرح العمليات الإقليمي المفتوح للردع الموزع.

أ- عقيدة الدفاع الهجومي:
خوض الحروب بالوكالة: نقل الصراع المسلح والأزمات الأمنية إلى خارج الجغرافيا الإيرانية. يُعتبر المحيط الإقليمي بمثابة (سور أمني) و(حزام وقائي) يمتص الصدمات لمنع وصول التهديدات إلى الداخل الإيراني.

ب- الردع الموزّع: توزيع الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات التسليحية كافة على شبكة حلفاء متفرقين جغرافياً لردع الخصوم الإقليميين والدوليين.

ج- صياغة مفهوم المجال الحيوي: من خلال تحويل الدول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن إلى مسارح للسيطرة الميدانية والتحكم المباشر بالقرارات الأمنية والعسكرية الرسمية لتبقى هذه الدول ضعيفة وتابعة للمركز الإيراني.

4/ البعد الاقتصادي (الموارد والتكامل القسري)
أ- تسخير الموارد الوطنية للإقتصاد العسكري الإيراني:
استنزاف مقدرات الداخل واقتطاع جزء كبير من الموارد الاقتصادية الإيرانية وتوجيهها نحو تسليح وتدريب ودعم الشبكات الخارجية، مما انعكس سلباً على رفاهية وحياة المواطن الإيراني.

ب- الهيمنة على الأسواق والمنافذ الإقليمية:
من خلال الاقتصاد الموازي وتفادي العقوبات واستخدام أراضي واقتصاديات الدول المجاورة كمتنفس لتفادي العقوبات الدولية وتوفير العملة الصعبة عبر عمليات التبادل التجاري والمصرفي الموازي.

ج- الربط الاستراتيجي: السعي نحو إنشاء خطوط نقل وممر جاف يربط طهران بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا لتأمين منافذ اقتصادية وعسكرية استراتيجية.

5/البعد الاجتماعي والتفكيك المجتمعي واستقطاب التنوع الديمغرافي: في إحياء الانقسامات الأفقية واعتماد سياسات تعزز الانقسامات المذهبية والطائفية على حساب مفهوم (المواطنة الجامعة) داخل المجتمعات العربية وإعادة التشكيل الديمغرافي والعمل على نزوح وهجرة سريعة للسكّان وتغيير الخرائط الديمغرافية في بعض مناطق النزاع لتثبيت واقع أمني وسياسي جديد، وفرض برامج التجنيد والتعبئة المجتمعية من خلال إنشاء منظمات مدنية وكشفية ودعوية تُشرف على إعادة صياغة الهوية الوطنية للناشئين والشباب في الدول التابعة، لربط أولوياتهم الاستراتيجية بأولويات (أم القرى).

6/الأبعاد المستقبلية والتداعيات على المنطقة
تقويض بناء الدولة الوطنية: أدت تطبيقات النظرية إلى خلق دول هشّة تعاني من سيادات مجزأة وتعددية مراكز القرار العسكري والأمني، كما هو الحال في أغلب الدول التابعة حالياً
مع استمرار التوتر واستقطاب المحاور وتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى بيئة مشبعة بالسباق التسليحي والانقسامات السياسية، مما يعطل الإستقرار ومشاريع التنمية المستدامة والتكامل الاقتصادي الإقليمي.

7/حصيلة التمدد والأثر السلبي المتبادل: تتجلى نتائج تطبيق نظرية (أم القرى) في مفارقة حادة بين ما تحققه إيران وما يدفعه محيطها الإقليمي:

أ- على المستوى الإيراني نظرية (أم القرى): نجحت في توفير عمق استراتيجي في إبعاد المواجهات العسكرية المباشرة عن الأراضي الإيرانية لفترة طويلة، إضافة إلى خلق أوراق ضغط وتفاوض إقليمية تُستخدم كأدوات مساومة مع القوى الدولية، مع فرض حضور إيران كفاعل رئيس يمتلك نفوذاً عابراً للحدود في قرارات المنطقة.

ب- على مستوى المحيط الإقليمي (الدول المجاورة): أدى هذا التمدد إلى تآكل السيادة الوطنية جراء تفكيك المؤسسات العسكرية والسياسية الرسمية لصالح الكيانات الموازية، وتراجع الاستقرار والاقتصاد نتيجة تعطيل التنمية وارتفاع معدلات الفقر وهروب رؤوس الأموال، فضلاً عن تفكيك النسيج الاجتماعي عبر نشر الاستقطاب الطائفي على حساب مفهوم المواطنة الجامعة.

ختاماً/ تجسد نظرية (أم القرى) التي صاغها السياسي الإيراني الراحل محمد جواد لاريجاني إطاراً استراتيجياً نجح في دمج المصالح القومية والتمدد الجيوسياسي لجمهورية إيران الإسلامية تحت غطاء عقائدي وأيديولوجي عابر للحدود. ورغم أن النظرية حققت هدفها الأساسي المتمثل في حماية (المركز) وتوفير حزام أمني وقائي حوله، إلا أنها أدت في المقابل إلى تهميش مفهوم (الدولة الوطنية) في محيطها الإقليمي، وإدخال المنطقة في حالة ممتدة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، مما يُشكل عقبة حقيقية أمام أي مشروع للتكامل والإستقرار والوحدة العربية والتنمية الشاملة في العالم الإسلامي.



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بنية التدين المعاصر: بين تشوه المفهوم واستعادة منهج الاستدلا ...
- من يصنع المجتمع؟
- لمجتمع المدني والشراكة الثلاثية بين الشباب والبيئة والحوكمة ...
- الليبرالية المحافظة: من حماية الهوية إلى صناعة المستقبل.
- تيار الفتنة التاريخي في العراق : قراءة بنيوية في جذور الإعاق ...
- المعادلة الأمريكية المركبة في إدارة التوازن الإقليمي: بين تف ...
- ثنائية الفقه والإدارة: كيف سيُدار الانتقال الهادئ لمرجعية ال ...
- من مرحلة 1979 إلى اتفاقية مكة: تحولات العقل الاستراتيجي في ا ...
- هندسة التغير الصامت: رؤية استراتيجية شاملة في نموذج الاتحاد ...
- التوازن الإقليمي الهش وتفكيك التقارب : القراءة الشاملة لتداع ...
- التفكيك الاستراتيجي للحرب بين واشنطن وطهران: عندما اصطدمت ال ...
- أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المش ...
- من الأزمة الهيكلية إلى بناء الدولة الحديثة: مقومات وفاعلية ا ...
- هندسة الوعي العراقي: الطريق لتفكيك ثقافة الفساد وبناء المواط ...
- جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضار ...
- الوعي السياسي الليبرالي : خارطة طريق بنيوية للإصلاح الشامل و ...
- هندسة دولية لإستراتيجية جديدة في المنطقة: مضيق هرمز من سلاح ...
- أفق الدولة الحديثة في العراق: بين عدالة الليبرالية المحافظة ...
- تفكيك اللادولة في العراق: وعي امارجي يرصد مشروع الزيدي في تأ ...
- كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق ال ...


المزيد.....




- بعد السعودية.. فضل شاكر يحيي حفلا في قطر مع ابنه محمد
- لماذا تشهد العلاقة الوثيقة بين ترامب ونتنياهو فتورا في لحظة ...
- السيسي يرأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني لبحث -الوقوف التام- مع ...
- العثور على حطام مسيرة يعتقد أنها أوكرانية في ليتوانيا
- ماكرون وزوجته حضرا حفل سلين ديون عشية احتجاجات واسعة هزت فرن ...
- ما هي القوة العسكرية التي تمتلكها السعودية للرد على هجمات ال ...
- -البيت الأبيض في عهد دونالد ترامب يتداعى أخيراً- - الإندبندن ...
- مجلس الدفاع المصري يقرّ -تقديم جميع أشكال الدعم- للسعودية وح ...
- -يوم الغضب-..حرائق وتخريب خلال الاحتجاجات في عدة مدن بفرنسا ...
- من بينهم طلاب أفراد من حركة -السترات الصفراء-... أكثر من 800 ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهند المدني - الاستراتيجية الجيوسياسية بين المركزية العقائدية والتمدد الإقليمي: قراءة تفكيكية لنظرية (أم القرى) للراحل محمد جواد لاريجاني وأبعادها متعددة المستويات