أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مهند المدني - من يصنع المجتمع؟















المزيد.....

من يصنع المجتمع؟


مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 10:35
المحور: المجتمع المدني
    


قراءة في أدوات التشكيل الاجتماعي بين أركان التنشئة التقليدية والتأثير السبراني العابر للحدود.

مقدمة: إشكالية البناء الاجتماعي والمعادلة الجديدة
ظل السؤال عن كيفية تشكُّل المجتمعات وتحديد مساراتها الوجدانية والسلوكية محط اهتمام الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسية عبر التطور التاريخي للإنسانية. فالمجتمع ليس مجرد تجمُّع جغرافي أو عددي للأفراد، بل هو شبكة معقدة من العلاقات، والقيم، والأعراف، والقوانين التي تحكم السلوك الفردي والجماعي، وتحدد مسار المدنية والنهوض الحضاري.
تاريخياً، اعتمد الاستقرار الاجتماعي على منظومة متناغمة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية، يبدأ الفرد حياته في أحضان الأسرة، ثم يتشكل عقله وينضبط سلوكه عبر المدرسة، ويتأطر ضميره الأخلاقي والروحي في المسجد (أو المؤسسة الدينية)، لتقوم الحكومة بدور الضامن والإطار القانوني والتنفيذي الذي يحمي هذه المكونات جميعاً ويوفر لها بيئة النمو.
غير أن التحولات التقنية المتسارعة وتغلغل الثورة الرقمية أدخلا فاعلاً حاسماً ومنافساً جديداً إلى هذه المعادلة، وهو ما يمكن تسميته بـ (المؤثر العابر للحدود). لم يعد تشكيل الوعي محلياً أو خاضعاً للجغرافيا، بل أصبح مكشوفاً أمام تدفقات معرفية وسلوكية تتخطى رقابة الأسرة وسلطة الدولة.
من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال للتحقيق في السؤال الجوهري: من يصنع المجتمع اليوم؟ وكيف تتفاعل الأدوات الخمس (الأسرة، المدرسة، المسجد، المؤثر العابر للحدود، والحكومة) في صياغة الفرد وصناعة المدنية المعاصرة؟
1/الأسرة – النواة الأولى والبناء الوجداني:
تُعد الأسرة المؤسسة الأولى والأكثر عمقاً في التأثير النفسي والسلوكي على الإنسان. في مرحلة الطفولة المبكرة، يتلقى الفرد مفاهيمه الأولى عن الأمان، واللغة، والانتماء، والأخلاق الأولية.

الوظيفة الحيوية للأسرة: صناعة الأمان النفسي، وغرس الانتماء التلقائي، وتشكيل ملامح الهوية المبدئية.

التحدي المعاصر للأسرة: تواجه الأسرة المعاصرة ضغوطاً اقتصادية واجتماعية تحول دون تفردها بالوقت الكامل للطفل، فضلاً عن تزاحم الأجهزة الذكية التي أوجدها العالم الرقمي داخل البيت الواحد، مما أضعف دور الحوار الأسري المباشر.

2/المدرسة – العقل الجمعي وبناء المواطنة:
تأتي المدرسة لتنقل الطفل من دائرة العلاقات العاطفية الخاصة (الأسرة) إلى المجتمع المصغر المشترك.
في المدرسة لا يكتسب الفرد العلوم والمعارف الأكاديمية فقط، بل يتعلم الانضباط، والعمل الجماعي، وقبول الآخر، والتفكير النقدي.

الوظيفة الحيوية للمدرسة: التنشئة الفكرية، وتكافؤ الفرص والمعرفة، وترسيخ قيم المواطنة والانضباط الاجتماعي، ومهمة المدرسة هي أن تساعد في صناعة النجاح بمختلف مجالات الحياة للفرد وبالتالي المجتمع.

التحدي المعاصر للمدرسة: التباين بين المناهج الأكاديمية التقليدية وسرعة المتغيرات الخارجية، مما يجعل المدارس في بعض الأحيان تتأخر عن تزويد الطلاب بالمهارات الرقمية والنقدية التي تمكنهم من التعامل مع الفضاء المفتوح.

3/المسجد وهو الضمير الروحي والرادع الأخلاقي:
يمثل المسجد (والمؤسسات الروحية بشكل عام) الركن الأساسي في البناء الأخلاقي والتزكية النفسية. إن أثر المسجد يمتد ليكون رادعاً داخلياً يقود السلوك عبر منظومة الإيمان والضمير، وهو ما يعزز السلم الاجتماعي ومفهوم التكافل والتسامح.

الوظيفة الحيوية للمسجد: بناء الضمير الأخلاقي، وتعميق القيم الروحية والعبادات والتعاملات والمعاملات والتغذية الكاملة بالقييم الروحية والأخلاقية والعلمية والعملية وتعزيز مفهوم المسؤولية الاجتماعية والفردية أمام الله تعالى والمجتمع.

التحدي المعاصر للمسجد: الحاجة إلى سلامة الخطاب الديني وتطويره ليكون أكثر تنظيم ومواكبة لقضايا المجتمع وقضايا الشباب المعاصرة ولإشكاليات الفلسفة الحديثة والتحديات الإنسانية الرقمية، بدلاً من الاقتصار على الخطاب الوعظي التقليدي او الإقتصار على شرح موروث التاريخ الديني الذي يحتوي على محطات إشكالية بين فئات وافراد المجتمع الواحد.

4/المؤثر العابر للحدود:
يُشكل المؤثر العابر للحدود (سواء كان خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، أو صنّاع المحتوى الأجانب والمحليين، أو وسائل الإعلام والتواصل الفضائية والشبكية) كل هذه تمثل المتغير الأكثر ديناميكية في صناعة الوعي الحديث للمجتمع.

طبيعة التأثير: قوة ناعمة تخترق الحدود الجغرافية والثقافية بمرونة عالية، وتصيغ الذوق العام، وتحدد أنماط الاستهلاك، وتطرح قيم وافدة قد تتكامل أو تتصادم مع قيم المجتمع المحلي.

الوظيفة الحيوية لهذا المؤثر: فتح آفاق التفكير العلمي والثقافي العالمي، وربط الفرد بالاتجاهات الإنسانية المعاصرة، وإتاحة التعلم الذاتي.

خطورة المؤثر العابر للحدود: غياب الرقابة المحلية المباشرة وقدرة اللاعب الرقمي على إعادة تشكيل الرأي العام وتوجيه سلوكيات الأجيال الناشئة بمعزل عن موجهات الأسرة أو المدرسة أو الدولة.

5/الحكومة بإعتبارها الحاضن الرسمي والقانوني:
تقف الحكومة على رأس هذه المنظومة بصفتها القبة التنفيذية والتشريعية التي تحمي البيئة والمؤسسات السابقة. فبدون دولة القوانين والعدالة والخدمات وتوفر البيئة الاقتصادية الصالحة، لا تستطيع الأسرة ولا المدرسة ولا المسجد التأدية الكاملة لدور كل مؤسسة منها تجاه المجتمع.

الوظيفة الحيوية للحكومة: إرساء سيادة القانون، حماية الحقوق والحريات، توفير البنية التحتية للاقتصاد والتعليم والصحة، وصياغة السياسات العامة للبلاد والإصطلاع بشكل جدي وفعلي في بناء المجتمع بناء صحيح وسليم.

الدور الاستراتيجي للحكومة: توجيه الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ووضع الاستراتيجيات الوطنية للتعامل مع (المؤثر العابر للحدود) عبر تشريعات وزارة الإتصالات والهيئات المختصة ودوائر الأمن السيبراني ودعم المحتوى الثقافي الوطني والتنموي والعلمي والأدبي والمحتوى الذي يساعد في بناء المجتمع.

6/الهيكل التفاعلي لصناعة المجتمع اليوم:
يتضح من التحلِيل السابق أن أركان التشكيل الاجتماعي لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل ضمن شبكة تفاعلية يُمكن تلخيص أدوارها ومستوياتها كالتالي:
أ- الحكومة (الحاضن الرسمي والقانوني): تقف على رأس المنظومة كقبة تشريعية وتنفيذية مسيطرة على جميع المؤسسات وتضمن سيادة القانون واستقرار المجتمع.

ب- الأسرة: تتولى البناء الوجداني وصناعة الأمان الهوياتي والنفسي للفرد منذ نشأته.

ج- المدرسة: تتولى التنشئة الفكرية وتشكيل العقل الجمعي وترسيخ مفهوم المواطنة وطرائق النجاح في الحياة والمجتمع.

ج- المسجد: يتولى بناء الضمير الأخلاقي والرادع الروحي الداخلي الذي يوجه السلوك نحو الحفاظ على وحدة المجتمع.

د- المؤثر العابر للحدود (اللاعب الرقمي السبراني): يحيط بجميع المؤسسات السابقة ويخترقها عبر الفضاء المفتوح، مما يحتم على المنظومة بأكملها التنسيق فيما بينها لرفع الحصانة الفكرية والرقابة الذاتية لدى الفرد وبالتالي المجتمع.

ختاماً/نحو رؤية متكاملة لمدنية المستقبل:
إن الإجابة عن سؤال (من يصنع المجتمع؟) لم تعد مقتصرة على طرف واحد دون غيره. فالمجتمع السليم والناجح والمتماسك هو نتاج عملية تفاعلية تتطلب:
الوعي بالتكامل حيث لا يمكن استبدال دور الأسرة بالدولة، ولا دور المدرسة بالإنترنت، ولا دور المسجد بالقانون،بل لكل مؤسسة مساحتها الوظيفية الحيوية.
وتحصين الفرد بالوعي النقدي نظراً للاستحالة العملية لحجب (المؤثر العابر للحدود) يصبح الرهان الحقيقي على بناء (الحصانة الفكرية والرقابة الذاتية) لدى الأجيال عبر المدرسة والأسرة والخطاب التنويري.
وكذلك يتطلب تحديث الخطاب والمناهج فيتوجب على أدوات التنشئة التقليدية (الأسرة والمدرسة والمسجد) أن لا تقف في موقف الدفاع أو الصدام مع الثورة الرقمية، بل أن تمارس التحديث والتطوير والتوعية لتكون أكثر جاذبية وقدرة على التأثير.
إن صناعة المجتمع هي مسؤولية تضامنية ووطنية، تبدأ بوعي الأسرة، وتنمو بحكمة المدرسة وتتوحد بإعتدال المسجد، وتواجه تحولات العصر بالحصانة النقدية ضد التأثيرات العابرة للحدود، لتستقر في النهاية تحت مظلة دولة المواطنة والقانون.



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لمجتمع المدني والشراكة الثلاثية بين الشباب والبيئة والحوكمة ...
- الليبرالية المحافظة: من حماية الهوية إلى صناعة المستقبل.
- تيار الفتنة التاريخي في العراق : قراءة بنيوية في جذور الإعاق ...
- المعادلة الأمريكية المركبة في إدارة التوازن الإقليمي: بين تف ...
- ثنائية الفقه والإدارة: كيف سيُدار الانتقال الهادئ لمرجعية ال ...
- من مرحلة 1979 إلى اتفاقية مكة: تحولات العقل الاستراتيجي في ا ...
- هندسة التغير الصامت: رؤية استراتيجية شاملة في نموذج الاتحاد ...
- التوازن الإقليمي الهش وتفكيك التقارب : القراءة الشاملة لتداع ...
- التفكيك الاستراتيجي للحرب بين واشنطن وطهران: عندما اصطدمت ال ...
- أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المش ...
- من الأزمة الهيكلية إلى بناء الدولة الحديثة: مقومات وفاعلية ا ...
- هندسة الوعي العراقي: الطريق لتفكيك ثقافة الفساد وبناء المواط ...
- جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضار ...
- الوعي السياسي الليبرالي : خارطة طريق بنيوية للإصلاح الشامل و ...
- هندسة دولية لإستراتيجية جديدة في المنطقة: مضيق هرمز من سلاح ...
- أفق الدولة الحديثة في العراق: بين عدالة الليبرالية المحافظة ...
- تفكيك اللادولة في العراق: وعي امارجي يرصد مشروع الزيدي في تأ ...
- كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق ال ...
- وعي أمارجي: يرصد (ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية ...
- الإمام الحسين منارة المدينة المنورة ومحرابها: الدور الديني و ...


المزيد.....




- الروسية فالييفا تصعد قضيتها إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإن ...
- الآلاف يتظاهرون ضد حزب -البديل من أجل ألمانيا- في برلين
- الأمم المتحدة تطالب ليبيا بحماية موظفيها بعد اقتحام مركز خدم ...
- الأمم المتحدة: دخان حرائق الغابات السام يتسبب في 100 ألف وفا ...
- الأمم المتحدة تدعو إسرائيل إلى إنهاء العنف ضد الفلسطينيين وا ...
- الأمم المتحدة: نعمل على تجنيب غزة أزمة إنسانية محتملة في هذا ...
- قبل زيارته لافتتاح سفارة إسرائيلية.. منظمة حقوقية تلاحق ساعر ...
- رئيس الوزراء العراقي يوجه دعوة للرقابة البرلمانية لمكافحة ال ...
- تراجع الدعم الدولي يسرع وتيرة العودة الطوعية للاجئين السوريي ...
- مفوض الأمم المتحدة: الذكاء الاصطناعي قد يتحول لتهديد وجودي ل ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مهند المدني - من يصنع المجتمع؟