أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فرات المحسن - ثورة أكتوبر الروسية: الصعود والمآل















المزيد.....


ثورة أكتوبر الروسية: الصعود والمآل


فرات المحسن
كاتب وصحفي وروائي

(Furat Almohsen)


الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 15:02
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


القراءة في وقائع وأحداث ثورة أكتوبر 1917 وما أعقبها لها خصوصية متفردة تتجدد كل عام بمرور ذكرى اندلاعها. فتلك الحركة الثورية جاءت في سياق نضال شعبي طويل قدم الشعب الروسي خلاله ضحايا كثيرين. واستطاعت تلك الثورة، بعد حدوثها، تغيير الكثير من ملامح وتراتبية الأوضاع، ليس فقط بين أوساط الروس أو شعوب الاتحاد السوفيتي لاحقاً، وإنما أثارت وأدارت على مدى عقود طويلة من الزمن الكثير من المتغيرات والصراعات في العالم.
دائماً ما تتجدد البحوث والدراسات، وأيضاً الرؤى حول طبيعة تلك الثورة، ومن ثم آثارها، وأخيراً المآل الذي ذهبت إليه مخرجاتها؛ لتستعرض تلك البحوث والدراسات في منهجيتها مستويات عديدة ومختلفة لطبيعة وأسباب الثورة، ومن ثم نتائجها ومآلها. ومن أجل أن تكون تلك البحوث منصفة في طرحها واستنتاجاتها، فعليها ألا تبتئس أو تلتبس حين تحاكم تلك التجربة ببعديها السوفيتي والعالمي، وكذلك عليها الأخذ بمقاييس ورؤى عقلانية بعيدة عن الحذر والاحتكام للتابوهات والموانع المعيقة؛ لأجل إظهار الحقائق والوقائع مهما كانت طبيعتها أو الاختلاف حول مخرجاتها، ومن ثم إخفاقها، وأخيراً غيابها عن المشهد البانورامي العالمي واختفاء تأثيرها في أحداث اليوم، ووضعها في متحف التاريخ الإنساني كذكرى لحدث هزت وقائعه أركان العالم الأربعة.
حسب تعريف الموسوعات والأبحاث والتوصيفات التاريخية السوفيتية عن ثورة أكتوبر، فهي ملحمة شعبية كبرى والحدث الأنبل في التاريخ البشري، وجاءت كضرورة حتمية لتقدم البشرية واستعداداً لها واستشرافاً لمستقبل روسيا؛ لذا يقال إن فلاديمير إيليتش أوليانوف (لينين) أعاد قراءة الماركسية عبر البحث في الواقع الروسي، مؤكداً على ضرورة الإسراع في التغيير لصالح الشعب، لكون الإمبراطورية الروسية كانت الحلقة الأضعف في النظام الرأسمالي العالمي. وتظهر كذلك آثار هذه القراءة في العمق الفلسفي التنظيري الذي قدمه لينين على شكل بحوث ومقالات مطولة ورؤى عن الثورة والحراك الجماهيري والقيادة؛ إذ أبحر بعمق في وقائع الحركات الاجتماعية والاشتراكية التي ظهرت ونشأت في أوروبا، وبحث بعقل راجح وفطنة كبيرين في طبيعة ومتبنيات الحزب الثوري وشكل الدولة المبتغاة، وخاض بحيوية في العديد من المسائل الشائكة، وأبدع في تحليل مسارات الكثير من القضايا الحياتية اليومية وصيرورتها، وبالذات في الواقع الروسي قبل وبعد ثورة أكتوبر. ولهذا يقول مشايعوه بأنه طور في الماركسية وقدم ما يغني منهجيتها وتطبيقها على أرض الواقع. هكذا تحدثت الدراسات السوفيتية عن ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى وشخصية قائدها فلاديمير لينين.
كانت المشاكل التي ورثتها الثورة عن عهد القيصرية كبيرة ومتشعبة ومتجذرة، ولها تأثير ضاغط بقوة، وتركت تداعياتها آثاراً مؤذية على العديد من قطاعات الشعب. فحين البحث في حيثيات ما وصل إليه حال المجتمع الروسي من تناقضات وإشكالات مجتمعية واقتصادية وسياسية آنذاك، تظهر تناقضات عديدة باتت تصعد من حدة الصراعات المجتمعية؛ فالتخلف والأزمات الاقتصادية، وتكدس الثروة بيد فئة قليلة من المقربين للقيصر، ومشاكل واضطرابات الفلاحين وتدهور نتاجهم الزراعي الذي انعكس على مستوى معيشتهم، وهم غالبية السكان الذين ما كانت السلطة القيصرية تسمح لهم ببيع ورهن أراضيهم بعد أن حصلوا حديثاً على حريتهم إثر انعتاقهم من نير القنانة، وأيضاً هناك استياء عام بين أوساط الأقليات العرقية والقومية تجاه ما سُمي بـ "روسية الدولة" والممارسات القمعية ضدهم، وبالذات منعهم من المشاركة والتصويت في الانتخابات أو السماح لهم بالانخراط في البحرية والحرس القيصري. كذلك حظرت الحكومة التنظيم في النقابات العمالية ومنعت العمال من حق الإضراب، وقبل كل هذا، السخط المتولد جراء عودة الجنود بعد الهزيمة المنكرة في الحرب مع اليابان 1905، وكذلك الخسائر البشرية في الحرب العالمية الأولى، مع رواتب غير مجزية وبطالة كبيرة وأزمة زراعية خطيرة وارتفاع في أسعار المواد الغذائية وزيادة سكانية مضطردة.
كان لينين، وفي سياق الإعداد للثورة، يرى أن التعددية الحزبية يجب أن تكون قائمة، ودافع عن حرية التنظيم السياسي والصحافة؛ ولذا قال في مقال له بعنوان «دروس الثورة»، المنشور في شهر سبتمبر عام 1917، وبعد وصفه لروسيا بالحرة، كتب: «في البلدان الحرة إذن، يحكم الشعب من خلال صراع مفتوح بين الأحزاب، ومن خلال اتفاق حر بين الأحزاب»، و«في الانتخابات ينقسم الشعب إلى أحزاب، وكقاعدة عامة تؤسس كل طبقة من السكان حزبها الخاص». ومن ثم اقترح قيام حكومة تضم المناشفة والاشتراكيين الثوريين على أن تكون مسؤولة أمام السوفييتات، مشيراً إلى أن «هذه الأحزاب تملك الحرية الكاملة للدعاية الحزبية»، ومستطرداً في القول بأن «هذه الصيغة تسمح بتطور الثورة بصورة سلمية ووجود إمكانية بناء ديمقراطية حقيقية وكاملة». وفي مقاله عن التحول الطبقي، يصف لينين روسيا بأنها جمهورية ديمقراطية تحكم باتفاق حر بين الأحزاب السياسية التي تدافع عن آرائها أمام الشعب.
ولكنه لم يتبنَّ مقولاته تلك على مدى زمن الثورة؛ أي بعد أشهرها الأولى، ولم يتخذ التعددية الحزبية قاعدة دستورية، ولذا يشير لاحقاً إلى كون حزبه -شأنه شأن أي حزب سياسي آخر- يسعى إلى الهيمنة السياسية لنفسه. وفي مجمل ما قدمه، كان يسعى لأن يكون نظام السوفييتات الطبقي هو البوتقة التي تتصارع فيها الأحزاب والتيارات سلمياً وصولاً إلى دكتاتورية البروليتاريا. وفكرة لينين عن نظام السوفييتات كانت في بدايتها مبنية على خلق مؤسسة عليا تأتي عبر مجالس منتخبة من قبل قطاعات العمال والجنود والفلاحين، وتكون سلطة تشريعية وتنفيذية مع إمكانية وجود صراع حزبي داخل تلك المؤسسة التي أسماها «السوفييتات»، وبهذا تكون السوفييتات مؤسسة فوق حزبية، ووفق ما تسفر عنه الانتخابات، فإن السوفييتات تحوي المناشفة والاشتراكيين الثوريين والبلاشفة أيضاً، وهناك يتم التنافس.
ولكن مثل هذا المسار العام والطريق لا يفضي إلى تطبيق ناجز يؤهل السوفييتات لتكون الصيغة المكتملة للقيادة؛ ففي صلب مفهوم السوفييتات ظهر التصدع الذي أفصح عن الهوة الواسعة بين النظرية الدستورية المعلنة والمصرح بها قبل الثورة وبين الممارسة السياسية التي تطورت لاحقاً إلى صراع فكري بين فصيلين داخل حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، اختلفا في بداية عام 1905 على طبيعة العضوية في الحزب، وبعدها اندلع خلاف حاد على العديد من الأفكار، في مقدمتها من يقود الثورة وما غاياتها، وانتهى بانشطار الحزب إلى كتلتين متضادتين متصارعتين هما البلاشفة والمناشفة، وتُوِّج هذا الصراع بانقسام سياسي شعبي حاد واصطفاف طبقي معلن لتتشكل جبهتا القتال: جبهة البلاشفة وأنصارهم وسميت الجبهة الحمراء، تقابلها الجبهة البيضاء المؤلفة من المناشفة وبقايا الإقطاع والملكية والبرجوازيين.
في سياق تتبع الأحداث، تسجل الوقائع بدء انطلاق الانتفاضة الشعبية في شهر فبراير 1917 التي قادها العمال وباقي فئات الشعب بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وانضم الجنود لهذه الانتفاضة بعد أن امتنعوا عن استخدام السلاح ضد المتظاهرين، وشاركت في الانتفاضة فعاليات حزبية عديدة مثل المناشفة والاشتراكيين المعتدلين والبلاشفة والبرجوازيين. وإثر نجاحها تنحى القيصر الروسي نيكولاي الثاني عن العرش، وشكلت حكومة مؤقتة برئاسة السياسي الاشتراكي ألكسندر كيرينسكي، وخلال فترة حكم هذه المجموعة البرجوازية التي امتدت لثمانية أشهر، استمرت روسيا في المشاركة بالحرب العالمية الأولى، وكان ذلك خطأً قاتلاً تسبب في استمرار التدهور الاقتصادي والنقمة الشعبية.
سبق لفلاديمير إيليتش لينين أن دعا إلى تشكيل مجالس السوفييت المنتخبة التي تمثل العمال والفلاحين والجنود، وقد شُكّلت تلك المجالس بمؤازرة البلاشفة في بعض المدن الروسية، وكانت النواة لانطلاق ثورة جديدة بعد ثمانية أشهر. وبعودة لينين إلى روسيا وطرح أفكاره عن السلطة بما سُمي «أطروحات أبريل»، التي بدت أكثر راديكالية من مواقف العديد من قادة البلاشفة، رفض أيضاً دعم الحكومة المؤقتة ونعتها بالسلطة البرجوازية، وأصر على أن تكون السلطة بالكامل للسوفيتات. ثم قام البلاشفة بحركة سريعة منظمة لمظاهرات تقدمها جنود الحرس الأحمر وبحارة السفن، حيث سيطروا على المراكز الحيوية ومحطات المواصلات في العاصمة بتروغراد، ومن ثم اقتحموا قصر الشتاء، وهو مقر الحكومة، واعتقلوا أعضاءها، وأُعلن عن قيام سلطة جديدة تُدار بحكومة من مجالس السوفيتات.
أصدر قادة الثورة بياناتهم الأولى مؤكدين فيها على الحريات العامة وانتخاب الجمعية التأسيسية، لذا جرت الانتخابات في 25 نوفمبر 1917 وكانت هي الأحدث في حياة الشعب الروسي، وشارك فيها ما يقارب الأربعة وأربعين مليوناً من النساء والرجال، ولم يستطع البلاشفة الحصول فيها على الأغلبية؛ إذ تقدم الصفوف حزب الاشتراكيين الثوريين الممثل للأغلبية الفلاحية، وجاء البلاشفة ثانياً، وتراجعت حظوظ الأحزاب البرجوازية وبالذات المناشفة.
قامت السلطة الجديدة بتوقيع معاهدة برست ليتوفسك التي أنهت مشاركة روسيا في الحرب العالمية الأولى، ثم أصدرت قرارات سياسية عديدة لصالح تكريس سلطة مجالس السوفيتات. لم تستمر الجمعية التأسيسية في أعمالها ولم يكتمل من عمرها غير أشهر قليلة امتدت من نوفمبر 1917 حتى 19 كانون الثاني عام 1918 وهو اليوم الأخير في عمر تلك الجمعية؛ فقد وجّه البلاشفة ضربة قاصمة للتنوع الذي انطوى عليه المشهد السياسي بعد الثورة، عندما تخلى لينين عن طروحاته حول الحياة الحزبية وحرية الرأي، وانفرد البلاشفة بالسلطة وأعلنوا أنهم الممثل الوحيد للشعب الروسي، وهم وحدهم من يستطيع إنجاز مهام التحولات التاريخية. وعند تلك اللحظة التاريخية الفارقة، منح البلاشفة مقولة إنجلز وفهمه الفلسفي لعملية الحراك المجتمعي آنف الذكر بعداً مثالياً، تمثل بتفسير النص الوارد في كتابه «أصل العائلة»، الذي جاء فيه: "الدولة هي نتاج للمجتمع عندما يصل إلى درجة معينة من التطور، والدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد وقع في تناقض مع ذاته فانقسم إلى قوى متناحرة. ولكي لا تقوم هذه القوى المتناحرة بالتهام بعضها البعض، فقد اقتضى الأمر إيجاد قوة تقف في الظاهر فوق الجميع"، بما يعني بالضرورة وجود تلك القوة ممثلة بالحزب الثوري المنفرد بقيادة المجتمع. لذا أعلنوا أنهم الفصيل الحزبي الوحيد القادر على تمثيل مصالح المجتمع والمتمكن من إنجاز المهام التاريخية لإقامة علاقات الإنتاج الاشتراكي والسيطرة على ظواهر التناقض والانقسام في المجتمع الروسي، فكانت تلك الاستعارة - وحسب ادعاء أصحابها- قراءة لينينية معمقة وتطبيقاً فعلياً للماركسية وليس تبريراً للسيطرة على السلطة.
في المجمل، يعني ذلك في المنظور الفلسفي البحث في كيف يمكن للمجتمع المتطور والناضج أن يصنع من رحمه نخبة يمكن لها السيطرة على إيقاع حراكه، تنضج وتنبثق من داخله لضبط تناحر قواه وفعالياته، ويعني هذا ظهور تشكيلة لسلطة نافذة وقوية بمؤسساتها القمعية (الشرطة والجيش والقضاء) تقوم بواجب ضبط إيقاع وحراك المجتمع. وقد بلغت القناعة عند البلاشفة بقيادة لينين النقطة الحاسمة التي اعتبروها مرتكزاً للإجابة عن مأزق القيادة الذي يسعى الحزب لحله.
إثر سيطرة البلاشفة على الجمعية، بدأت الحرب الأهلية لتنتهي عام 1922 بنجاح البلاشفة ومجالس السوفيت في القضاء على الجيش الأبيض المؤلف من المناشفة وحلفائهم الداخليين من البرجوازية وملاك الأراضي المتضررين والاشتراكيين المعتدلين وبقايا قادة جيش القيصر، وكذلك المرتزقة الذين أرسلتهم كل من بريطانيا وفرنسا واليابان وأمريكا لمنع انتصار الشيوعيين بقيادة لينين.
لذا سارع البلاشفة إلى حسم الأمور، وعدّوا خيار الارتكان لمقولة إنجلز أعلاه الخيار الأرجح والحل الناجز، ليس فقط لإنهاء التناقض والتناحر الحزبي الداخلي، وإنما حلاً للخلافات المجتمعية بمختلف تشعباتها التي كانت معضلة كبيرة وسبباً للاحتقان في الشارع الروسي.
ولكن هذا الخيار في التحول الفجائي شكل عند فلاديمير لينين والبلاشفة نزوعاً حاداً للانعتاق من المبادئ المعلنة قبل الثورة وبعدها، وفضلوا الذهاب بعيداً عن روحها والمهام التي انبثقت لأجلها، بخلاف ما أُعلن عنه من متبنيات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق المواطنة والحريات العامة والعدالة في توزيع الثروات قبل انبثاقها. وبخلاف كل تلك الأهداف، خلق البلاشفة متبنيات جديدة غلبت عليها روح التفرد في إدارة الدولة، وولدت سلطة جديدة بميزات فريدة لجهاز حزبي يفكر نيابة عن الجميع ويعتمد كلياً على ثقافة التعبئة الأيديولوجية.
كان حل الجمعية في عرف قادة البلاشفة حلاً نهائياً لا رجعة فيه، رغم معرفتهم اليقينية بأن هذا بالضبط هو بداية لتكريس مركزية قسرية شمولية، بعيداً جداً وخلافاً بيناً عن سياق ما جاء في مقولة ماركس التي طرحها في نقده للاقتصاد السياسي حين قال: "أسلوب إنتاج الحياة المادية يعيّن عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة، ولا تضمحل أية تشكيلة اجتماعية أبداً ما لم تُتَمَّ كل القوى الإنتاجية التي لها من الاتساع ما يمكنها من استيعابها. ولا يمكن أن تحتل مكانها علاقات إنتاجية جديدة أرقى قبل أن تنضج الظروف المادية لوجود هذه العلاقات في صلب المجتمع القديم بالذات. لذلك لا تطرح البشرية أبداً من المشاكل إلا ما تقدر على حلّه، ما دامت المشكلة - إذا تفحصنا الأمر عن كثب - لا تبرز إلا إذا وجدت بالفعل الظروف المادية الضرورية لحلها، أو على الأقل كانت في طريقها للتكوين". ففي هذا الشأن نلاحظ الافتراق الكامل لسياق أحداث الثورة عن الفهم الماركسي لتطور الظروف المادية للمجتمع.
فلم تكن شروط الوجود المادي متوفرة في روسيا، بل كانت الحياة المادية في أوج انحدارها وتهالكها وقتذاك، ولم تكن قوى الإنتاج بالنضوج الذي يُعتد بنموها واتساعها. وهناك العديد من التشكيلات المجتمعية المحافظة والمتخلفة في تكويناتها وحياتها الاقتصادية الاجتماعية. وحتى الحياة الحزبية بما فيها كتلة البلاشفة نفسها، لم تكن قد اكتمل نضجها، ولم تنل حرية عملها بما يفي بتشكيلها والمكنة للقيادة، بما يجعلها قادرة على بلورة برامج تستوفي من خلالها شروط العمل الفكري السياسي الناضج.
استعرض البلاشفة قوتهم وقدراتهم بعد هذا الإقصاء للحياة البرلمانية بالكثير من الشعارات والرطانة السياسية، التي ما كانت في مجملها سوى تبرير للاستئثار بالسلطة. ولم يكن كل ذلك إلا سعياً لتثبيت سلطة الاستبداد الحزبي المطلق، ثم تطورت الأمور لاحقاً لتبتدع سطوة الحزب الواحد سلطات عديدة، تتكيف مع ضرورة القبض بيد من حديد على مفاصل الدولة، وقبلها عصب ومفاصل حراك الناس. وتمثلت أشرس تلك الهيئات، والأكثر ضراوة في عملها، في سلطة اللجنة المركزية للحزب ثم سكرتيرها العام.
وفي سياق الاستحواذ الكلي على السلطة، أُسس في نوفمبر 1917 جهاز الأمن الرسمي (Cheka) - اللجنة الاستثنائية لعموم روسيا - لمكافحة الثورة المضادة والتخريب، وكانت مهام الجهاز مكافحة الخصوم والتخريب والتجسس واعتقال المعارضين لسلطة البلاشفة، وتطور الجهاز وأعيد تنظيمه لعدة مرات ليصبح في الأخير وبشكل ناجز في عام 1954 جهاز الكي جي بي (KGB) القابض على مفاتيح السلطة.
بعد خمس سنوات من قيام الثورة، وإثر تعرض فلاديمير إليتش لينين للمرض وتكرار السكتات الدماغية التي أصيب بها، والتي أصبح بسببها غير قادر على القيادة، انتخب جوزيف ستالين عام 1922 أميناً عاماً للجنة المركزية للحزب الشيوعي (الحزب البلشفي). ومن خلال هذا المنصب، استطاع أن يحشد لنفسه شبكة واسعة من الأعوان داخل اللجنة المركزية وعموم لجان الحزب، ومنحهم صلاحيات لتنظيم ومتابعة أعمال الحزب في عموم الاتحاد السوفيتي. وبعد وفاة لينين عام 1924، خاض ستالين صراعاً حاداً للحصول على السلطة، وقد استطاع في النهاية تحييد خصومه ومنافسيه ليسيطر على رئاسة الحكومة السوفيتية في 6 مايو 1941، ويطلق له ومناصروه العنان في شؤون عموم الاتحاد السوفيتي.
في عهده، وقعت الثورة في مأزق الديكتاتورية الفردية وعبادة الشخصية، ولم يكن عمر الثورة قد تجاوز في ذلك الوقت سبع سنين عند وفاة قائدها. ، وبسبب شخصية ستالين القاسية وطموحه غير العادي، أهمل الحزب ولجنته المركزية رسالة فلاديمير إليتش لينين الموجهة إلى اللجنة المركزية، والتي أملاها على سكرتيرته الخاصة في فترة كان يعاني فيها من ظروف صحية حرجة، مما جعل تدوينها يستغرق وقتاً طويلاً. كان لينين يريد أن تكون رسالته هذه وثيقة يقدمها ويقرؤها علناً أمام المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي في عام 1923، ولكنه توفى قبل ان يحقق هذا،وقد اتفق القادة الكبار بعد وفاته على عدم مناقشتها أونشرها، بل التكتم عليها، ولكن تلك الوثيقة سُرِّبت للصحافة العالمية. وقد ركزت على ضرورة إصلاح هيكل الدولة، وحذرت من انشقاق الحزب، وجاء فيها تقييم صريح لأبرز القادة، وفي مقدمتهم ليف كامينيف وليون تروتسكي وبياتاكوف، وأوصى لينين فيها بعزل ستالين بسبب طبيعته الصارمة ورغباته في الهيمنة بعد أن أصبح أميناً عاماً للحزب، ووصفه بالوقح والعنيف وشديد الفظاظة وذوي الشخصية العدوانية.
وبالرغم من توقيع حكومة جوزيف ستالين في موسكو معاهدة عدم اعتداء مع ألمانيا النازية في 23 أغسطس 1939، ومن ثم شروعهما سوياً -حسب الاتفاق- في احتلال وتقاسم أراضي بولندا، إلا أنه لم يمضِ سوى عام واحد حتى ألغى هتلر تلك المعاهدة وهاجم الاتحاد السوفيتي في يونيو 1941، وقام بغزو أراضيه ليصل إلى الضواحي الخارجية للعاصمة موسكو. وقد استطاع السوفيت طرد الجيش النازي وإبعاده عن حدود العاصمة، إلا أن هتلر أمر بالاندفاع مرة أخرى لغزو روسيا، فشنّت القوات الألمانية وشركاؤها في المحور، ومن بينهم فنلندا، هجوماً جديداً، واستطاعت محاصرة مدينة فولغوغراد التي سُميت لاحقاً (ستالينغراد). ثم استطاع الجيش السوفيتي استعادة زمام الأمور وبدأ هجومه المضاد في نوفمبر 1942، واستمر حتى اختراق تحصينات العدو واستسلام جحافل الجيش النازي، واجتاز مساحات واسعة ليصل في النهاية إلى ألمانيا ويحاصر العاصمة برلين في 16 أبريل 1945.
كانت الحرب العالمية الثانية الفرصة المثالية لتشديد قبضة الحزب وسكرتيره العام وجهاز الرقابة والأمن على مجريات الحياة في عموم الاتحاد السوفيتي، وللوقوف بوجه أي خرق أمني سياسي، سواء كان داخلياً أو قادماً من الخارج. وخضعت الدولة بجميع مفاصلها لقرارات الأجهزة الحزبية والأمنية، وساد القمع المنظم، حيث تم اعتقال وإعدام الآلاف، ومنهم أعضاء في الحزب، كما مُنع الحديث حول وقائع الحرب وتأثيرها في حياة الناس.
كانت شخصية ستالين تمثل القسوة والرعب والسطوة المطلقة، فالروايات عن يوم وفاته تشير إلى الهاجس الذي كان مسيطراً ليس فقط على حراسه الشخصيين وإنما على رفاقه في الأمانة العامة للحزب الشيوعي. ففي يوم وفاته، وبعد مضي ساعات طوال من الصباح دون خروجه من الغرفة، كان الحراس خائفين يترددون في محاولة الدخول إلى مضجعه؛ فقد كانوا شديدي الحساسية في هذا الأمر، فالدخول إلى غرفته دون إذنه يعني - بالمطلق- أمراً خطيراً لا تكون عواقبه غير عقوبة الإعدام؛ لذا لم يجرؤ الحراس على اقتحام الغرفة لساعات، وفي المساء اضطر أحد العاملين أخيراً إلى الدخول ليجده ملقى على الأرض بجانب سريره وكان واعياً، وبعد أن أبلغ رفاقه في القيادة تم استدعاء الأطباء لفحص حالته الصحية، وكان هؤلاء الأطباء مذعورين خوفاً من اتهامهم بالتهاون أو التآمر. وقد شخّصوا حالته بنزيف دماغي حاد، وظل ستالين في حالة حرجة لثلاثة أيام، وفي مساء 5 مارس 1953 فارق الحياة.
شكلت الفترة ما بعد وفاته صراعاً محموماً خفياً، وملمحاً لتفكيك سلطة الرعب الستالينية، وتحولاً غير عادي في السياسة الخارجية. وإثرها تشكلت قيادة جماعية تمثلت في ثلاث شخصيات: لافرينتي بيريا رئيس جهاز الأمن السري، وجورج مالينكوف رئيس الوزراء، ونيكيتا خروشوف سكرتير اللجنة المركزية للحزب. وما كانت الخلافات لتهدأ بعد هذا التشكيل؛ فكل واحد منهم كان يعمل في الخفاء لتعزيز سلطته وسطوته داخل الحزب، وكسب المناصرين، وتضييق الخناق على رفاقه. وبسبب شخصية بيريا وتحكمه بمؤسسة الأمن ووجود الملف النووي بيده، وخوفاً من سطوته وتطلعاته للزعامة، تحالف خروشوف ومالينكوف للتخلص منه؛ لذا تم اعتقاله أثناء اجتماع المكتب السياسي عبر اقتحام عسكري من قبل جماعة مالينكوف، واتهم بالتجسس وأُعدم في ديسمبر عام 1953.
وفي سبتمبر عام 1953، انتُخب نيكيتا خروشوف أميناً أول للجنة الحزب الشيوعي المركزية، وفي عام 1955 نجح في إقصاء منافسه مالينكوف عن رئاسة الوزراء وجاء بحليف له ليحل محله، وأصبح خروشوف عندها الحاكم الفعلي دون منازع. وفي العام نفسه شُكلت لجان تحقيقية للبحث في ملفات القمع والتطهير في عهد ستالين، وأصبحت تلك الملفات المادة التي اعتمدها نيكيتا خروشوف في تقريره السري الذي قدمه إلى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1956.
أثر كل تلك المتتاليات السياسية الاحترازية الغريبة والقاسية، بات إثرها وعبرها عضو الحزب الشيوعي مالك الامتيازات والكلمة العليا. ثم توالت صناعة التابوهات الثقافية والاجتماعية والسياسية لتصبح مؤسسات الدولة محافظة جداً حين يتعلق الأمر بوجود أي نوع من الأفكار التي تهدد سلطات وامتيازات قادتها، وباتت تعمل بآليات قائمة على مقاومة ضغوط المتغيرات وباسم وشعار مخادع لا يمت للحقيقة بشيء، هو دكتاتورية البروليتاريا في حين هي دكتاتورية السكرتير ولجنته المركزية وجهاز أمن الدولة. فلم يمض وقت طويل حتى وضع الشيوعيون الأيديولوجية والسلطة في سلة واحدة، وعندها حدث الافتراق والتناقض بين الدولة والمجتمع، وأُشيعت ظواهر التعصب الحزبي والرياء والرشوة والبيروقراطية بأعلى صورها، خاصة بعد أن تحولت الدولة -التي أراد لينين إزالتها بعد اضمحلال الرأسمالية وإنجاز مهام الثورة- إلى دولة المؤسسة الحزبية القابضة على مفاصل وروح الحياة، ولتكون معها وسائل وقوى الإنتاج ملكاً صرفاً للحزب الشيوعي دون منازع، ورُمي بعيداً وإلى الأبد الفهم السياسي للتنظير الذي تُرَدِّد قبل وأثناء الثورة، عن كون التعددية السياسية هي واحدة من أكبر المداخل لإنجاح رهان الثورة. وبمتواليات ووتائر متسارعة وقيادات متهافتة، وكناتج حتمي للسياسات القسرية، آل الأمر برمته في نهاية المطاف لتصبح الدولة بقضها وقضيبها، وقبلها الحزب، بيد الكي جي بي، أي جهاز الأمن والمخابرات لعموم الاتحاد السوفيتي، الذي بات القوة العليا الماسكة بخناق الدولة ومؤسساتها وكذلك حركة البشر وأرواحهم. وأضحت هناك توليفة حزبية مخابراتية لمؤسسة حديدية خفية تعمل للمحافظة - بدقة ويقظة عاليتين وقسوة مفرطة- على هيكلية السلطة وتراتيبيتها، وتكون الضابط لتابوهات وعقد الحراك الحزبي، ولحركة الجماهير وفعالياتها اليومية، والمسيطر على دهاليز الدولة ومسالكها وأغوارها، وأصبحت في النهاية، ودون غيرها، المنفذ الرسمي لرؤية وتحليل حركة التاريخ والتطورات الفكرية السياسية والعلمية الجارية في العالم. وبات من شبه المستحيل تمرير أي رأي بعيداً عن دائرة المؤسسة المزدوجة لسكرتير اللجنة المركزية وبعض قيادييها ومنهم قادة الكي جي بي، وبواسطة هذا الخليط الكابوسي الثقيل، ومن رحمه خرج سيناريو التفتيت، ومن ثم مقتل حلم ثورة أكتوبر ذات الوشاح الماركسي اللينيني.



#فرات_المحسن (هاشتاغ)       Furat_Almohsen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شرطي العالم بالإكراه
- تسوية
- يوميات من مدونات الوجع
- النزهة الأخيرة
- خيار الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد السوق المفتوح.
- ليلة الاتحاد السوفيتي الأخيرة
- صورة
- وطن فوق الجميع
- الخدعة سلاح فعال عند المُلمات
- بعضًا من تاريخ الشيوعية العراقية
- ترنيمة جبار كرمش الأخيرة
- العراق إلى أين ؟؟
- وحدة ــ روح قصتان قصيرتان
- رعب يوم دراسي
- لوحة/ بيت من بيوت الله
- ذاكرة لا تجف/ رمضان الأسود
- ما أورثتني إياه الحرب
- تكرار ارتداء ذات الفستان هل يعني الحب ؟!
- الخاتم
- ساعة هروبنا من الجنة / اغواء


المزيد.....




- في استخدام العنف في الكفاح ضد الاحتلال: حالة فلسطين
- هل يقلب نتنياهو واليمين المتطرف الطاولة على آيزنكوت والمعارض ...
- -بسم الله، إنها الظلمات-… طلبة محتجون في فرنسا يتهمون الشرطة ...
- The Bees in the City: Organizing China’s Delivery Workers in ...
- الإصلاح يهنئ الاشتراكي بالذكرى الـ48 لتأسيسه ويؤكد أهمية وحد ...
- سكرتارية منظمة اشتراكي المحويت تحيي الذكرى الـ63 لثورة 14 أك ...
- اليسار يدعو حزب الوسط لاستطلاع إمكانية تشكيل حكومة وسطية
- -الشيوعي السوداني- يطالب القاهرة باحترام سيادة البلاد
- التحالف التقدمي يهنئ الحزب الاشتراكي اليمني بذكرى تأسيسه الث ...
- جبهة النضال الشعبي الفلسطيني تهنئ الحزب الاشتراكي اليمني بذك ...


المزيد.....

- من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير / رزكار عقراوي
- التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود ... / رزكار عقراوي
- الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم ... / شادي الشماوي
- الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ ... / شادي الشماوي
- القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري / رزكار عقراوي
- بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال ... / الأممية الرابعة
- التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم ... / شادي الشماوي
- الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي ... / شادي الشماوي
- عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال / المناضل-ة
- كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فرات المحسن - ثورة أكتوبر الروسية: الصعود والمآل