أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - ترنيمة جبار كرمش الأخيرة














المزيد.....

ترنيمة جبار كرمش الأخيرة


فرات المحسن

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 14:08
المحور: الادب والفن
    


ترنيمة جبار كرمش الأخيرة

في السنة السادسة بدت الحرب مثل أحجية عصية على الحل. مضت السنوات ثقيلة مجللة بالسواد، وأغلقت معها منافذ أمل كان الجميع يظن أن الضوء سيرشح منها. يتذكر جيداً تلك اللحظات حين أزف يوم التحاقه بوحدته، تلك الساعة، كيف وضعت أمه رأسه في حجرها وراحت تقرأ له الأدعية وتتمتم بالصلوات، ويتذكر كيف وقفت بعدها عند عتبة الدار وبعيون تخضّبها الدموع، ودون أن تنطق بكلمة، دلقت وراءه قدر الماء.
مضت السنون ثقيلة موحشة قاحلة ينتظر فيها يوم الإجازة ثم يوم العودة.. كان أبوه قد مات في سنتها الثانية بعد أن أكل السلّ رئتيه، وضياء الصغير مات منتحراً، ووصفي قتله رجال الجيش الشعبي بعد مطاردة قاسية إثر هروبه من الخدمة العسكرية. كمنوا له ثم لاحقوه وأردوه قتيلا جوار بناية معمل الثلج. يقال إنه توسلهم ولكن رصاصاتهم كانت أسرع من حروف توسلاته. تركوه جسداً منخوراً يسبح بدمه ومنعوا أهله من إقامة مجلس عزاء. جارتهم الوديعة رحاب لم يُقَمْ لها مجلس عزاء أيضاً، وقبل مقتلها لم يعنِ لأحد أن يسأل عن الذي حدث. غسل العار لا يحتاج ثرثرة.
أقحلت المدينة وتيبست نداوتها. الخوف فيها ضباب كثيف بطعم الحنظل . خائفون، أرواحهم مسلوبة من شدة الرعب، عيونهم الهلعة تترصد بعضهم البعض. وكأن المدينة بأزقتها موبوءة بمرض معدٍ يغطي جسدها وينخر أحشاءها.
ما عادت تثيره أمسيات التجوال التي اعتادها، حتى صوت جبار كرمش الذي يطربه، ما عاد يفرش شجنه فوق جدران البيوت. كان جبار يسير مترنحاً بجسده الناحل ووجهه الأسمر الشاحب يسكب ضحكات رضية يمنحها لمن يقابله. قيل وقتذاك إن جبار مات لعلـّة مجهولة. اختفت أغانيه الملتاعة وضحكاته الفجائية الوقحة، مات وما بقي من صوته غير شبح يطوف الشوارع.
كم من مرة خطرت في باله رغبة مجالسة جبار. فقط يجالسه ويستمع لحكاياه، لا شيء غير ذلك. ولكن سرعان ما كان يعاف هذا الأمر، فتلك مغامرة لها ثمن عند الجميع، فجبار كرمش زنديق المدينة وداعرها لا يقربه غير أمثاله. ولكن أين المفرّ الآن، فصوت جبار ما زال عالقاً يلتصق بقوة في حجرات جمجمته. يرافقه في حلـّه وترحاله. عند تلك السواتر والملاجئ، بين ضجيج القنابل المتساقطة ولعلعة الرصاص وأصوات سرفات الدبابة. الآخرون كانوا يطلون عليه من حين وآخر بملامح غائمة مشوشة مرتبكة.ولكن صوت جبار يجاوره يحاوره دون فكاك. في آخر يوم من إجازته الأخيرة رافقه قيس حتى مرآب السيارات الذاهبة إلى البصرة.
ـ بدأت تشيخ يا صاحبي ..بعدك تكره الزواج...عقده مو.
ـ يمعود تريدها أرملة تتردد على المقابر.
ـ حين تعود في المرة القادمة ستجد مقبرة المدينة قد ضاقت بالموتى، فكل يوم سيكون أشد عسراً من سابقه.
وبضحكة مرة أكمل قيس جملته.
ـ تره جبار كرمش كتله العرك ..لو...
ـ لا ...اللو هيه اللي كتلته ؟
ضلت تلك اللو محشورة في ذهنه، تنخره، تفترس خلايا روحه، وهو يقف الآن في الليل البهيم تحت سقف الملجأ الشقي، ورائحة الخريف مشبعة بالرمل وليس هناك أمامه غير أفق مظلم مصفرّ، والريح تصفع وجهه بقسوة. بأسها لا يحتمل. تحسس جبهته ثم وجنتيه، بدت له بتغضناتها وبروز العظام وكأنها قناع طيني متيبس. حدّق أمامه فشاهد حركة شخص يتقدم نحوه.
ـ قف.
ـ هاي شبيك ..أني جبار.
ـ سرّ الليل؟
ـ أهو مو دا أكَلك أني جبار.
حاول التخلص من الظلام الذي كان يطبق بقبضته على صدره وحنجرته ترنح قليلا واتكئ لجدار الملجأ ضاغطا بقوة جهة اليسار من صدره . ازدحمت أمامه الوجوه وما انفك أهل بلدته يتوافدون عليه، ضج بهم الموضع وضاقت عليهم جدرانه. ماعاد يسمع غير صوت جبار يحفر أخاديد عميقة في روحه وتبرق عيناه التائهتان بلمعان مشع رغم شحوبهما. راح بريقهما يخفت ويختفي رويدا رويدا منسحبا وسط كدس الظلام الشاسع الذي أطبق على عمق الملجأ.تردد صوت شخير ثم عم صمت مطبق، ولكن ترنيمة أخيرة رددها بعناد وصوت مشروخ.
لون تنفع بالبواجي عليك
اشك صدري بدال الزيج
وادلع



#فرات_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق إلى أين ؟؟
- وحدة ــ روح قصتان قصيرتان
- رعب يوم دراسي
- لوحة/ بيت من بيوت الله
- ذاكرة لا تجف/ رمضان الأسود
- ما أورثتني إياه الحرب
- تكرار ارتداء ذات الفستان هل يعني الحب ؟!
- الخاتم
- ساعة هروبنا من الجنة / اغواء
- معايير الديمقراطية والحلول المبتورة
- نبذ العنف وترميم السلم المجتمعي
- قصتان قصيرتان
- البعد الديني السياسي في معركة غزة
- صناعة الفاشينيستا والبلوغرات في العراق
- تعدد مراكز القوى ومستقبل العملية السياسية
- الحرب والعودة إلى الوادي المقدس/ ج الأخير
- الحرب والعودة إلى الوادي المقدس/ ج الثاني
- الحرب والعودة إلى الوادي المقدس/ ج الأول
- السلطة وخيار الديمقراطية.
- الوقوف عند الزمن الأخر/ ج الأخير


المزيد.....




- كرنفال ألمانيا يتحدى الرقابة ـ قصة فنان يُرعب زعيم الكرملين! ...
- انسحابات من مهرجان برلين السينمائي على خلفية حرب غزة
- كتاب -المتفرّج والوسيط-.. كيف تحولّ العرب إلى متفرجين؟
- حين تُستبدل الهوية بالمفاهيم: كيف تعمل الثقافة الناعمة في صم ...
- فيلم -الجريمة 101-.. لعبة القط والفأر بين المخرج والممثلين
- في اليوم الأول: غزة تُحاكم مهرجان برلين السينمائي 76
- جوانب من القيم الأخلاقية والتجارية في كتاب -حكم وأمثال في ال ...
- 8 مقاطع هايكومترجمة للفرنسية :الشاعر والكاتب محمد عقدة.دمنهو ...
- عصفور يوسف شاهين: قراءة في تمرد السينما على هزيمة حزيران وصر ...
- -محرقة آل مردوخ-.. كيف دمّر إمبراطور الإعلام كل ما أحب في سب ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - ترنيمة جبار كرمش الأخيرة