أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - وحدة ــ روح قصتان قصيرتان














المزيد.....

وحدة ــ روح قصتان قصيرتان


فرات المحسن

الحوار المتمدن-العدد: 8439 - 2025 / 8 / 19 - 16:48
المحور: الادب والفن
    


وحدة


اليوم كانت خطواتي المسائية المعتادة رتيبة فوق البساط الأخضر المندى لحديقتي الواسعة المهملة، ذات الأشجار الكثيفة المتشابكة، وأصص الورود المبعثرة بفوضى عابثة.
كل شيء يشي بالترهل والجدب، حتى نقرات نعلي البلاستيكي الكتومة وهي تخطر بتثاقل فوق خضرة الأرض الندية، ما كانت تستسيغها روحي، وقدماي متعبتان تخطان سيرهما بتمهل دون هدي منذ أكثر من ساعة. هناك كتاب مهمل بغلاف جلدي كلح لونه لكثرة ما تعرض للفح الشمس، يرقد منذ أسبوعين فوق كرسي الخيزران العتيق لصق شجرة السرو القزمة.
مثلما البارحة وقبلها بأيام مضت مسرعة، اخترت النوم وحيدا في الغرفة الباردة ذات النوافذ العريضة المطلة على بركة ماء المسبح، الذي ما عادت الذاكرة تسعفني للتعرف على أخر مرة عام جسدي مسترخيا فيه. ولم اكسر اليوم عادة الأشهر التي سبقته في تنقلي الليلي للنوم وحيدا في باقي غرف الدار المسكونة بالصمت الموحش.أجوب أشبار الدار، أتنصت صوت التلفاز المرمي بعيدا في زاوية غرفة الضيوف،واسمع ضربات الأغصان في الخارج وهي تعاند وتتأرجح مع بعضها. وأعيد تكرار عد رخام درجات السلم كلما وجدتها أمامي، كل ذلك محاولا إبعاد ما رقد في الذاكرة.
اليوم اجتاحتني رغبة المبيت في إحدى غرف الطابق العلوي. الغرفة المغلقة منذ عامين مضين. الغرفة الأثيرة لابنتي الوحيدة التي ما عرفت عنها شيئا مذ هاجرت وهجرتني بعيدا مع أمها. لازالت الغرفة بستائرها الموشاة بالدانتيل الزهري والمسدلة طوال الوقت، ترسخ في سكونها القهري. لوحة الفرس الجامح المسمرة جوار المنضدة في طرف الغرفة البعيد، والسرير العريض ذي الغطاء المطرز بألوان فاقعة و لعبة الأرنب الوبرية الكبيرة المرمية جواره، تذكرني بصخبنا المفتعل وكلمات وداع تبادلناها عنوة وببرود تأبيني ذات صباح. حينها ضجت أشجار الحديقة بصيحات فزعة مجنونة لسرب طيور كثيف، وذبلت معها زهور الأصص بلمح البصر، بعد أن جف اخضرار سيقانها منذ ما يقارب العامين. ومع صمت الجدران الكثيف أحسست أن الكثير من كل ذاك الصخب قد هُد، وعرفت كيف أفل، وتسللت شمسه مسرعة نحو غروب. صباح بحثت فيه عن نفسي، ولكن وهو يسدل ستارته ويمضي بعجالة اكتشفت حينها وحدتي المفزعة.







روح


ببرود دفع الطبيب جملته اللعينة وهو يتصفح الأوراق الموضوعة أمامه.
ــ إنها تملك قلبا بصمامين معطوبين شبه عاطلين، وتضخم متقدم واعتلال شديد بعضلته اليسرى، ليس سوى سرعة إبداله، ما ينقذ هذه الطفلة من موت فجائي.
كان هذا الإيجاز الطبي يكفي ليكون رصاصة ثقبت رأسها. نز عرق بارد عن صدغها وخارت قواها، فهربت بدمعها بعيدا دون وجهة معينة.
كانت أم رضاب بسنواتها الأربعين في حلمها وحيدة في مساء كالح الظلمة، تقف عند حافة هاوية عميقة في مكان موحش مقفر. يرن في رأسها دون فكاك ضجيج أهوج، وهناك في عمق الغور بعيدا، كانت ابنتها التي ما اجتازت بعد عامها العاشر، عارية مرمية في الجوف العميق، عيونها مفتوحة على سعتهما تلوح رافعة يدها وكأنها تطلب عونا.
استيقظت فزعة ومسحت بيد متخشبة عينيها، تلمست جسد ابنتها الراقدة جوارها.كان العرق الدافئ يبلل ثيابها. سحبت قطعة قماش مبللة ومررتها فوق صدغ الصغيرة وربتت على كتفها.
ــ ما الذي يجعلك مستيقظة لحد الآن.
ــ لا شيء يا أمي ولكن اشعر بألم في صدري.
ــ تناولت الدواء، أليس كذلك؟
ــ أخذته في موعده.
ــ حسنا سوف تتحسن حالتك.
شعرت بكدر يلف روحها، فقد كررت هذه الجملة عشرات المرات وفي كل مرة يبدو لها هذا سيئا، ولكنها تعيد تكرارها ببلادة. كانت السنة تحتضر في شهرها الأخير، دون ما يشي لوجود جواب من مستشفى ينقذ أبنتها. رغم التماساتها المذلة وترددها المتكرر على عديد العيادات التي ما عادت قادرة على دفع أجور الفحص فيها. ولم تنفع حتى ابتهالاتها ونذورها للرب. فليس هناك في هذه المدينة النائية ولا حتى في العاصمة من طبيب يجازف بإجراء عملية إبدال أو تطبيب لقلب متهرئ. ولكنه قلب طفلة يا الهي، هكذا في كل مرة تنهي أخر أمنياتها، وتختم تضرعها ببكاء مر مكتوم.
ــ أود أن تضميني لحضنك.اشعر أن شيئا ثقيلا ينط ويطفو في الهواء ثم يرقد فوق صدري.
سحبتها بهدوء من ذراعها الذي بدا مثل قصبة خاوية وضمتها إلى صدرها وراحت تهدهدها وهي تطالع سقف الغرفة بعينين زائغتين مبللتين.
ــ أمي.. هل يعيد الله الموتى إلى الحياة مرة أخرى؟
ــ ما الذي يجعلك تفكرين هكذا؟
ــ لا شيء فقط أردت أن اعرف لماذا يموت الناس والى أين يذهبون.
ــ الموتى يذهبون إلى السماء، هناك تكون لهم حياة أخرى أكثر سعادة وفرحا.
ــ ألن أعود لحضنك يا أمي؟



#فرات_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رعب يوم دراسي
- لوحة/ بيت من بيوت الله
- ذاكرة لا تجف/ رمضان الأسود
- ما أورثتني إياه الحرب
- تكرار ارتداء ذات الفستان هل يعني الحب ؟!
- الخاتم
- ساعة هروبنا من الجنة / اغواء
- معايير الديمقراطية والحلول المبتورة
- نبذ العنف وترميم السلم المجتمعي
- قصتان قصيرتان
- البعد الديني السياسي في معركة غزة
- صناعة الفاشينيستا والبلوغرات في العراق
- تعدد مراكز القوى ومستقبل العملية السياسية
- الحرب والعودة إلى الوادي المقدس/ ج الأخير
- الحرب والعودة إلى الوادي المقدس/ ج الثاني
- الحرب والعودة إلى الوادي المقدس/ ج الأول
- السلطة وخيار الديمقراطية.
- الوقوف عند الزمن الأخر/ ج الأخير
- الوقوف عند الزمن الأخر /ج4
- الوقوف عند الزمن الأخر /ج3


المزيد.....




- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026
- الأردن يرمم -ذاكرة الأرض-: مئات الآلاف من وثائق ملكيات الضفة ...
- رحيل سيد نقيب العطاس.. رائد -إسلامية المعرفة- واستعادة الأدب ...
- 28 رمضان.. من ميلاد الأندلس إلى زفاف -أميرة القلوب-
- حفل الأوسكار الـ 98.. إطلالات صنعت اللحظة على السجادة الحمرا ...
- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...
- مدريد تحتفي بالثقافة الإيرلندية في موكب ملون ليوم القديس بات ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - وحدة ــ روح قصتان قصيرتان