أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - تسوية














المزيد.....

تسوية


فرات المحسن

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


اجتاز رجب الشارع مطرقاً رأسه، مبعداً نظره عن حركة الأشياء من حوله، مفكراً في الحديث الذي دار مع القائد الأمريكي، فكل ما أرادوا معرفته قدّمه لهم بنصيحة العارف بدقائق الأمور، مطالباً إياهم بمنع الانتقام لتهدأ الأوضاع، ويشعر الناس بأنهم جاؤوا لحمايتهم لا لإشاعة الانفلات والفوضى والموت.
كان مضطرباً وهو يسير وسط الشارع العريض الخالي من المارة، تملكته رغبة عارمة للذهاب إلى مكتبه الذي هجره منذ بدء الهجوم، لكن رغبته تلاشت، ووجد قدميه تقودانه نحو بداية الطريق المؤدي إلى الجهة القريبة من الشارع الرئيسي، حيث بيت صديقه المحامي أبي جبار اللامي، فهناك يستطيع أن يفصح عما يدور في خلده، ويناقش معه ما دار بينه وبين القائد الأمريكي، فأبو جبار يملك من الحنكة والحكمة ما يُبدد قلقه وإرباكه، ولا يمكن أن يبخل على صاحبه بما يطمئنه. لكن ضحكة القائد الأمريكي كانت تتردد وتملأ رأسه لتلسعه بطنينها، شقّ عليه استيعاب فكرة النوايا الحسنة وراء تلك الضحكة التي عرض عليه بعدها أن يكون صلة الوصل بينهم وبين أهالي مدينته. داعبه الأمل لحظتها، لكنه سرعان ما أفاق منه، شاعراً بثقل المهمة وغموضها في هذا العمر. فبعد جهاد طويل. لم يدر في خلده يوماً، طوال حياة عاشها مغامراً يتقلب بحثاً عن وجود وكينونة، أن يواجه موقفاً كهذا في هذا الوقت بالذات، فحتى الموت كان قد حسب له حساباً، لكن موقف اليوم له حساب آخر. في تلك الساعة الحائلة الملامح ومع تقدم جيش الاحتلال، بدت الأشياء وكأنها تُشوى فوق جمر، ولم يجد من يقف جواره، فشعر بوحدته المضنية. لم يصنع سوءاً لأحد، فلماذا تتعقبه الأقدار بخياراتها القبيحة بكل هذه الحدة والقسوة؟ من الصعب أن يدرك المرء في أواخر عمره أن ما تشبّث به كان خدعة أو لعبة لم يكن له خيار فيها، بقدر ما كان القدر يقودها دون إفصاح عن هدفها. هل يمكن نسيان كل ما حدث مع مرور الزمن؟ واليوم عليه أن يبدأ من جديد، فأية لعبة اختارها له قدره؟ وبعد كل حقول الألغام التي نُصبت له والمهازل التي قُدّر له أن يكون مصاحباً لها، وتلك التي نجا منها على عهد البعثيين، يجد نفسه اليوم لا يزال متماسكاً ويفكر، ولكن في أي شيء؟ ومن أجل ماذا؟ أيحتاج الأمر كل ذلك الجهد؟ أسيخرج التعامل مع الأمريكان مدينته من محنتها؟ أم ترى أن المسألة تعيد صناعة نفسها؟ فبالأمس كان يرافق رجال البعث ويُمالئهم ويقدم لهم الرشا لأجل عمل أو حماية، والآن ما لون القادم؟ وما سوف يكون عليه مصير المدينة؟
سار رجب منعطفاً نحو البناية القريبة الواقعة في مقدمة السوق، حيث عليه أن يتخطاها ليعبر الطريق نحو الجانب الآخر. بدت البناية وقد لُطّخت ببقع داكنة، ونتأت من سقوفها بقايا حديد معوجّ كأنه أضلع محطمة. كان الدخان ما زال يملأ المكان برائحته، دخان أسود يخرج من الجوف المحترق، مع بقايا كراسٍ ومناضد وأوراق مبعثرة محترقة مرمية وسط الشارع، وثمة ثريّا معلقة في إحدى واجهات غرف البناية تتدلى كأنها رجل معلق من رقبته.
ــ ها يا أبا مهند، أبدلت ثوب البعثية بثوب الأمريكان؟
لم يسمع رجب الكلمات جيداً، فقد ضاعت وشوش عليها صوت رشقات الرصاص. هزت الرصاصات جسده وطوحت به ليهوي عند عتبة البناية. اضطرب جسده، فشعر بوخزات حادة لاسعة تخترق صدره. تلمس مكامن الجراح وضغط عليها شاعراً بحدة الألم. تراجع نحو الخلف ثم هوى بجسده، وأخذ يخبط الأرض بكلتا يديه، وكان الدم ينز فواراً من جسده المنخور، وعيناه المتيبستان ابيضتا، وكانتا تحملقان في الفضاء الكالح البعيد.



#فرات_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات من مدونات الوجع
- النزهة الأخيرة
- خيار الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد السوق المفتوح.
- ليلة الاتحاد السوفيتي الأخيرة
- صورة
- وطن فوق الجميع
- الخدعة سلاح فعال عند المُلمات
- بعضًا من تاريخ الشيوعية العراقية
- ترنيمة جبار كرمش الأخيرة
- العراق إلى أين ؟؟
- وحدة ــ روح قصتان قصيرتان
- رعب يوم دراسي
- لوحة/ بيت من بيوت الله
- ذاكرة لا تجف/ رمضان الأسود
- ما أورثتني إياه الحرب
- تكرار ارتداء ذات الفستان هل يعني الحب ؟!
- الخاتم
- ساعة هروبنا من الجنة / اغواء
- معايير الديمقراطية والحلول المبتورة
- نبذ العنف وترميم السلم المجتمعي


المزيد.....




- أصالة تعود إلى سوريا.. وصول أشعل الترند وبروفات تسبق ليلة دم ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح الباريسي
- تايلاند تهدي المكتبة الوطنية الروسية في بطرسبورغ نسخة من -تي ...
- راستوغويف يستبعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الملحنين
- كشف أثري تاريخي في مصر يحل لغز حماية الحدود الغربية
- مصر تنجح في استرداد قناع ذهبي أثري من سويسرا
- التعليم العالي: فتح باب تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الفنية ...
- روسيا.. مديرة معرض تريتياكوف تعلن إحياء المجلة الفنية
- 95 عاما من سحر العرائس.. مسرح أوبرازتسوف وصاحب العرض القياسي ...
- فنانون ينسحبون من جولة المغني إد شيران احتجاجا على استبعاد م ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - تسوية