أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - النزهة الأخيرة














المزيد.....

النزهة الأخيرة


فرات المحسن

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 13:38
المحور: الادب والفن
    


كان الوحيد من بين أقرانه الذي لم يستطع قبول العزلة جراء أحداث الاقتتال الطائفي. ففي النصف الأخير من شهر حزيران في العام السادس من بعد الألفين، ومثلما اعتاد عليه سابقاً، اصطحب جهاز التسجيل وصفيحة ماء بارد، وقطعة صغيرة من البطيخ وعنقود عنب، وضعها في صندوق فليني مع قطع من الثلج بجوار قنينة الكحول. كان القارب عريضاً ثقيلاً. تقدم ووضع مقتنياته في جوفه ودفعه بعيداً عن ضفة النهر. هبت نسائم خفيفة باردة بعض الشيء، ولاحت في البعيد غبرة غطت السماء. تلألأ من الجانب الآخر ضوء خافت عكسته أشعة الشمس الساقطة فوق منارة الجامع. جدف مبتعداً بقاربه نحو عمق النهر، ثم عاف القارب ينزلق الهوينا مع انحدار الماء، مد يده والتقط جهاز التسجيل الذي وضعه فوق الحافة الخلفية العريضة للقارب، ضغط زر التشغيل فانطلق صوت أم كلثوم يصدح:
إسأل روحك.. إسأل قلبك
قبل ما تسأل أنا غيرني إيه....
كل شيء من حوله قد تغير. ذاك ما شعر به الآن، حتى جرف النهر بدا وكأنه يزحف نحو العمق باتجاه الضفة الأخرى، وبان له المنظر مشوهاً كسيحاً. طالع الشاطئ الآخر فانتابته لحظة كدر شعر معها بكربة وألم يجتاح كيانه. فكّر بتلك الأيام حين كان يلهث ويقع مجهداً جراء عبوره النهر سباحة. ولكنه يعتقد الآن أن خمس دقائق ستكون كافية للوصول إلى الضفة الأخرى، لقد أجدب النهر.
يلامس بيديه الماء، فيشعر ببرودة لذيذة تتسلل نحو جسده، أحس معها بشيء من نشوة تغمر كيانه. فتح قنينة الكحول وارتشف كأساً حادة الطعم، ودس في فمه بعجالة حبتي عنب.
يتلذذ بفرادته وينتشي بأصوات الطيور وهي تهرب نحو أعشاشها تاركة وراءها يوماً مليئاً بالضجيج والحركة. يشعر بالغبطة والاسترخاء. يدع القارب يأخذ طريقه منساباً مع مياه النهر ويروح يطالع السماء منتشياً.
سابقاً في هذه الوحدة والسكون كان يحسم خياراته ومشاغله، يحاور روحه بصفاء ورضاً، ينتشي بعدها أيما انتشاء. تستمر ممارسته لطقسه اليومي الأثير أكثر من ساعتين، خط النهاية ذلك الجسر الحديدي، بعدها يستدير ليعود بعد أن تغيب الشمس وتختفي بعيداً. فيتجه حيث المكان الذي انطلق منه، قرب المقهى الصيفي الصغير. يوقف القارب ويركنه عند جذع شجرة صفصاف صغيرة متيبسة غُرزت جذورها عميقاً في الطين، بعدها يقذف جسده المتعب من التجديف والنازّ عرقاً وسط الماء، ويندفع ليتهادى في غمره حتى شاطئ الجانب الآخر للنهر، يعود بعدها والسكينة تملأ قلبه وكيانه.
الساعة، كل تلك الوجوه وملامح البنايات المجاورة يراها قد اختفت أو تشوهت. خلا الشاطئ من البشر ومثله الشوارع المجاورة، وانطفأت مصابيح الطرق والبيوت ما عدا ضوء الشمس الكسيحة التي تميل باحمرارها المختنق بالغبار نحو المغيب. شعر بالوحشة والغربة وكأنه دخل عالماً مسكوناً بالأرواح الشريرة. تلفت حوله محاولاً أن يتلمس في الجوار بعض حياة، ولكنه لم يجد غير طيور النوارس التي راحت تتعارك حول جيفة يجرفها الماء، وثمة أشواك تأتي لترتطم باللسان الرملي الذي امتد ليكون شبه جزيرة تخترق النهر وتضيّق مجراه. لم يكن هناك أثر لريح، وكانت الشمس تهبط رويداً فوق طرف السماء من جهة الغروب، والأماكن على جانبي النهر كتل صمّاء جامدة. انساب القارب نحو عمق النهر، فتركه يتهادى دون أن يبذل جهداً لتصحيح مسيره. تلفت حوله بحذر وأحس بالرهبة من الفراغ المفزع الذي يحيط بالمكان، شعر بالندم يسحق روحه، فكر بالعودة وترك نزهته المعتادة ليوم آخر، هذا السكون المجوف ربما يخفي مفاجأة غير سارة، فقد أحس بمئات العيون تترصده من ثقوب البيوت المطلة على النهر، حتى طيور النهر عافت طعامها وراحت تحوم حوله. لم يشعر بطعم الفاكهة وهو يلوكها. لا شيء هناك في الأفق غير السماء الرصاصية المصفرة وهي تهوي مقتربة من سطح الماء الرجراج. تمالك أعصابه ووجه لنفسه تقريعاً ولوماً حادين.
طالع هيكل الجسر الحديدي الذي اقترب منه. بدا الجسر وكأنه شبكة حديدية وضع الزمن بصماته عليها ببقع صدئة داكنة ونافرة. تذكر أن الجسر كان دائماً هو خط النهاية لنزهته، وعليه أن يعود أدراجه. ارتشف كأساً أخرى ونظر في الأفق البعيد. فجأة سمع صوت إطلاقة تخترق السكون وترتطم بقاعدة الجسر القريبة، فزع إثرها سرب عصافير. نهض واقفاً يبحث عن مصدر الإطلاق ولكنه بوغت برشقة رصاص من المكان ذاته. أطلق صرخة تردد صداها في المكان. انتفض جسده وانحنى شيئاً فشيئاً إلى أن هوى في قعر القارب، وكانت عيناه الفزعتان مفتوحتين على سعتهما تطالعان المنحنى المتشابك للجسر الذي كان ينزلق بصمت فوقه بالضبط.



#فرات_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خيار الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد السوق المفتوح.
- ليلة الاتحاد السوفيتي الأخيرة
- صورة
- وطن فوق الجميع
- الخدعة سلاح فعال عند المُلمات
- بعضًا من تاريخ الشيوعية العراقية
- ترنيمة جبار كرمش الأخيرة
- العراق إلى أين ؟؟
- وحدة ــ روح قصتان قصيرتان
- رعب يوم دراسي
- لوحة/ بيت من بيوت الله
- ذاكرة لا تجف/ رمضان الأسود
- ما أورثتني إياه الحرب
- تكرار ارتداء ذات الفستان هل يعني الحب ؟!
- الخاتم
- ساعة هروبنا من الجنة / اغواء
- معايير الديمقراطية والحلول المبتورة
- نبذ العنف وترميم السلم المجتمعي
- قصتان قصيرتان
- البعد الديني السياسي في معركة غزة


المزيد.....




- تركيا.. نجار متقاعد يحول جدران بلدته إلى لوحات فنية
- -رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور ...
- حرب الروايات في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحاول إسرائيل إعاد ...
- -الفراشة الماسية- تفتح آفاقا جديدة للتعاون السينمائي الروسي ...
- جرس القيصر.. قصة جرس روسيا العملاق الذي لم يُقرع أبدا
- جون بولتون: مهمة مدير -سي آي إيه- في موسكو مسرحية ترمبية
- وفاة الفنان المصري محمد التاجي عن عمر يناهز الـ 72 عاما
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يلتقي محافظ ال ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد جامعة ال ...
- قنصوة: الأنشطة الطلابية جزء أصيل من التجربة الجامعية.. والمو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - النزهة الأخيرة