|
|
خيار الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد السوق المفتوح.
فرات المحسن
الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 18:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في تصريح سابق، وعند بداية تسلمه المنصب، قال السيد علي الزيدي، رئيس مجلس الوزراء، إنه يسعى لإبعاد الاقتصاد العراقي عن اعتماد النهج الاشتراكي. أثار تصريحه هذا ردود أفعال عديدة، واتُّهم حينها بقصور في المعلومة والرؤية الاقتصادية، بالرغم من سابق خبرته في التعامل المصرفي، كونه خريج كلية التجارة والاقتصاد وشريكاً في تأسيس أحد المصارف العراقية الفاعلة، فضلاً عن كونه صاحب شركة توريد تزود السلطة العراقية بالسلة الغذائية للجيش والمواطنين، مما دفعني وغيري إلى دعوته بضرورة الاطلاع على أسس التمييز بين "رأسمالية الدولة" والاقتصاد وفق النظم الاشتراكية، ليكون على دراية بما يعلن عنه. ومن المناسب أيضاً قراءة واقع الاقتصاد العراقي في عهد حزب البعث وما قبله، حيث كانت الدولة توفر مجانية التعليم وبعض الخدمات الصحية وأسعاراً مدعومة للماء والكهرباء والخدمات البلدية، وهو ما سُمي باقتصاد "رأسمالية الدولة"، وهو نموذج لا تزال تمارسه بعض دول أوروبا رغم تبني اقتصاداتها بالكامل طرق ومناهج السوق الرأسمالي المفتوح. في تصريحات السيد الزيدي الأخيرة قبل سفره إلى أمريكا، دائماً ما كان يلمح إلى نيته تبني حلول لمشاكل العراق الاقتصادية، وأكد على ذلك في اللقاء الصحفي مع الرئيس الأمريكي دونالد جون ترامب، حيث قال إن زيارته هي الأولى والأكثر أهمية، وليست عابرة، بل جاءت لغرض خلق شراكة مع أكبر قلب اقتصادي عالمي ولأجل شراكة مجتمعية! كل تلك التصريحات والتلميحات تشي لنوايا لا تقبل التأويل، ورغبة مُضمرة لدفع العملية الاقتصادية في العراق نحو نظامٍ جديدٍ يختلف عما هو عليه في الوقت الراهن؛ ليكون نهجاً اقتصادياً جديداً للمجتمع العراقي الذي عاش دائماً في ضبابية وضعه الاقتصادي. فخصائص التشكيلات الاقتصادية منذ ظهور الدولة الوطنية عام 1921 اتسمت بالتذبذب والالتباس في العقلية المنهجية ونوع الإدارة الاقتصادية، وأساليب توزيع الثروة حتى سقوط سلطة حزب البعث على يد القوات الأمريكية، وهو ما نتج عنه، وبسبب إدارة المحتل، منهجية جديدة في قيادة العملية الاقتصادية وتوزيع الثروة والتعامل وفق طرق الاقتصاد الريعي؛ فالدولة هي المالك للمادة والثروة الأساسية، وتقوم بتوزيع حاصل هذه الثروة على الشعب من خلال توفير وظائف غير إنتاجية ودعم بعض الخدمات والسلع كالسلة الغذائية الشهرية. وقد تمثلت ميزانية الدولة بعائدات بيع النفط ما يعادل 93 بالمئة من الدخل، دون وجود يذكر لعائدات مالية من منتجات أخرى، لذا أُطلق على اقتصاد العراق منذ سنوات ما بعد التغيير وحتى الآن توصيف "الاقتصاد الريعي". في ظني، كان السيد الزيدي يحمل فكرة اختمرت في ذهنه وتداولها مع بعض رفاقه، ونضجت جراء اشتغاله في الصيرفة واطلاعه على تقلبات العملة والسوق العالمية، وامتلاكه لشركات التجهيز ومعاصرته لتقلبات القيم المالية للبضائع، فحفزت لديه رغبة تغيير سمات الاقتصاد العراقي بعد توليه القيادة، فصرح بتعابير دارجة في مؤتمره مع الرئيس ترامب قائلاً: "أنا ورثت بلدا ثقيل (أي ثقيل بالمشاكل الاقتصادية والسياسية)، وأنا كحاصل على ماجستير مالي (أي علوم اقتصادية) حللت الوضع، ولذا فهذا الثقل يحتاج إلى شريك استراتيجي يحمله معي، وأهم شريك استراتيجي في العالم هو الولايات المتحدة، لذا لم تكن زيارتي لأمريكا عاطفية ولا من فراغ". يرى الكثير من خبراء الاقتصاد السياسي أن النقلة النوعية من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد السوق المفتوح ليست سهلة؛ فهي ليست مجرد تنظير أو تغيير في مصادر الدخل، بل تحول جذري في هياكل وطبيعة الدولة والمجتمع. وهناك صعوبات ومعوقات كثيرة تواجه هذا التحول، وتتطلب بيئات فائقة المرونة ورؤية اقتصادية واعية، حاسمة وقوية لتنفيذ البرنامج، وترتبط تلك القواعد بتغيرات في نفوذ وسلطة القوى المسؤولة عن أدوات تسيير الاقتصاد، مثل اللجان الاقتصادية والمصارف. كما يرتبط التغيير بتعزيز دور القطاع الخاص، مما يفرض نقلة نوعية في نماذج جلب الاستثمار وتوظيفه، وتغييراً في كيفية فرض الضرائب. أيضاً على السلطة توفير برامج لتنويع مصادر الدخل، والقيام بتغيير ناجز لبرامج الإنفاق الحكومي ومكافحة الفساد واعتباره ظاهرة إرهابية وتخريباً لمؤسسات الدولة، وإيجاد قوانين مشددة تغلق منافذه، وكل هذا يتطلب أيضاً تغيير للعلاقة بين الدولة والمواطن لتتمثل بتنفيذ نصوص الدستور بما يضمن حقوق المواطن عبر تشريعات كافلة وتأكيد سيادة القانون الذي يوفر الأمان والسلم المجتمعي.
من خلال لغة الجسد وإطلاق التصريحات، تبدو شخصية رئيس الوزراء السيد علي الزيدي واثقة ومعتدة بنفسها وجريئة، ولديه الاستعداد للمواجهة وخوض تجربة جديدة يختبر فيها قدراته على خوض غمارها بما يملكه من تلك الصفات والسمات وشيء من المعلومات استمدها من معرفته وتجربته الشخصية. وفي الوقت ذاته، لا يخفي نواياه بالاعتماد الكلي على شريك استراتيجي مستقبلي وقلب اقتصادي كبير - مثلما سماه- ألا وهو الولايات المتحدة الأمريكية، ليكون الساند الفعال ومالك القوة والثروة والقادر على المساهمة في تجاوز العثرات إن ظهرت أمام تنفيذ خيار الانتقال.
إن خيار الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد السوق المفتوح مع النوايا السليمة والقرارات والتغييرات الجادة ليس بالمستحيل، ولكنه في الوقت ذاته ليس بالعملية السهلة، خاصة في بلد مثل العراق غير المستقر سياسياً واقتصادياً. فالعقبات الأولى والأكثر حدة التي ستواجهها محاولة الانتقال إن خلصت نية السيد الزيدي واختار ذلك الطريق، تتمثل في خيارين إن تم تجاوزهما،عندها تبدأ الخطوات الأولى في طريق سالك يفضي إلى خطوات أقل حدة، ومع توفر الإمكانيات المادية والعلمية وروح العمل يمكن حلهما أو إنجازهما. ولكن يمكن القول أيضاً إن هاتين العقبتين، إن لم يتم إنجازهما، ستكونان السبب في تقويض الإجراءات والوقوف بقوة وحزم أمام عجلة التغيير وإفشال كافة الجهود، وتلكم هما مشكلة سيادة القانون والأمن، ومن ثم الاستقرار السياسي؛ وهذان الملمحان هما عمودا التحول وعليهما تتوقف باقي السرديات الخاصة بالانتقال. فالانقسام السياسي يمثل الجانب الأكثر حدة في مظاهر الدولة والحكم، والذي من الممكن أن يكون العثرة الكأداء في طريق نوايا الزيدي لتنفيذ التحول، لكون الاقتصاد الريعي يمثل اليوم العمود الفقري لطبيعة العملية التحاصصية وتقاسم الثروة التي تقوم عليها منهجية الحكم في العراق. وفي حالة الإقرار بالاستغناء عن هيكليته الاقتصادية المعمول بها في الوقت الراهن، فإن الوضع الجديد يتطلب الاستغناء عن نموذج ما سُمي بـ "المحاصصة" والتي يُطلق عليها تأدباً صفة "الشراكة الوطنية". لكن مثل هذا الأمر سيثير حفيظة العديد من القوى المشاركة في العملية السياسية، وعندها سوف تقف منه موقفاً رافضاً، وتتصاعد مقاومتها ومعها مؤازروها من باقي الفئات المنتفعة من المحاصصة، وتندفع لبذل الجهود عالية الوتيرة لمنع التحول وإعاقته؛ لكونه يغير من موازين القوى ويقلل من الامتيازات والمنافع التي حصلت عليها تلك القوى والأحزاب، والتي أسست لغرض الانتفاع مكاتب وهيئات استشارية اقتصادية باتت الوسيلة الفعالة لعقد الصفقات والحصول على المنافع المالية، وتشكلت بوجودها اقتصاديات موازية وغير رسمية طفيلية تحصل على ما يأتي أو يُقدّم لها من مكاتب الأحزاب والقوى السياسية، وأيضاً الانتفاع من فرق العملة وتداولها وبيعها عبر نافذة بيع العملة اليومية التي يمارسها البنك المركزي العراقي، والتي أصبحت المغذي الأساس لزيادة أرباح القوى السياسية وتعزيز عمليات الانتقال المالي وتهريب العملة خارج العراق وعقد الصفقات بمختلف أنواعها القانونية وغير القانونية، وهذا ما دفع وتيرة الفساد للارتفاع والتنوع بقفزات وبنسب مهولة ربما لم يُعرف مثيل لها في أكثر بلدان العالم فقراً أو فساداً. وحسب التجارب الدولية التي فضلت فيها بعض البلدان تبني خيار اقتصاد السوق، فإن الأمن دائماً ما شكّل الهاجس الأكثر إقلاقاً للسلطة، وركيزة أساسية للاستقرار السياسي والطريق المفضي للانتقال والتغيير الآمن والسلس. وفي هذا الجانب، فإن السيد الزيدي - وقد حزم أمره وقرر وضع تاريخ نهائي لتنفيذ أحد أهم خيارات حملته في مسألة سيادة القانون واستتباب الأمن- يسعى لإنهاء وجود القوى المسلحة خارج منظومة الدولة العسكرية والأمنية؛ وهذا ما دفعه للتعهد قبل وأثناء المؤتمر الصحفي مع الرئيس ترامب بأن تكون نهاية شهر سبتمبر الموعد الأخير لوجود الفصائل المسلحة وما سُمي بالسلاح المنفلت أو التشكيلات العسكرية، والتي دائماً ما كانت وما زالت تهدد بنسف العملية السياسية برمتها إن لم تحصل على موطئ قدم في داخلها، ويُسمح لها بالحصول على المنافع المالية من خزينة الدولة أو من خارجها والحفاظ على ارتباطاتها الخارجية دون مساس. وهنا يمكن القول إن إنجاز الانتقال الأمثل والخروج من واقع اقتصاديات الريع لا يمكن أن يتم دون مراعاة توفر شروط عديدة أخرى لتأهيل الاقتصاد الوطني لتقبل ذلك الانتقال، ليس أقلها العمل على كسب ثقة المستثمر الوطني والأجنبي بالعملية الاقتصادية، ورفع درجة الثقة بين المواطن والسلطات عبر إيجاد أجهزة رقابية وتنظيمية قوية ونزيهة، واستقلال القضاء، ورفع الدعم أو إعادة هيكلة القطاع العام أو خصخصته، وإتاحة الفرصة لنمو المبادرات الفردية والشركات الخاصة، والبناء في مجال الطاقة والخدمات وقضايا عديدة ساندة لإنجاح عملية الانتقال إلى الاقتصاد الرأسمالي، أي اقتصاد السوق المفتوح. فهل ينجح خيار الانتقال هذا إن تم اعتماده، أم سيواجه تحديات تخلق أزمات داخلية عديدة تكون عامل تفجير لصراعات من نوع جديد ترفع من وتيرة معاناة الشعب العراقي؟
#فرات_المحسن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ليلة الاتحاد السوفيتي الأخيرة
-
صورة
-
وطن فوق الجميع
-
الخدعة سلاح فعال عند المُلمات
-
بعضًا من تاريخ الشيوعية العراقية
-
ترنيمة جبار كرمش الأخيرة
-
العراق إلى أين ؟؟
-
وحدة ــ روح قصتان قصيرتان
-
رعب يوم دراسي
-
لوحة/ بيت من بيوت الله
-
ذاكرة لا تجف/ رمضان الأسود
-
ما أورثتني إياه الحرب
-
تكرار ارتداء ذات الفستان هل يعني الحب ؟!
-
الخاتم
-
ساعة هروبنا من الجنة / اغواء
-
معايير الديمقراطية والحلول المبتورة
-
نبذ العنف وترميم السلم المجتمعي
-
قصتان قصيرتان
-
البعد الديني السياسي في معركة غزة
-
صناعة الفاشينيستا والبلوغرات في العراق
المزيد.....
-
القهوة والكافيين .. فوائد صحية محتملة ومخاطر عند الجرعات الع
...
-
أداة ذكية تحسن التنبؤ بخطر الربو لدى الأطفال
-
عينات -تشانغ آه-6- تكشف سرا عمره مليارات السنين.. كيف رسمت ا
...
-
رئيس وزراء بريطانيا الجديد – جرس إنذار لترامب
-
هل سيتمكن ترامب من تمرير قانون -إنقاذ أمريكا-؟
-
ترامب يوقع أمرا بفرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 50% على سلع كند
...
-
الحوثيون يعلنون حظرا بحريا على السعودية وسط تصعيد أمريكي إير
...
-
رئيس كولومبيا يدعو للحفاظ على إرث حكومته ويجدد الاتهامات لإس
...
-
كيف يمنح تصعيد الحوثيين إيران ورقة ضغط جديدة في سوق الطاقة؟
...
-
بيرنهام يكشف تشكيلة حكومته ويعرض أولويات داونينغ ستريت
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|