أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي مهدي - مناقشة الوثائق التي ستقدم للمؤتمر الخامس للتيار الديمقراطي العراقي















المزيد.....



مناقشة الوثائق التي ستقدم للمؤتمر الخامس للتيار الديمقراطي العراقي


علي مهدي
باحث

(Ali Mahdi)


الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 22:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إلى الرأي العام: للنقاش والمراجعة
تضع اللجنة العليا للتيار الديمقراطي العراقي أمام الرأي العام وثيقتي التقرير السياسي والتقرير الإنجازي المقدمتين إلى المؤتمر الخامس للتيار، للفترة الممتدة من أيار 2024 إلى تشرين الثاني 2026، إيماناً بأهمية الحوار الديمقراطي والمراجعة النقدية للعمل السياسي والتنظيمي.
وإذ نطرح الوثيقتين للنقاش العام عبر موقع الحوار المتمدن، فإننا نرحب بجميع الآراء والملاحظات والتدقيقات والمقترحات التي من شأنها تعزيز دقتهما وتطوير مضامينهما.
ويؤكد التيار استعداده لتلقي كل ما من شأنه تصويب مسيرته وتطوير أدائه السياسي والتنظيمي في المرحلة المقبلة.

إننا نعدّ هذا الحوار مساهمة في ترسيخ ثقافة النقد البنّاء والعمل الديمقراطي المسؤول، وتعزيز دور التيار في الحياة السياسية العراقية.
اللجنة العليا للتيار الديمقراطي العراقي

9 تشرين الأول 2026




التقرير السياسي المقدم إلى المؤتمر الخامس للتيار الديمقراطي العراقي
أيار 2024 – تشرين الثاني 2026
المقدمة
ينعقد المؤتمر الخامس للتيار الديمقراطي العراقي في مرحلة ما زالت فيها الدولة العراقية تواجه أزمات بنيوية لم تُحسم منذ عام 2003،. فقد استمرت المحاصصة والتوافقية في إنتاج السلطة وإدارة مؤسسات الدولة، وأضعفت فاعلية المعارضة والمساءلة، فيما تواصل تداخل النفوذ السياسي مع المال العام والسلاح، وتبقى مؤسسات الدولة عرضة لتأثيرات القوى المتنفذة.
وقد أكدت التجربة أن معالجة هذه الأزمات لا تتعلق بأداء حكومة أو مجلس نواب بعينه، وإنما تقتضي إصلاح آليات إنتاج السلطة والانتقال من نظام التوافقية وتقاسم النفوذ إلى نظام ديمقراطي واضح يقوم على الأكثرية والأقلية،. كما أظهرت الانتخابات النيابية لعام 2025 حدود النظام الانتخابي القائم، وأهمية إصلاحه بما يضمن عدالة التمثيل وتكافؤ الفرص ويحد من تأثير المال السياسي والسلاح والنفوذ.
وتزامنت هذه الازمات الداخلية مع تحديات إقليمية ودولية متزايدة، أكدت هشاشة الدولة العراقية أمام صراعات المنطقة، وأهمية حصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بيد الدولة، واعتماد سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة. كما كشفت التطورات الاقتصادية، ولا سيما اضطرابات تصدير النفط والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، استمرار هشاشة الاقتصاد نتيجة الاعتماد المفرط على النفط وضعف تنوع مصادر الدخل ومنافذ التصدير.
وفي الوقت نفسه، بقي الفساد وتراجع الحريات وضعف الخدمات والبطالة ومحدودية فرص العمل من أبرز التحديات التي تمس حياة المواطنين وثقتهم بالدولة. وقد أظهرت الحملة الحكومية الأخيرة لمكافحة الفساد أهمية الانتقال من ملاحقة الحالات الفردية إلى تفكيك شبكات الفساد وحماية المال العام، فيما أكدت التطورات المتعلقة بالحريات والمواطنة ضرورة الدفاع عن الحقوق الدستورية وتعزيز استقلال القضاء والمجتمع المدني والمشاركة السياسية.
وفي مواجهة هذه التحديات، واصل التيار الديمقراطي التمسك بمشروعه في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، وترسيخ المواطنة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون، وإنهاء المحاصصة، وحصر السلاح بيد الدولة، واستقلال القرار الوطني، وحماية الحريات وتوسيع المشاركة السياسية والمدنية. ويأتي هذا التقرير بوصفه قراءة سياسية لتجربة الدورة ومجمل التحولات التي شهدها العراق، وإنما يركز على المحطات والقضايا التي كان لها أثر في مسار الدولة والمجتمع، وعلى مواقف التيار منها، وصولاً إلى استخلاص الدروس وتحديد مواطن القوة والضعف والتحديات التي ينبغي أن توجه عمل التيار في المرحلة المقبلة.
أولاً: المشهد السياسي وأزمة النظام ــ من التوافقية إلى الأغلبية والمعارضة
شهد العراق خلال الفترة الممتدة من المؤتمر الرابع للتيار الديمقراطي في أيار 2024 إلى المؤتمر الخامس استمراراً للأزمة البنيوية في النظام السياسي، رغم ما تحقق من استقرار نسبي في بعض جوانب المشهد العام. ولم تتمكن الممارسة السياسية خلال هذه الدورة من إحداث تحول جوهري في طريقة إنتاج السلطة وإدارة الدولة، إذ ظلت التوافقات بين القوى النافذة حاضرة في تشكيل الحكومات وتوزيع المواقع والنفوذ، واستمرت المحاصصة بوصفها الإطار العملي الذي يحكم جانباً مهماً من العلاقة بين القوى السياسية ومؤسسات الدولة.
إن استمرار هذا النهج يجعل الانتخابات غير قادرة وحدها على إنتاج تداول فعلي للسلطة. فحتى عندما يذهب المواطن إلى صناديق الاقتراع ويمنح ثقته لقوى سياسية مختلفة، تعود عملية تشكيل الحكومة إلى دائرة التوافقات والمساومات بين القوى النافذة، بحيث تتوزع المسؤولية السياسية وتتراجع إمكانية تحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية النجاح أو الفشل.
ويرى التيار الديمقراطي أن هذا الوضع يستدعي الانتقال من نظام التوافقية السياسية إلى مبدأ الأغلبية والأقلية، باعتباره أكثر انسجاماً مع طبيعة النظام البرلماني وأقدر على إنتاج حكومة ذات برنامج ومسؤولية سياسية واضحة، وفي الوقت نفسه معارضة برلمانية حقيقية تمارس دورها الرقابي بصورة مستقلة.
ولا يعني الانتقال إلى مبدأ الأغلبية والأقلية إقصاء القوى السياسية أو المكونات الاجتماعية، بل يعني إخراجها من منطق اقتسام السلطة على أساس المحاصصة إلى منطق التنافس السياسي والبرامجي. فالقوى التي تحصل على ثقة الناخبين تشارك في الحكم، والقوى التي لا تحصل على الأغلبية تمارس المعارضة، مع ضمان الحقوق الدستورية والسياسية لجميع المواطنين والقوى والمكونات.
ومن هنا يرى التيار الديمقراطي أن إصلاح النظام السياسي لا ينبغي أن يقتصر على تغيير الأشخاص أو الحكومات، وإنما يتطلب تغييراً في طريقة إنتاج السلطة وممارسة الحكم، والانتقال من التوافقية التي استنفدت قدرتها على إدارة الدولة إلى نظام ديمقراطي واضح يقوم على الأغلبية الحاكمة والأقلية المعارضة، ويعزز المساءلة والتداول السلمي للسلطة ويضع حداً لتداخل المصالح الحزبية مع مؤسسات الدولة.
ثانيا: الانتخابات وإصلاح النظام الانتخابي والتمثيل السياسي
تشكل الانتخابات إحدى الركائز الأساسية للنظام الديمقراطي، غير أن قيمتها لا تقاس بمجرد إجراء الاقتراع وسلامة عمليات العد والفرز، وإنما بقدرتها على تحويل إرادة الناخبين إلى تمثيل سياسي عادل، وضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وحماية الناخب من تأثير المال والسلاح والنفوذ السياسي والإداري. وقد أظهرت انتخابات 2025 أن إصلاح العملية الانتخابية يتطلب معالجة متكاملة تشمل النظام الانتخابي، وآليات المشاركة، وتمثيل الفئات والمكونات، فضلاً عن ضمان نزاهة المنافسة.

النظام الانتخابي وتحويل الأصوات إلى مقاعد
ويؤكد التيار أن النظام الانتخابي ينبغي ألا يكون وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة، وإنما أداة لتوسيع التمثيل السياسي وتقليل ضياع أصوات الناخبين. ومن هذا المنطلق، يدعو إلى اعتماد نظام التمثيل النسبي الذي يتيح ترجمة أصوات الناخبين إلى مقاعد بصورة أكثر عدالة، مع اعتماد نظام الباقي الأقوى في توزيع المقاعد المتبقية، بما يمنح القوى الصغيرة والمتوسطة فرصة حقيقية للوصول إلى مجلس النواب، ويعزز التعددية السياسية القائمة على البرامج والمشاريع الوطنية.
ويرى التيار كذلك أن من المناسب دراسة اعتماد العراق دائرة انتخابية واحدة، بما ينقل التنافس من دوائر الولاءات الشخصية والقبلية والمناطقية إلى فضاء وطني أوسع، ويشجع القوى السياسية على تقديم برامج وطنية تتوجه إلى جميع العراقيين، بدلاً من بناء القوائم على أساس المصالح المحلية أو الانتماءات الضيقة. ولا يعني ذلك إلغاء الخصوصيات المحلية أو التنوع المجتمعي، وإنما وضعها ضمن إطار المواطنة والمصلحة الوطنية المشتركة.
كما يدعو التيار إلى إعادة النظر في التضخم الكبير في أعداد المرشحين مقارنة بعدد المقاعد، وما يترتب عليه من استنزاف للموارد المالية والإعلامية والتنظيمية، ومن تضخيم للمنافسة الفردية على حساب التنافس البرامجي. والمطلوب هو نظام انتخابي يشجع القوائم والبرامج السياسية، ويحد من الإنفاق غير الضروري، ويجعل التنافس الانتخابي أكثر جدية ووضوحاً أمام الناخب.
المشاركة الانتخابية والبطاقة الوطنية
إن عدالة الانتخابات تبدأ بضمان حق كل مواطن مؤهل في ممارسة حقه الانتخابي. وقد كشفت الانتخابات الأخيرة عن فجوة كبيرة بين عدد المواطنين الذين بلغوا السن القانونية للانتخاب، والمقدّر بنحو 29 مليوناً، وبين المسجلين بايومترياً البالغ عددهم نحو 21.4 مليون ناخب منهم 2 مليون لم يستلموا البطاقة الانتخابية، بفارق يقارب ثمانية ملايين. ومن هنا يدعم التيار اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة أساساً للتصويت، بما يخفف الإجراءات البيروقراطية ويربط ممارسة الحق الانتخابي بالهوية الرسمية للمواطن، مع الحد من فرص استغلال البطاقة الانتخابية في الضغط أو شراء الأصوات. وفي الوقت نفسه، يجب أن تبقى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الجهة المستقلة المسؤولة عن إعداد سجل الناخبين وتدقيقه وإدارته، وربطه بقواعد البيانات الرسمية وفق ضوابط قانونية وتقنية تضمن دقة السجل وحماية البيانات ومنع التلاعب والاستغلال السياسي.
ويتطلب ذلك تعديلاً واضحاً لقانون الانتخابات، يكرّس البطاقة الوطنية أساساً للمشاركة، ويضمن في الوقت نفسه استقلال المفوضية وشفافية سجل الناخبين.


المال والسلاح وتكافؤ الفرص
لا يمكن إصلاح النظام الانتخابي من دون معالجة العوامل التي تشوه المنافسة الانتخابية، وفي مقدمتها المال السياسي والسلاح والنفوذ الإداري.
ومن هنا يؤكد التيار ضرورة تفعيل قانون الأحزاب رقم (36) لسنة 2015 فيما يتعلق بشفافية الموارد المالية للأحزاب ومصادر تمويلها، وتشديد الرقابة على الإنفاق الانتخابي، وتطبيق التعليمات والضوابط الخاصة بتمويل الحملات، مع إخضاع جميع القوى السياسية والمرشحين للقواعد نفسها من دون استثناء.
وتتطلب نزاهة الانتخابات كذلك حسم مسألة تأثير السلاح والقوى المسلحة في العملية السياسية والانتخابية وضمان عدم استخدام النفوذ العسكري أو الأمني لتوجيه الناخبين أو التأثير في خياراتهم.
تمثيل الأقليات والفئات الأقل تمثيلاً
تحتاج آليات تمثيل الأقليات والمكونات إلى مراجعة تضمن أن تكون المقاعد المخصصة لها معبرة فعلاً عن إرادة أبناء المكون بعدما أظهرت التجربة إمكان اختراق هذه المقاعد من قبل القوى السياسية الكبيرة ودعم شخصيات لا تحظى بالضرورة بالتأييد الحقيقي لأبناء المكون.
ويرى التيار أن من بين الخيارات التي تستحق الدراسة اعتماد سجل انتخابي خاص بأبناء المكونات المعنية بالنسبة إلى المقاعد المخصصة لها بما يضمن أن يكون اختيار ممثليها نابعاً من إرادة أبنائها أو اعتماد صيغة أخرى تحقق الغاية نفسها وتحمي التمثيل الحقيقي من التدخل الخارجي.
وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول حماية حقوق الأقليات إلى تكريس دائم للانقسام المكوناتي. ولذلك يطرح التيار إمكانية اعتماد قوائم وطنية جامعة تتضمن تمثيلاً مناسباً للأقليات إلى جانب النساء والشباب وذوي الإعاقة والعراقيين المقيمين خارج البلاد بما يتيح لهذه الفئات المشاركة في الحياة السياسية من داخل مشروع وطني مشترك ويعزز المواطنة بدلاً من الانكفاء والعزل المكوناتي.
كما يؤكد التيار ضرورة معالجة تمثيل العراقيين في الخارج وضمان استمرار حقهم في المشاركة والتأثير في الحياة السياسية ودراسة الآليات الانتخابية المناسبة التي تتيح لهم ممارسة هذا الحق بصورة عادلة وشفافة.
إن الهدف من هذه التعديلات ليس مجرد تغيير تقني في طريقة توزيع المقاعد وإنما إعادة بناء العلاقة بين المواطن والعملية الانتخابية
وعليه يدعو التيار الديمقراطي إلى إصلاح شامل للنظام الانتخابي يقوم على التمثيل النسبي والباقي الأقوى، ودراسة اعتماد العراق دائرة انتخابية واحدة، وتقليل ضياع الأصوات، وتوسيع فرص القوى الصغيرة والمتوسطة واعتماد البطاقة الوطنية أساساً للتصويت وضمان استقلال المفوضية في إدارة سجل الناخبين ومراجعة نظام تمثيل الأقليات والفئات الأقل تمثيلاً وتعزيز مشاركة العراقيين في الخارج إلى جانب ضمان تكافؤ الفرص ومنع تأثير المال السياسي والسلاح والنفوذ الإداري في إرادة الناخبين.
ثالثاً: السلاح والدولة والسيادة
وقد تعامل التيار الديمقراطي مع هذا الملف بوصفه قضية تتصل بجوهر بناء الدولة وليس مجرد قضية أمنية وانطلق موقفه من مبدأ واضح وثابت: حصر السلاح بيد الدولة، وإخضاع القرار الأمني والعسكري لمؤسساتها الدستورية، وأن يكون قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً عراقياً.
فوجود قوى تمتلك تمثيلاً سياسياً ومؤسساتياً وفي الوقت نفسه تمتلك أدوات قوة مسلحة يجعل الفصل بين السياسي والعسكري أكثر تعقيداً ويضع مبدأ تكافؤ الفرص وسيادة القانون أمام اختبار حقيقي.
كما يرتبط ملف السلاح بالسيادة الوطنية وعلاقات العراق الخارجية. ومن هنا أكد التيار ضرورة أن تكون السيادة الوطنية أساس العلاقات الخارجية وألا يتحول العراق إلى ساحة للصراع أو تصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
وقد تعزز هذا الموقف مع تصاعد التوترات الإقليمية إذ أكد التيار أن حماية العراق تتطلب حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة واعتماد المسار الدبلوماسي لتجنيب البلاد مخاطر التصعيد.
ويظل المعيار الحقيقي في هذا المسار هو خضوع القوة المسلحة فعلياً لقيادة الدولة وتسلسلها القانوني وقرارها الأمني والعسكري وليس مجرد تغيير الجهة الإدارية التي تتبع لها.
ويتزامن هذا الموعد مع مسار حصر السلاح بيد الدولة وتسليم أسلحة الفصائل المسلحة إلى اللجنة المشكلة من القائد العام للقوات المسلحة بما يجعل نهاية أيلول محطة مفصلية لاختبار جدية الانتقال إلى مرحلة يكون فيها قرار الأمن والسلاح والحرب والسلم بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية.

إن أزمة السلاح في العراق ليست مشكلة أمنية منفصلة بل هي إحدى نتائج أزمة بناء الدولة وأحد العوامل التي تعيق اكتمال السيادة وتؤثر في طبيعة النظام الديمقراطي.
رابعاً: الحرب الإسرائيلية ـ الأميركية على إيران وتداعياتها على العراق
شكلت الحرب الإسرائيلية على إيران ثم التدخل العسكري الأميركي المباشر أحد أخطر التطورات الإقليمية التي واجهها العراق خلال الدورة لما حملته من مخاطر مباشرة على أمنه وسيادته واستقراره الداخلي في ظل موقع العراق الجغرافي وعلاقاته السياسية والاقتصادية المتشابكة مع كل من إيران والولايات المتحدة.
وفي هذا السياق أكد التيار الديمقراطي رفضه للحرب والعدوان ودعا إلى احترام سيادة الدول وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية كما رفض استخدام الأراضي والأجواء العراقية في الأعمال العسكرية ودعا الدولة إلى حماية سيادة العراق وتجنيبه الانخراط في صراعات المحاور.
وأكد التيار أن إقامة علاقات متوازنة مع إيران والولايات المتحدة لا تعني أن يتحول العراق إلى طرف في الصراع بينهما وأن المصلحة الوطنية تقتضي سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة تمنع استخدام العراق ساحة للصراع أو منصة لتبادل الرسائل والضربات بين القوى الإقليمية والدولية.
إلا أن تداعيات الحرب لم تتوقف عند الجانب الأمني والسياسي بل امتدت بصورة متسارعة إلى المجال الاقتصادي. وأصبحت هذه السياسة تحمل مخاطر مباشرة على الدول الأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الإيراني وفي مقدمتها العراق.
ومن هنا يواجه العراق تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على علاقاته الاقتصادية المشروعة مع إيران من جهة وتجنب التعرض للعقوبات الأميركية الثانوية والضغوط على نظامه المالي من جهة أخرى.
ويؤكد التيار الديمقراطي أن هذه التطورات تكشف مرة أخرى هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الأزمات الإقليمية نتيجة الاعتماد الكبير على النفط من جهة والاعتماد على الاستيراد من جهة أخرى وضعف القطاعات الإنتاجية المحلية. كما تكشف الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة والتجارة وتعزيز الإنتاج الوطني وتطوير العلاقات الاقتصادية مع مختلف الدول بما يقلل من قدرة أي أزمة إقليمية أو عقوبات دولية على التأثير المباشر في حياة المواطنين.
ولا يمكن فصل هذه التحديات الاقتصادية عن قضية السيادة. فكلما ازدادت حاجة العراق إلى طرف خارجي في مجال الطاقة أو التجارة أو التمويل تقلصت مساحة المناورة أمام القرار الوطني. ولذلك فإن السيادة الاقتصادية ينبغي أن تصبح جزءاً من مفهوم السيادة الوطنية إلى جانب السيادة السياسية والأمنية والعسكرية.
وبذلك لا يمثل التصعيد الأميركي الأخير ضد إيران تحدياً خارجياً للعراق فحسب وإنما اختباراً لقدرة الدولة العراقية على حماية مصالحها وسيادتها ومواطنيها في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
النفط ومنافذ التصدير وأمن الاقتصاد العراقي
كشفت الحرب والتوترات التي رافقتها في المنطقة أن أمن صادرات النفط يمثل جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية للعراق. فالإيرادات النفطية ما تزال المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة العامة وأي اضطراب كبير في حركة التصدير يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة على تمويل الرواتب والخدمات والنفقات العامة.
ولا تكمن المشكلة في عدم امتلاك العراق منافذ بديلة لتصدير نفطه وإنما في عدم استكمال وتفعيل شبكة متعددة ومستقرة لمنافذ التصدير بما يوفر لصاحب القرار العراقي خيارات أوسع في الظروف الطبيعية والأزمات. وقد دعت أوساط سياسية واقتصادية وفي مقدمتها التيار الديمقراطي منذ سنوات إلى عدم رهن صادرات العراق النفطية بممر أو منفذ واحد والعمل على تطوير جميع البدائل الممكنة.
ويؤكد التيار الديمقراطي أن إبقاء هذه الخيارات معطلة أو تأخير تطويرها لأسباب سياسية أو نتيجة حسابات مرتبطة بالتوازنات الإقليمية يضع الاقتصاد العراقي في موقع أكثر هشاشة. فالدولة التي تعتمد في تمويل موازنتها على النفط تحتاج إلى أكثر من مسار وأكثر من منفذ وأكثر من خيار لتصدير ثروتها النفطية حتى لا يصبح أي اضطراب إقليمي قادراً على تهديد مواردها المالية.
إن تعدد منافذ تصدير النفط يمثل جزءاً من السيادة الاقتصادية للعراق فالدولة التي تمتلك موارد نفطية كبيرة لا ينبغي أن تسمح بأن تصبح طرق تصديرها رهينة لظرف إقليمي أو حساب سياسي. ومن ثم فإن تطوير البدائل وفي مقدمتها تفعيل خطوط التصدير عبر جيهان ودراسة الخيارات الأخرى كبانياس والعقبة يمثل ضرورة لحماية الموازنة ومنح القرار العراقي المرونة اللازمة في مواجهة الأزمات.
خامساً: الفساد والإصلاح وبناء الدولة
ظل الفساد خلال الدورة السياسية أحد أبرز التحديات التي تواجه بناء الدولة العراقية ولم يعد بالإمكان التعامل معه بوصفه حالات فردية أو انحرافات محدودة بل باعتباره ظاهرة بنيوية تتداخل فيها المحاصصة السياسية مع ضعف المؤسسات الرقابية وتداخل النفوذ الحزبي مع مؤسسات الدولة وسوء إدارة المال العام وضعف الشفافية والمساءلة. وقد أسهمت هذه البيئة في إضعاف ثقة المواطنين بالدولة وأتاحت نشوء شبكات قادرة على استغلال المواقع العامة وتحويلها إلى مصادر للنفوذ والثراء غير المشروع.
الحملة الأخيرة على الفساد
اكتسب ملف مكافحة الفساد أهمية استثنائية خلال عام 2026، مع انتقال الإجراءات الحكومية والقضائية من مستوى الملاحقة العامة إلى فتح ملفات واسعة شملت مسؤولين ونواباً وشخصيات مرتبطة بمؤسسات الدولة وفي مقدمتها القضية التي طالت وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي والتي كشفت التحقيقات فيها عن شبهات تتعلق باستغلال العقود والموارد العامة وتمويل مصالح وحملات انتخابية.
ويرى التيار الديمقراطي أن هذه الإجراءات تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح وقد سبق له أن كان من القوى السياسية التي كشفت مبكراً ملفات الفساد ودعت إلى ملاحقة المتورطين واسترداد المال العام وساند الحملة الحكومية الأخيرة من خلال مواقفه وبياناته وفعالياته ووقفاته في بغداد وعدد من المحافظات.
ولذلك يؤكد التيار ضرورة أن تستمر الحملة بصورة منهجية وأن تتسم بالشفافية والعلنية وعدم الانتقائية وأن تشمل كبار المتورطين ومن يوفر لهم الحماية والنفوذ بعيداً عن التوظيف السياسي أو تصفية الحسابات.
كان التيار الديمقراطي من القوى التي واصلت خلال الدورة فضح مخاطر الفساد والدعوة إلى حماية المال العام ومحاسبة المتورطين من خلال مواقفه وبياناته ووقفاته الاحتجاجية في بغداد وعدد من المحافظات وانطلق موقفه من أن الفساد ليس ملفاً إدارياً منفصلاً عن الأزمة السياسية بل هو أحد النتائج المباشرة لضعف الدولة والمحاصصة وتداخل المال السياسي مع السلطة.
ومن هذا المنطلق يؤيد التيار الإجراءات الجادة التي تتخذها الحكومة والقضاء والأجهزة الرقابية لملاحقة الفساد واسترداد الأموال العامة ويدعو إلى استمرارها وعدم حصرها في ملفات أو شخصيات محددة كما يؤكد ضرورة أن تتسم الحملة بالشفافية والعلنية وعدم الانتقائية وأن تشمل كبار المتورطين وشبكات الحماية السياسية والإدارية والمالية بصرف النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم.
ويرى التيار أن استقلال القضاء يمثل شرطاً أساسياً لنجاح هذه المعركة وأن مكافحة الفساد لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا ظلت المؤسسات الرقابية والقضائية عرضة للتأثيرات الحزبية أو المحاصصية. كما يتطلب الإصلاح تفعيل القوانين المتعلقة بالشفافية المالية ومراقبة العقود والمشتريات الحكومية والكشف عن تضارب المصالح ومراقبة مصادر تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية ومنع استغلال الوظيفة العامة وموارد الدولة في بناء النفوذ السياسي.
إن التيار الديمقراطي يرى في الحملة الحالية فرصة مهمة لإعادة الاعتبار لمبدأ سيادة القانون والمساءلة لكنه لا يعتبر نجاحها أمراً محسوماً. ويكون الحكم عليها بمدى قدرتها على الوصول إلى كبار المتورطين وشبكات الحماية واسترداد المال العام وضمان استقلال القضاء ومنع الانتقائية وتحويل الإجراءات الحالية إلى إصلاح مؤسسي دائم.
سادساً: الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية
ظل الاقتصاد العراقي خلال الدورة السياسية موضع اختلالات بنيوية عميقة في مقدمتها الاعتماد المفرط على النفط واتساع الإنفاق الجاري وضعف القطاعات الإنتاجية ومحدودية دور القطاع الخاص، إلى جانب تزايد أعداد العاملين والمتقاعدين والمستفيدين من شبكات الحماية الاجتماعية. ولذلك لم تعد الأزمة الاقتصادية مجرد مسألة مالية أو تقنية، بل أصبحت قضية سياسية واجتماعية تمس قدرة الدولة على الاستمرار في تمويل الرواتب والخدمات وقدرتها على توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وضمان مستقبل الأجيال الجديدة.
وتبرز هشاشة القاعدة الإنتاجية بصورة خاصة في قطاعي الصناعة والزراعة. فما زالت الصناعة العراقية تعاني ضعف الاستثمار، وتقادم جانب من منشآتها، ومشكلات الطاقة والبنية التحتية، فضلاً عن المنافسة غير المتكافئة مع السلع المستوردة، الأمر الذي حد من قدرتها على استيعاب العمالة والمساهمة في تنويع الاقتصاد. أما الزراعة، فعلى الرغم من التحسن الذي تحقق في إنتاج بعض المحاصيل والمنتجات الحيوانية، فإنها ما زالت تواجه مشكلات المياه والجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف التسويق، الأمر الذي أبقى العراق معتمداً على الاستيراد في جزء مهم من احتياجاته الغذائية. وفي المقابل، توسع قطاع الخدمات بصورة كبيرة، من دون أن يقترن ذلك دائماً بزيادة مماثلة في الإنتاجية أو توفير وظائف مستقرة ولائقة.
ويمثل ضعف فرص العمل خارج الدولة أحد أخطر مظاهر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. وقد أدى ضعف الاقتصاد المنتج إلى استمرار التوجه نحو الوظيفة العامة باعتبارها المصدر الأكثر استقراراً للدخل، الأمر الذي يزيد الضغط على الموازنة ويعيد إنتاج الحلقة نفسها: توسع التوظيف الحكومي لتعويض ضعف القطاع الخاص، ثم ارتفاع النفقات الجارية، ثم تراجع قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج والخدمات.
وفي هذا السياق، ينبغي إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام. فزيادة مخصصات التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية ليست إنفاقاً استهلاكياً بل استثمار في رأس المال البشري وفي قدرة الاقتصاد على النمو. كما أن توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية والمياه والطاقة يجب أن يكون جزءاً من سياسة اقتصادية طويلة الأمد، بدلاً من استمرار الاعتماد على التوسع في الإنفاق الجاري.
وتتطلب هذه التحولات كذلك معالجة الاختلال بين حجم القطاع العام وقدرة الاقتصاد الحقيقي على تمويله، من دون تحميل المواطنين أعباء إجراءات تقشفية أو ضريبية مفاجئة. فالإصلاح المالي ينبغي أن يترافق مع إصلاح اقتصادي واجتماعي متدرج، يحافظ على الحماية الاجتماعية للفئات الأضعف، ويعيد توجيه الموارد تدريجياً من الإنفاق غير المنتج إلى الاستثمار في التعليم والصحة والزراعة والصناعة والبنية التحتية وفرص العمل.
إن استمرار النموذج الاقتصادي القائم على النفط والإنفاق الجاري يجعل الاستقرار المالي والاجتماعي في العراق مرتبطاً بدرجة كبيرة بعوامل خارجية لا يملك العراق السيطرة عليها. ولذلك فإن بناء اقتصاد متنوع ومنتج لا يمثل خياراً اقتصادياً فحسب، بل أصبح جزءاً من حماية السيادة الوطنية والاستقرار السياسي والاجتماعي، ومن شروط بناء دولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.
الدولة والالتزامات الاجتماعية
لا يمكن تقييم الوضع الاقتصادي بعيداً عن التزامات الدولة الدستورية والاجتماعية. فقد تراجعت قدرة الدولة على أداء عدد من وظائفها الأساسية في التعليم والصحة والسكن والخدمات والرعاية الاجتماعية بينما أصبحت قطاعات واسعة من المواطنين تعتمد بصورة متزايدة على الإنفاق العام أو المبادرات الفردية والأهلية لتغطية احتياجات أساسية يفترض أن تكون الدولة مسؤولة عن توفيرها.
وتظهر المشكلة بصورة خاصة في التعليم من مراحله الأولى إلى التعليم العالي وفي القطاع الصحي الذي يعاني تفاوتاً في مستوى الخدمات والبنى التحتية والموارد البشرية فضلاً عن أزمة السكن وتردي قطاعات المياه والكهرباء والنقل والخدمات البلدية. ولا تكفي زيادة الإنفاق العام وحدها لمعالجة هذه المشكلات إذ يرتبط جانب أساسي منها بكفاءة إدارة الموارد وبالفساد وبضعف التخطيط وبغياب الأولويات الوطنية في توزيع الإنفاق.
ومن هنا يلفت التيار الديمقراطي إلى ضرورة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام على أساس حاجات المواطنين وحقوقهم الدستورية بحيث تحظى قطاعات التعليم والصحة والسكن والخدمات والرعاية الاجتماعية والاستثمار الإنتاجي بالأولوية التي تتناسب مع دورها في بناء المجتمع والدولة. ولا يمكن أن تكون الأولويات الاجتماعية أقل أهمية من أبواب إنفاق أخرى لا ترتبط مباشرة بالتنمية البشرية أو بتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
العدالة الاجتماعية والإصلاح الاقتصادي
يرى التيار الديمقراطي أن الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يقاس فقط بمؤشرات النمو أو حجم الإيرادات، وإنما بقدرته على تحسين حياة المواطنين وتقليل الفوارق الاجتماعية وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية. فالاقتصاد المنتج هو الذي يوسع الطبقة الوسطى ويمنح الشباب فرصاً حقيقية ويحمي الفئات الهشة ويؤمن دخلاً مستقراً بعيداً عن الاعتماد الكامل على الدولة.
إن الأزمة الاقتصادية العراقية ليست أزمة موارد وإنما أزمة نموذج اقتصادي وإدارة للموارد والأولويات. ويحتاج العراق إلى الانتقال تدريجياً من اقتصاد يعتمد على النفط والإنفاق العام والاستهلاك والاستيراد إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعاً تكون فيه الصناعة والزراعة والخدمات الحديثة والقطاع الخاص ومشروعات الشباب مصادر حقيقية للنمو والعمل.
وعليه يؤكد التيار الديمقراطي أن بناء اقتصاد مستقر وعادل يتطلب تنويع مصادر الدخل وتقوية القطاعات الإنتاجية وإصلاح إدارة المالية العامة وتحسين التحصيل الضريبي والكمركي ومحاربة الفساد وتطوير التعليم والصحة والخدمات وتوسيع الحماية الاجتماعية وتوفير فرص العمل وربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية.
سابعاً: الديمقراطية والحريات والمواطنة
لا تختزل الديمقراطية في إجراء الانتخابات ووجود المؤسسات الدستورية وإنما تقوم على منظومة متكاملة من الحقوق والحريات والمواطنة وسيادة القانون تضمن حرية التعبير والصحافة والتنظيم والاجتماع والتظاهر السلمي وتحمي حق المواطن في المشاركة والاختلاف والنقد والمساءلة. ومن هذا المنطلق فإن الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة يمثل جوهر مشروع التيار الديمقراطي وليس قضية هامشية أو مطلباً موسمياً.
وقد ازدادت أهمية هذه القضية خلال السنوات التي أعقبت انتفاضة تشرين التي مثّلت واحدة من أوسع موجات المشاركة الشعبية والشبابية المطالبة بالإصلاح السياسي ومكافحة الفساد وبناء دولة المواطنة. غير أن المرحلة اللاحقة شهدت تضييقاً متزايداً في المجال العام وملاحقات واعتقالات طالت ناشطين وشخصيات رأي عام وفعاليات مرتبطة بالحراك الاحتجاجي فضلاً عن استمرار الضغوط على الصحفيين والإعلاميين وأصحاب الرأي. كما أن عدم الكشف الكامل عن ملابسات عدد من الاعتداءات التي تعرض لها ناشطون ومتظاهرون وما رافق بعضها من ضعف في المساءلة أسهما في إضعاف الثقة بقدرة مؤسسات الدولة على حماية الحقوق الدستورية.
.
ويرى التيار الديمقراطي أن حرية التعبير والصحافة والتظاهر السلمي والتنظيم المدني حقوق دستورية أصيلة وليست امتيازات تمنحها السلطة ولا يجوز تقييدها إلا في الحدود التي يرسمها الدستور والقانون وبما لا يفرغها من مضمونها. ولذلك يرفض التيار استخدام القوانين أو الإجراءات الإدارية والأمنية للحد من النقد والمساءلة، أو تحويل القضاء والأجهزة الأمنية إلى أدوات للضغط السياسي، مع التأكيد في الوقت نفسه على خضوع الجميع للقانون وضمان المحاكمة العادلة.
وتتصل حماية الحريات كذلك بطبيعة التشريعات التي تنظم حياة المواطنين وحقوقهم. وقد برز خلال الدورة تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 وما أعقبه من إقرار المدونة الجعفرية بوصفه من أكثر الملفات إثارة للجدل المجتمعي والقانوني، لما أثاره من مخاوف بشأن المساواة أمام القانون وحقوق النساء والأطفال وتعدد المرجعيات القانونية في مسائل الأحوال الشخصية.
ويؤكد التيار أن التشريع ينبغي أن يكون منسجماً مع المبادئ الدستورية للمواطنة والمساواة والحقوق والحريات، وأن القضايا التي تمس الحقوق الأساسية للمواطنين والأسرة والمرأة والطفل تستوجب نقاشاً مجتمعياً وقانونياً واسعاً ولا ينبغي أن تخضع لموازين القوى السياسية أو أن تؤدي إلى تمييز قانوني بين المواطنين.
كما أن حماية الديمقراطية لا تنفصل عن حماية الدستور واستقلال القضاء. فلا يمكن أن تكون الحقوق والحريات فعلية ما لم يكن المواطن قادراً على اللجوء إلى قضاء مستقل ومحايد لحمايتها وما لم تكن المؤسسات المعنية بتطبيق القانون والرقابة على السلطة بعيدة عن التأثيرات السياسية والحزبية. ومن هنا يؤكد التيار ضرورة تعزيز استقلال القضاء وضمان المساواة أمام القانون وعدم الانتقائية في تطبيقه.
وتحتل منظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات والفعاليات الثقافية والإعلامية موقعاً أساسياً في الحياة الديمقراطية باعتبارها فضاءً لتنظيم المشاركة المجتمعية والرقابة على أداء السلطة والدفاع عن الحقوق. ولذلك يدعو التيار إلى توفير بيئة قانونية وسياسية تتيح لهذه المنظمات ممارسة دورها بحرية واستقلال وعدم استخدام إجراءات التسجيل أو التمويل أو الرقابة وسيلة للحد من نشاطها أو إخضاعها للوصاية السياسية والإدارية.
ولا ينبغي أن تقتصر مهمة القوى الديمقراطية والمدنية على رد الفعل بعد وقوع الانتهاكات أو صدور التشريعات المثيرة للجدل وإنما الانتقال إلى عمل استباقي ومنظم يقوم على رصد التشريعات والسياسات العامة، ومتابعة أوضاع الحريات، والدفاع عن الصحفيين والناشطين وأصحاب الرأي، واستخدام الوسائل الدستورية والقانونية والإعلامية والجماهيرية المتاحة.
ويرتبط ذلك أيضاً بتوسيع المشاركة السياسية والمدنية، ولا سيما مشاركة الشباب والنساء وذوي الإعاقة والفئات الأقل تمثيلاً بحيث لا تقتصر مشاركتهم على التمثيل الشكلي أو الحصص العددية، وإنما تمتد إلى التأثير الفعلي في صناعة القرار وفي المؤسسات المنتخبة والفضاء العام. فالديمقراطية الحقيقية تقاس بقدرة المواطنين بمختلف فئاتهم على التنظيم والتعبير والتأثير والمساءلة بصورة سلمية وقانونية.
وتحتل المواطنة المتساوية موقعاً مركزياً في مشروع التيار الديمقراطي فالمواطن ينبغي أن يتمتع بالحقوق نفسها أمام القانون بصرف النظر عن قوميته أو دينه أو مذهبه أو جنسه أو منطقته أو انتمائه السياسي. كما أن حماية حقوق المكونات والأقليات ينبغي أن تتم في إطار دولة المواطنة والقانون بما يصون التنوع العراقي من دون تحويله إلى أساس دائم للانقسام أو الانكفاء المكوناتي.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من التيار الديمقراطي والقوى المدنية والديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والشخصيات المدافعة عن الحقوق والحريات توسيع التعاون والتنسيق وبناء أطر مشتركة ومنظمة للدفاع عن الدستور والحريات العامة ومواجهة أي محاولة للانتقاص من الحقوق أو إعادة إنتاج القيود على المجال العام.
إن حماية الحريات والمواطنة لا يمكن أن تبقى موقفاً سياسياً أو إعلامياً منفرداً بل ينبغي أن تتحول إلى قوة اجتماعية منظمة قادرة على حماية الحقوق ومواجهة التراجع الديمقراطي. فالدولة المدنية الديمقراطية التي ينشدها التيار لا تقوم فقط على مؤسسات منتخبة، وإنما على مواطن حر ومتساوٍ، وقضاء مستقل وإعلام قادر على ممارسة دوره ومجتمع مدني فاعل ومؤسسات دولة تحترم الدستور وتخضع للمساءلة والقانون.
ومن الجوانب التي تستحق المراجعة أيضاً قدرة التيار على تحويل علاقاته مع القوى والشخصيات والمنظمات المدنية إلى أطر تعاون أكثر انتظاماً واستدامة. فالاتصالات واللقاءات والمواقف المشتركة تكتسب أهميتها عندما تفضي إلى عمل منظم ومستمر وإلى بناء قضايا وحملات ومبادرات مشتركة قادرة على الوصول إلى المجتمع والتأثير في الرأي العام.
كما أن تجربة الدورة أكدت أن التيار يمتلك رصيداً مهماً من المواقف والخبرة والثبات السياسي إلا أن هذا الرصيد لم يتحول بعد بالقدر المطلوب إلى رصيد جماهيري وانتخابي. وهذا يتطلب الانتقال من الاعتماد على قوة الموقف السياسي والفكري وحدها إلى بناء أدوات أكثر فاعلية في التنظيم والتواصل والإعلام والعمل الميداني والتحالفات.
وعليه فإن التحدي الأساسي أمام التيار في المرحلة المقبلة يتمثل في ردم الفجوة بين المشروع والقوة القادرة على حمله. والمطلوب ليس إعادة صياغة هوية التيار أو التخلي عن ثوابته وإنما تطوير أدواته بما يجعله أكثر حضوراً في المجتمع وأكثر قدرة على تنظيم المؤيدين واستقطاب قطاعات جديدة وأكثر فاعلية في خوض الاستحقاقات الانتخابية والسياسية.
إن نجاح التيار في المرحلة المقبلة ينبغي ألا يقاس بعدد البيانات والمواقف أو حجم النشاطات وحدها وإنما بقدرته على توسيع قاعدته الاجتماعية وتفعيل تنظيمه والوصول إلى الشباب والنساء وتطوير خطابه وإعلامه وبناء تحالفات مستدامة وتحويل حضوره السياسي والفكري إلى تأثير فعلي في المجتمع ومؤسسات الدولة.
وبذلك فإن الخلاصة النقدية لتجربة هذه الدورة هي أن التيار يمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً وخبرة متراكمة واستعداداً للعمل المشترك، لكنه ما زال بحاجة إلى بناء القوة الاجتماعية والتنظيمية والانتخابية التي تتناسب مع هذا المشروع. وهذه هي المهمة المركزية التي ينبغي أن توجه عمله في المرحلة المقبلة.

اللجنة العليا
للتيار الديمقراطي العراقي
9/10/2026


التقرير الانجازي
المقدمة
يأتي هذا التقرير الإنجازي في إطار التحضير للمؤتمر الخامس للتيار الديمقراطي، بهدف تقديم مراجعة شاملة لمسيرة عمل التيار خلال الفترة الممتدة بين المؤتمرين الرابع والخامس، والوقوف على ما تحقق من مقررات وتوجهات، وما أُنجز من مهام وبرامج، وما واجه العمل من تحديات ومعوقات.
ولا يهدف التقرير إلى تقديم جردٍ تفصيلي للفعاليات والاجتماعات والمواقف، بقدر ما يسعى إلى تقييم الأداء وقياس النتائج والأثر، من خلال الوقوف على ما كان مطلوباً، وما تم تنفيذه، ومستوى الإنجاز، وأسباب التعثر أو عدم التنفيذ حيثما حصل، وصولاً إلى استخلاص الدروس التي يمكن أن تسهم في تطوير عمل التيار خلال المرحلة المقبلة.
ويتناول التقرير أداء الهيئات القيادية واللجان المختصة والتنسيقيات في بغداد والمحافظات والخارج فضلاً عن العمل السياسي والانتخابي والإعلامي والثقافي والمجتمعي، مع إبراز التجارب الناجحة ومواطن الضعف والحاجة إلى التطوير. كما يضع في ختامه جملة من الاستنتاجات والتوصيات التي نأمل أن تشكل أساساً عملياً لقرارات المؤتمر الخامس، بما يعزز قدرة التيار على أداء دوره السياسي والتنظيمي والمجتمعي، وتحويل مشروعه الديمقراطي إلى حضور أكثر فاعلية وتأثيراً.
اولاً: أداء اللجنة العليا والمكتب التنفيذي
شكّلت اللجنة العليا والمكتب التنفيذي، خلال الدورة الممتدة بين المؤتمرين الرابع والخامس، الإطار القيادي المسؤول عن إدارة العمل السياسي والتنظيمي للتيار، ومتابعة تنفيذ توجهاته ومقررات مؤتمره، واتخاذ المواقف إزاء التطورات والأحداث، والتنسيق بين الهيئات والتنسيقيات واللجان المختلفة.
ويقتضي تقييم أداء هذين التشكيلين القياديين التمييز بين مستوى عمل اللجنة العليا من جهة والمكتب التنفيذي من جهة أخرى إذ أظهرت التجربة تفاوتاً واضحاً في مستوى الحضور والمتابعة. ففي حين اتسم عمل المكتب التنفيذي بانتظام نسبي في اجتماعاته ومتابعته للقضايا المطروحة كان أداء اللجنة العليا أضعف من المستوى المطلوب ولا سيما من حيث تباعد الاجتماعات وضعف تواصل عدد من أعضائها وخاصة الأعضاء من غير المنسقين الأمر الذي حدّ من قدرتها على أداء دورها الرقابي والتوجيهي بالصورة التي تقتضيها طبيعة مسؤولياتها.
1. أداء اللجنة العليا
كان من المفترض أن تضطلع اللجنة العليا بدور أساسي في رسم التوجهات العامة للتيار ومتابعة أداء المكتب التنفيذي وتقويم مسار العمل بين المؤتمرين والإسهام في معالجة القضايا السياسية والتنظيمية الكبرى.
إلا أن التجربة خلال الدورة المنتهية أظهرت أن اجتماعات اللجنة العليا لم تكن بالانتظام المطلوب وكانت متباعدة نسبياً كما أن التواصل والمشاركة من جانب عدد من أعضائها لم تكن بالمستوى الذي يتيح لها ممارسة دورها بصورة فاعلة ومستمرة. وقد كان لذلك أثر في محدودية المتابعة الجماعية للعمل وفي بقاء جزء من المسؤولية العملية في إطار المكتب التنفيذي.
ومع ذلك، فقد ظلت اللجنة العليا إطاراً مهماً للمناقشة واتخاذ القرارات العامة في القضايا الأساسية، وأسهمت في إقرار عدد من التوجهات والمواقف التي جرى العمل على تنفيذها خلال الدورة.
ويكشف هذا الواقع عن حاجة واضحة إلى إعادة تفعيل دور اللجنة العليا، ليس من خلال زيادة الاجتماعات فحسب وإنما عبر تحديد دورها بصورة أكثر وضوحاً وضمان انتظام اجتماعاتها وتعزيز التواصل بين أعضائها وربط عضويتها بمسؤوليات فعلية في المتابعة والتقييم بما يجعلها هيئة قيادية فاعلة وليست إطاراً للمصادقة على ما يتم إنجازه في مستويات أخرى.
2. أداء المكتب التنفيذي
تركز الجهد التنفيذي الفعلي خلال الدورة بدرجة أكبر في المكتب التنفيذي الذي حافظ على انتظام اجتماعاته الشهرية وتابع القضايا السياسية والتنظيمية المطروحة واتخذ المواقف والقرارات اللازمة بشأنها كما جرى إرسال محاضر اجتماعات المكتب إلى أعضاء اللجنة العليا بما وفر قدراً من التواصل والاطلاع على ما يجري من نقاشات وقرارات.
وشملت مسؤوليات المكتب التنفيذي متابعة التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وإدارة العلاقات السياسية والمدنية، ومتابعة أوضاع التنسيقيات واللجان المختصة، والتحضير للاستحقاقات السياسية والانتخابية، فضلاً عن إصدار البيانات والمواقف العامة للتيار.
وقد أسهم انتظام اجتماعات المكتب في توفير قدر من الاستمرارية في العمل إلا أن المشاركة الفعلية في تحمل المسؤوليات لم تكن متساوية بين أعضائه. فقد تركز جانب مهم من العمل والمتابعة على عدد محدود من الأعضاء في حين لم يتمكن بعض الأعضاء من الاستمرار في أداء مسؤولياتهم وانسحب عدد منهم دون تقديم مبررات واضحة وتمت الاستعاضة عنهم بأعضاء آخرين وفق السياقات النظامية المعتمدة.
كما شهد المكتب التنفيذي انسحاب ممثل حزب التيار الاجتماعي من اجتماعاته على خلفية التباين في الموقف من المشاركة في تحالف البديل وهو ما عكس وجود اختلاف في تقدير الموقف الانتخابي والسياسي داخل مكونات التيار وأكد في الوقت نفسه أهمية توفير آليات مؤسسية لإدارة الاختلاف والحفاظ على قنوات الحوار والتنسيق.
وبصورة عامة يمكن القول إن المكتب التنفيذي كان الأكثر حضوراً في إدارة العمل اليومي للتيار خلال الدورة إلا أن فاعليته ظلت مرتبطة بدرجة كبيرة بمبادرة عدد محدود من أعضائه وهو ما يمثل نقطة ضعف ينبغي معالجتها في المرحلة المقبلة.
3. المتابعة والتنظيم الداخلي
تابع المكتب التنفيذي واقع التنسيقيات في بغداد والمحافظات وبلدان المهجر كما تابع عمل اللجان المختصة والقضايا التنظيمية التي طرحت خلال الدورة. وقد ساعد انتظام اجتماعات المكتب وإرسال محاضرها إلى أعضاء اللجنة العليا في توفير آلية أساسية للمتابعة والاطلاع.
غير أن التجربة أظهرت أن المتابعة المركزية ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على المبادرة الفردية وأن ضعف التواصل أو عدم انتظام المشاركة من بعض المسؤولين يؤثر مباشرة في مستوى متابعة التنسيقيات واللجان. كما أن تفاوت أداء التنسيقيات واللجان يؤكد الحاجة إلى وجود آلية قيادية أكثر انتظاماً في المتابعة تستند إلى خطط واضحة ومؤشرات يمكن من خلالها قياس مستوى الإنجاز ومعالجة حالات التعثر في وقتها.
ومن هنا تبرز أهمية ألا تقتصر مسؤولية المكتب التنفيذي على مناقشة القضايا التي ترد إليه بل أن ينتقل بصورة أكبر إلى المتابعة الاستباقية وتحديد الأولويات وتوزيع المسؤوليات ومراجعة ما تم إنجازه بصورة دورية.
4. التجربة الخاصة بسكرتارية المكتب التنفيذي
من التجارب الإيجابية التي شهدتها الدورة والتي تستحق التوقف عندها تجربة تشكيل سكرتارية للمكتب التنفيذي خلال السنة الأولى تألفت من خمسة أعضاء بينهم امرأة وشاب وكانت تعقد اجتماعاتها أسبوعياً عبر الربط الإلكتروني.
وقد أظهرت هذه التجربة إمكانية تطوير آلية عمل أكثر انتظاماً وشفافية إذ أسهمت السكرتارية في المتابعة الدورية لعمل التنسيقيات واللجان والمساهمة في إعداد المواقف والتصريحات ومتابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه فضلاً عن توفير حلقة وصل أكثر فاعلية بين اجتماعات المكتب التنفيذي والعمل اليومي.
إلا أن هذه التجربة لم تستمر نتيجة ارتباطات العمل وعدم انتظام التواصل بين أعضائها رغم ما أظهرته من نتائج إيجابية. ويؤكد ذلك أن وجود سكرتارية فاعلة للمكتب التنفيذي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إجراءً تنظيمياً ثانوياً بل يمثل حاجة عملية لتعزيز العمل الجماعي والمؤسساتي وتوزيع أعباء المتابعة وضمان الاستمرارية بين الاجتماعات.
وعليه تبرز الحاجة إلى الإبقاء على سكرتارية للمكتب التنفيذي وتطوير تجربتها على أن تضم أعضاء متفرغين أو متطوعين للعمل بدرجة عالية مع مراعاة تمثيل الشباب والنساء وأن تكون لها مهام واضحة في المتابعة والتنسيق وإعداد التقارير الدورية مع الاستفادة من وسائل الاتصال الإلكتروني لتجاوز مشكلات المكان والارتباطات العملية.
5. العلاقات السياسية والمدنية وإدارة المواقف
اضطلع المكتب التنفيذي، بالتنسيق مع اللجنة العليا، بمتابعة التطورات السياسية واتخاذ المواقف العامة للتيار، كما عمل على تطوير العلاقات مع القوى والأحزاب والشخصيات الديمقراطية والمدنية، ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والفعاليات الثقافية والاجتماعية.
وشملت هذه المتابعة قضايا الأزمة السياسية وطبيعة النظام القائم على التوافقات والمحاصصة والدفاع عن الدولة المدنية الديمقراطية وسيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة وحماية السيادة الوطنية ومكافحة الفساد، والإصلاح الاقتصادي، والحقوق والحريات، إلى جانب متابعة التطورات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على العراق.
وقد مثل المكتب التنفيذي في هذا المجال الواجهة السياسية الأكثر نشاطاً للتيار خلال الدورة، إلا أن التحدي بقي في تحويل جزء أكبر من الاتصالات والمواقف إلى برامج عمل مشتركة ومستدامة، وربط المواقف السياسية بقدرة تنظيمية ومجتمعية أوسع.
6. إدارة الاستحقاق الانتخابي
شكّلت الانتخابات النيابية لعام 2025 أحد أهم الاختبارات السياسية والتنظيمية خلال الدورة وكان للمكتب التنفيذي دور أساسي في إدارة قرار المشاركة والتنسيق مع التنسيقيات والقوى السياسية والمدنية والمساهمة في تشكيل تحالف البديل ومتابعة الاستعدادات الانتخابية.
وقد أظهرت التجربة أهمية العمل الانتخابي المشترك في تجميع عدد من القوى المدنية والديمقراطية، كما كشفت في الوقت نفسه عن محدودية الإمكانات التنظيمية والإعلامية والمالية، والحاجة إلى استعداد مبكر وآليات أكثر تخصصاً في العمل الانتخابي والمتابعة القانونية والإعلامية والميدانية.
ويمثل هذا الاستحقاق أحد أبرز الدروس التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند تشكيل القيادة المقبلة، بحيث لا يبقى العمل الانتخابي مرتبطاً بموسم الانتخابات، وإنما يتحول إلى عمل مستمر ضمن هيكل تنظيمي واضح.
يظهر التقييم العام أن المكتب التنفيذي كان المحرك الأساسي للعمل القيادي اليومي خلال الدورة، وتمكن، رغم محدودية عدد المشاركين بصورة فاعلة، من الحفاظ على انتظام نسبي في الاجتماعات، وإدارة المواقف السياسية، ومتابعة الاستحقاقات الانتخابية والتنظيمية والتواصل مع التنسيقيات واللجان والقوى السياسية والمدنية.
في المقابل كان أداء اللجنة العليا دون المستوى المطلوب بسبب تباعد الاجتماعات وضعف التواصل والمشاركة من عدد من أعضائها الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في آليات عملها ودورها في المتابعة والتقييم.
كما أظهرت تجربة المكتب التنفيذي أن انتظام الاجتماعات لا يعني بالضرورة توزيعاً متوازناً للمسؤوليات إذ تركز العمل على عدد محدود من الأعضاء وانسحب بعض الأعضاء خلال الدورة فيما لم تستمر تجربة سكرتارية المكتب التنفيذي رغم نجاحها النسبي في السنة الأولى.
وعليه، فإن أحد أهم متطلبات المرحلة المقبلة يتمثل في اختيار قيادة قادرة على العمل الفعلي والمستمر، وليس مجرد التمثيل التنظيمي. وينبغي أن تتوافر في أعضاء المكتب التنفيذي الرغبة الحقيقية في التطوع للعمل والقدرة على الالتزام والمتابعة والاستعداد لتحمل المسؤولية بصورة منتظمة. كما أظهرت التجربة أن وجود أعضاء من خارج بغداد ضمن المكتب التنفيذي لم يكن مشجعاً من حيث الانتظام في الحضور والتواصل الأمر الذي يستحسن أخذه بنظر الاعتبار عند تشكيل المكتب المقبل، مع إمكانية الاستفادة من وسائل الاتصال الإلكتروني عند الحاجة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية استمرار سكرتارية المكتب التنفيذي بوصفها آلية مساندة للعمل القيادي اليومي على أن تكون ذات تكوين متوازن يراعي مشاركة المرأة والشباب، وأن تضطلع بمهام واضحة في المتابعة والتنسيق وإعداد التقارير ومتابعة تنفيذ القرارات.
إن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس زيادة عدد الهياكل القيادية بقدر ما هو رفع مستوى فاعليتها من خلال اختيار أعضاء يمتلكون الوقت والاستعداد للعمل وتوزيع المسؤوليات بصورة واضحة وضمان المتابعة الدورية وتعزيز الجماعية والشفافية وربط القرارات بالتنفيذ والنتائج بما يحول القيادة من إدارة يومية للنشاط إلى مؤسسية قادرة على التخطيط والتقييم والتأثير.

ثانيا: العمل السياسي والمواقف العامة للتيار
شكّل العمل السياسي واتخاذ المواقف من القضايا الوطنية والإقليمية أحد المحاور الأساسية لنشاط التيار الديمقراطي خلال الدورة، إذ حرصت اللجنة العليا والمكتب التنفيذي على متابعة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتعبير عن مواقف التيار منها من خلال البيانات والبلاغات والتصريحات واللقاءات السياسية والمدنية. وقد استندت هذه المواقف بصورة عامة إلى مشروع التيار في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، القائمة على المواطنة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والحريات.
1. أزمة النظام السياسي والمحاصصة والتوافقية
واصل التيار الديمقراطي تأكيد موقفه الرافض لاستمرار نظام المحاصصة السياسية والطائفية وما أفرزه من اختلال في إدارة الدولة وضعف في المؤسسات وتراجع في المساءلة والمحاسبة. ودعا في مواقفه إلى تطوير النظام السياسي باتجاه منافسة سياسية وبرامجية حقيقية، وإلى الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى التداول الديمقراطي القائم على البرامج والانتخابات والمساءلة.
2. بناء الدولة والسيادة الوطنية
ركز التيار في مواقفه على ضرورة استكمال بناء الدولة ومؤسساتها على أساس الدستور والقانون والمواطنة، وتعزيز استقلال القرار الوطني وحماية سيادة العراق. كما أكد رفضه استخدام الأراضي العراقية ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، ودعا إلى اعتماد سياسة خارجية متوازنة تحفظ مصالح العراق وتبعده عن محاور الصراع.
3. السلاح وحصر القوة بيد الدولة
أكد التيار بصورة متواصلة أن بناء الدولة الديمقراطية يتطلب حصر السلاح بيد الدولة وخضوع جميع المؤسسات والتشكيلات المسلحة للقانون والدستور، وربط قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية المختصة. وجاء هذا الموقف ضمن رؤيته لتعزيز سلطة الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار وحماية القرار الوطني.
4. الحريات والمواطنة والحقوق
تابع التيار خلال الدورة القضايا المرتبطة بالحريات العامة والحقوق الدستورية والمساواة بين المواطنين، واتخذ مواقف إزاء عدد من التشريعات والممارسات التي رأى أنها تمس الحريات أو مبدأ المواطنة. كما أكد الدفاع عن استقلال القضاء وحرية التعبير والإعلام وحقوق المرأة والشباب والأقليات، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون.
5. مكافحة الفساد
واصل التيار طرح قضية الفساد باعتبارها إحدى أبرز معوقات بناء الدولة وإصلاح الاقتصاد مؤكداً ضرورة مكافحة الفساد وفق القانون وبعيداً عن الانتقائية والتوظيف السياسي. ودعا إلى تعزيز استقلال الأجهزة الرقابية والقضاء، وتوفير الشفافية في إدارة المال العام، وربط مكافحة الفساد بإصلاح مؤسسات الدولة ومعالجة أسباب إنتاجه.
6. الاقتصاد والعدالة الاجتماعية
أولى التيار اهتماماً متزايداً للملفات الاقتصادية والاجتماعية ولا سيما مشكلة الاعتماد المفرط على النفط، وأوضاع الموازنة والرواتب، والبطالة، وضعف القطاعات الإنتاجية، ومستوى الخدمات والحماية الاجتماعية. وركزت مواقفه على ضرورة تنويع الاقتصاد الوطني، ودعم الصناعة والزراعة والقطاع الخاص، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الثروة والفرص.
7. التطورات الإقليمية والدولية
تابع التيار التطورات الإقليمية والدولية ذات الصلة بالعراق واتخذ مواقف تجاه الحروب والأزمات التي شهدتها المنطقة مؤكداً أولوية حماية العراق من تداعيات الصراعات واحترام سيادته وقراره الوطني ورفض استهداف المدنيين وانتهاك القانون الدولي. كما عبّر عن تضامنه مع القضايا العادلة للشعوب وحقها في الحرية وتقرير المصير، مع التأكيد على ضرورة أن تبقى المصلحة الوطنية العراقية معياراً أساسياً في الموقف من التطورات الخارجية.
يمكن القول إن التيار حافظ خلال الدورة على وضوح مواقفه الأساسية واستمرارية حضوره السياسي في القضايا الوطنية العامة، وحرص على التعبير عنها من خلال مؤسساته القيادية ووسائله الإعلامية وعلاقاته مع القوى السياسية والمدنية. كما ساهمت هذه المواقف في الحفاظ على هوية التيار السياسية والفكرية، وفي إبقاء مشروع الدولة المدنية الديمقراطية حاضراً في النقاش العام.
إلا أن التجربة أظهرت أن وضوح الموقف السياسي لا يكفي وحده لإحداث التأثير المطلوب، ما لم يقترن بقدرة تنظيمية وإعلامية وجماهيرية أكبر على إيصال هذه المواقف وتحويلها إلى فعل سياسي ومجتمعي مؤثر. ولذلك تبقى مهمة المرحلة المقبلة هي تعزيز الصلة بين الموقف السياسي والعمل الميداني، وبين البيانات والمبادرات العملية، بما يزيد من قدرة التيار على التأثير في الرأي العام وفي مسار الحياة السياسية.

ثالثاً: الانتخابات والتحالفات والعمل الانتخابي
شكّلت الانتخابات البرلمانية لعام 2025 أكبر اختبار سياسي وتنظيمي للتيار الديمقراطي خلال دورة المؤتمر الرابع، إذ انتقل التيار من موقع التأثير السياسي والمدني خارج المؤسسات المنتخبة إلى محاولة خوض المنافسة الانتخابية ضمن إطار مدني أوسع بهدف تحويل مشروعه السياسي إلى حضور انتخابي وتمثيل داخل مجلس النواب. ولذلك اكتسبت المشاركة الانتخابية أهمية تتجاوز مجرد خوض الانتخابات، لتصبح اختباراً لقدرة التيار على بناء التحالفات واختيار المرشحين وتحريك تنسيقياته والتواصل مع الناخبين وتحويل خطابه السياسي إلى فعل انتخابي مؤثر.
1. التحضير للمشاركة الانتخابية
بدأ التيار التحضير للاستحقاق الانتخابي قبل موعد الانتخابات بوقت كافٍ، انطلاقاً من قناعته بأن الانتخابات تمثل إحدى الوسائل الأساسية للتغيير والإصلاح وبناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.
وفي 23 نيسان 2025 أُجري استفتاء داخلي بشأن المشاركة ضمن تحالف انتخابي مدني، وحظي خيار المشاركة بإجماع التنسيقيات، الأمر الذي منح المكتب التنفيذي تفويضاً واضحاً للمضي في تشكيل التحالف والعمل على توحيد القوى الديمقراطية والمدنية في إطار انتخابي مشترك. كما جرى التأكيد على اعتماد معايير واضحة لاختيار المرشحين، وفي مقدمتها النزاهة والكفاءة والالتزام ببرنامج التيار والقدرة على تمثيل تطلعات القوى الديمقراطية والمدنية.
ويمثل هذا المسار نقطة إيجابية في العمل التنظيمي للتيار إذ لم يُتخذ قرار المشاركة بصورة منفردة، وإنما أُخضع لخيار تنظيمي تشاركت فيه التنسيقيات، بما عزز شرعية القرار داخل التيار وربط المشاركة الانتخابية بالقرار التنظيمي العام.
2. تشكيل تحالف البديل
تُوّجت الجهود السياسية والتنظيمية بتشكيل تحالف البديل في 27 أيار 2025، بوصفه محاولة لتجميع عدد من القوى السياسية والمدنية والشخصيات الوطنية في إطار انتخابي مشترك وتقديم بديل عن قوى المحاصصة والطائفية والانقسام القومي.
وضم التحالف التيار الديمقراطي إلى جانب مجموعة من القوى والكيانات السياسية والمدنية، وطرح برنامجاً يقوم على السيادة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، واستعادة هيبة الدولة، ومحاربة الفساد وتمكين المواطن.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها مثّلت محاولة عملية لتجاوز حالة التشتت التي عانت منها القوى المدنية والديمقراطية، والانتقال من التنسيق السياسي العام إلى إطار انتخابي مشترك. كما أتاحت للتيار اختبار قدرته على العمل ضمن تحالف متعدد الأطراف، والتوفيق بين خصوصيته السياسية ومتطلبات العمل الانتخابي المشترك.
3. اختيار المرشحين وإدارة المشاركة
عمل التيار، ضمن التحالف، على اعتماد معايير للمرشحين تركز على النزاهة والكفاءة والالتزام بالبرنامج السياسي والقدرة على تمثيل القوى الديمقراطية والمدنية. ولم يكن الهدف مجرد زيادة عدد المرشحين، وإنما تقديم شخصيات يمكن أن تشكل امتداداً للمشروع السياسي للتيار والتحالف داخل المؤسسة التشريعية.
كما شهدت مرحلة الإعداد للانتخابات تحركاً سياسياً وتنظيمياً في عدد من المحافظات، وجرى التأكيد على أهمية التواصل المباشر مع المواطنين، وحثهم على تحديث بطاقاتهم الانتخابية، وتعزيز القناعة بجدوى المشاركة السياسية والانتخابية. وشملت التحركات لقاءات مع التنسيقيات والقوى المدنية والشخصيات الديمقراطية، في محاولة لتحويل المشاركة الانتخابية من قرار تنظيمي إلى حراك سياسي ومجتمعي أوسع.
4. الحضور الميداني والتعبئة الانتخابية
سعى المكتب التنفيذي والتنسيقيات إلى تنشيط الحضور الميداني للتيار خلال مرحلة الاستعداد للانتخابات، من خلال اللقاءات السياسية والجماهيرية، والتواصل مع القوى المدنية، ودعم مرشحي التحالف، والتعريف ببرنامجه الانتخابي.
وقد شكلت الجولات واللقاءات التي جرت في عدد من المحافظات، ومنها النجف والديوانية جزءاً من محاولة بناء حضور انتخابي أكثر اتساعاً وربط العمل الانتخابي بالتنسيقيات المحلية والقوى المدنية في المحافظات.
ومع ذلك، كشفت التجربة عن استمرار الفجوة بين الحضور السياسي للتيار وبين امتلاكه مقومات العمل الانتخابي الاحترافي، ولا سيما من حيث الماكنة الانتخابية، والموارد المالية والقدرة الإعلامية، والانتشار الميداني المستدام، وهي عوامل أثرت في القدرة على الوصول إلى شرائح أوسع من الناخبين.
5. مواجهة الإشكالات الانتخابية
واجه تحالف البديل خلال مرحلة الترشيح عدداً من الإشكالات، كان أبرزها قرار استبعاد مرشحيه في محافظة المثنى. وقد أعلن التحالف اعتراضه على القرار وتمسكه بالمسار القانوني للطعن، مع التأكيد على ضرورة تطبيق معايير الترشيح بصورة متساوية وعدم تعطيل الحق الدستوري في الترشح. وتضمن موقف التحالف الإشارة إلى وجود نقص في وثائق مرشحين اثنين، مع التأكيد على أن بقية ملفات المرشحين كانت مستوفية للشروط، وأن القانون يتيح معالجة النقص واستبدال من تنطبق عليه أسباب الاستبعاد.
كما صدرت مواقف أخرى للتحالف بشأن استبعاد عدد من مرشحيه، مؤكداً أن سلامة العملية الانتخابية لا تتحقق فقط بإجراء الانتخابات، وإنما أيضاً بضمان تكافؤ الفرص وحق المرشحين في المنافسة وفق قواعد واضحة وموحدة.
وقد أظهرت هذه الوقائع أهمية امتلاك التحالفات المدنية فريقاً قانونياً وانتخابياً متخصصاً يتابع إجراءات الترشيح والطعون والمفوضية منذ المراحل الأولى، وليس بعد وقوع الإشكال.
6. نتائج التجربة الانتخابية وتقييمها
مثلت مشاركة التيار في انتخابات 2025، ضمن تحالف البديل، خطوة مهمة في تجربته السياسية والتنظيمية، لأنها نقلته إلى مستوى أكثر مباشرة من التنافس على التمثيل السياسي وأتاحت له اختباراً عملياً لقدرته على بناء تحالف انتخابي واسع والعمل داخله.
كما أثبتت التجربة إمكانية جمع عدد من القوى المدنية والديمقراطية والوطنية ضمن إطار انتخابي مشترك، وأكدت أن التيار قادر على المساهمة في تشكيل تحالف يتجاوز حدود التنظيم الواحد ويقدم خطاباً سياسياً بديلاً عن المحاصصة.
إلا أن التجربة كشفت في الوقت نفسه عن مجموعة من نقاط الضعف، في مقدمتها محدودية الإمكانات التنظيمية والمالية والإعلامية، وضعف الماكنة الانتخابية مقارنة بالقوى المنافسة وعدم كفاية الانتشار الميداني، فضلاً عن استمرار التشتت النسبي للقوى المدنية وصعوبة تحويل التوافق السياسي بين أطراف التحالف إلى قوة انتخابية متماسكة ومستدامة.
ومن ثم، فإن تقييم المشاركة لا ينبغي أن يُختزل في عدد المقاعد أو الأصوات التي حصل عليها التحالف، وإنما ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها اختباراً لقدرة التيار على الانتقال من النشاط السياسي والمدني إلى العمل الانتخابي المنظم. وقد أظهرت التجربة تقدماً مهماً في مجال بناء التحالفات، لكنها أكدت أيضاً أن امتلاك المشروع السياسي الواضح لا يكفي وحده لتحقيق حضور انتخابي مؤثر ما لم يقترن بتنظيم جماهيري واسع، وماكنة انتخابية فعالة، وإمكانات مالية وإعلامية، وحضور ميداني مستمر.
7. الدروس المستخلصة
أبرزت تجربة انتخابات 2025 عدداً من الدروس التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار في الاستحقاقات المقبلة:
1. الاستعداد للانتخابات يجب أن يبدأ بعد انتهاء الانتخابات السابقة، وليس مع اقتراب موعد الاستحقاق.
2. ضرورة بناء ماكنة انتخابية دائمة مرتبطة بالتنسيقيات، وليس تشكيل هيكل انتخابي مؤقت مع كل انتخابات.
3. تطوير آليات اختيار المرشحين وإعدادهم مبكراً، بما يضمن حضور شخصيات ذات كفاءة ونزاهة وقاعدة اجتماعية حقيقية.
4. الانتقال من التحالفات الانتخابية المؤقتة إلى تحالف سياسي ومدني مستدام يقوم على برنامج مشترك وآليات واضحة للعمل واتخاذ القرار.
5. تطوير القدرة الإعلامية للتيار والتحالف، ولا سيما الإعلام الرقمي والوصول المباشر إلى الناخبين.
6. تعزيز العمل الميداني والتواصل المباشر مع المواطنين، وعدم الاكتفاء بالبيانات واللقاءات السياسية.
7. توفير موارد مالية شفافة ومستدامة للعمل الانتخابي، مع وضع آليات واضحة لإدارتها ومراقبتها.
8. بناء فريق قانوني وانتخابي متخصص يتابع العملية الانتخابية منذ التسجيل والترشيح وحتى إعلان النتائج والطعون.
9. إعطاء التنسيقيات في المحافظات دوراً أكبر في تحديد المرشحين وبناء الحملات الانتخابية، وربطها بخطة انتخابية مركزية واضحة.
10. الاستفادة من تجربة انتخابات 2025 في بناء استراتيجية انتخابية مبكرة، تقوم على التنظيم، والتحالف، والمرشح، والبرنامج، والإعلام، والتمويل، والعمل الميداني بوصفها عناصر مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
يمكن القول إن التيار الديمقراطي حقق خلال هذه الدورة تقدماً مهماً في تحويل خيار المشاركة الانتخابية إلى ممارسة عملية، ونجح في الإسهام في تشكيل تحالف مدني واسع وخوض الانتخابات ضمن إطار سياسي يتقاطع مع مشروعه في بناء الدولة المدنية الديمقراطية. غير أن التجربة كشفت بوضوح أن الانتقال من القوة السياسية والفكرية إلى القوة الانتخابية ما زال يتطلب عملاً تنظيمياً وميدانياً وإعلامياً ومالياً أكبر.
وعليه، فإن أهم ما ينبغي أن يخرج به المؤتمر الخامس من هذه التجربة هو أن المشاركة في الانتخابات لم تعد خياراً موسمياً، وإنما ينبغي أن تكون جزءاً من استراتيجية دائمة لبناء القوة الديمقراطية والمدنية، تبدأ من المجتمع والتنظيم والتحالفات، وتمتد إلى الانتخابات والمؤسسات المنتخبة.

رابعاً: عمل اللجان المختصة
شكّلت اللجان المختصة إحدى الأدوات الأساسية لتنفيذ مهام التيار الديمقراطي وتحويل توجهاته وقرارات قيادته إلى برامج عمل في مجالات محددة. وقد استهدف تشكيلها توزيع المسؤوليات، والاستفادة من الخبرات والاختصاصات المتوافرة، وتعزيز العمل المؤسسي، وعدم حصر مختلف الملفات في المكتب التنفيذي أو اللجنة العليا.
ولا يقتصر تقييم هذه التجربة على اللجان بوصفها هياكل تنظيمية، بل يمتد إلى الملفات النوعية التي ارتبطت بها، وفي مقدمتها الإعلام والثقافة، والعمل الأكاديمي والمهني، وقضايا المرأة والشباب. وقد تفاوت مستوى الأداء من ملف إلى آخر، تبعاً لتوافر الكوادر، ومستوى التفرغ ووضوح المسؤوليات، والقدرة على المتابعة والتواصل والاستمرار.
ومن هنا، فإن معيار التقييم لا ينبغي أن يكون عدد الاجتماعات أو النشاطات المنفذة، وإنما ما تحقق من مخرجات، وما تركه من أثر، ومدى إسهامه في تطوير حضور التيار الديمقراطي وتنظيمه وقدرته على التأثير.
1. لجنة متابعة التنسيقيات
تُعد لجنة متابعة التنسيقيات من أكثر اللجان فاعلية خلال الدورة، نظراً إلى أهمية مهمتها في متابعة أوضاع التنسيقيات في بغداد والمحافظات، وتعزيز التواصل معها، ومتابعة نشاطها التنظيمي والسياسي، والمساعدة في تنشيط حضورها وتطوير أدائها.
وقد ساهمت اللجنة في إبقاء الصلة قائمة بين القيادة المركزية والتنسيقيات، ومتابعة المؤتمرات والنشاطات التنظيمية، وتشجيع عدد من التنسيقيات على إعادة تنظيم أوضاعها وتوسيع المشاركة فيها، فضلاً عن متابعة قضايا تمثيل الشباب والمرأة وتوسيع قاعدة المشاركة.
وكان من أبرز مخرجات عملها تعزيز التواصل بين المكتب التنفيذي والتنسيقيات، والمساهمة في إعادة تنشيط عدد منها ومتابعة استكمال أوضاعها التنظيمية، بما جعلها حلقة وصل مهمة في العمل الداخلي للتيار.
تمثل تجربة لجنة متابعة التنسيقيات إيجابية يمكن البناء عليها، إلا أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال من المتابعة العامة إلى نظام متابعة مؤسسي يقوم على خطة سنوية لكل تنسيقية، ومؤشرات واضحة لقياس تطورها التنظيمي والسياسي والجماهيري، مع معالجة التنسيقيات الضعيفة بصورة مبكرة قبل الوصول إلى مرحلة التعطيل أو الحل.
2. اللجنة الإعلامية والنشاط الثقافي
اضطلعت اللجنة الإعلامية بمهمة تطوير الحضور الإعلامي للتيار الديمقراطي، ومتابعة نشاطاته ومواقفه، والمساهمة في إيصال خطابه السياسي إلى الجمهور، فضلاً عن مواكبة الفعاليات والبيانات والمواقف الصادرة عنه. وقد شهدت الدورة اهتمامًا بتطوير أدوات العمل الإعلامي وتعزيز حضور التيار في وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية، ولا سيما خلال مرحلة الاستعداد للانتخابات، حيث أسهمت التغطية الإعلامية والنشر الإلكتروني في التعريف بمواقف التيار ونشاطاته ومرشحيه وتوسيع نطاق الوصول إلى الجمهور.
وشكلت جريدة (صدى الناس) إحدى الأدوات الأساسية في العمل الإعلامي للتيار، واستمر العمل على إصدارها وتطوير مضمونها وإخراجها. إلا أن هذه التجربة واجهت عددًا من الصعوبات التنظيمية والفنية واللوجستية، أدت إلى عدم انتظام الصدور وتوقف الجريدة عن إصدار أربعة أعداد. وتمثل هذه الحالة إحدى المسائل التي ينبغي الوقوف عندها ومعالجة أسبابها، بما يضمن استعادة انتظام الجريدة واستمراريتها وتطوير مستواها المهني.
وفي هذا السياق، بذلت اللجنة جهودًا للحفاظ على الجريدة وتطوير محتواها، مع التأكيد على ضرورة رفدها بمواد سياسية وثقافية وإعلامية متنوعة، والارتقاء بمستواها المهني، وتعزيز استقلالية المادة المنشورة وعدم المجاملة على حساب مكانة الجريدة وسمعتها. كما برزت الحاجة إلى تطوير «صدى الناس» من مجرد إصدار رقمي إلى منصة إعلامية متكاملة، من خلال تعزيز حضورها الإلكتروني وربط محتواها بالمنصات الرقمية.
دور هيئة المتابعة لتنسيقيات الخارج
وفي إطار العمل الإعلامي للتيار، أسهمت لجنة إعلام هيئة المتابعة لتنسيقيات الخارج بدور مهم في دعم النشاط الإعلامي واستمراره، ولا سيما من خلال المساهمة في رفد جريدة «صدى الناس» بالمواد والمتابعات، وهو ما شكل عاملًا مساعدًا في استمرار إصدارها خلال فترات واجه فيها العمل الإعلامي بعض الصعوبات. كما اضطلعت اللجنة بإعداد وتنظيم عدد من اللقاءات الصحفية والحوارات الإعلامية، وإنتاج مواد ووثائق وفيديوهات تعريفية بنشاط التيار، ومواقفه، وقياداته على المستوى العام، إلى جانب التعريف بأنشطة التنسيقيات في الخارج وتجاربها.
وقد ساعد هذا النشاط على إبراز الطابع الوطني والعابر للمناطق للتيار الديمقراطي، وإظهار تنوع نشاطه وتواصله مع العراقيين في الخارج، كما وفر مادة إعلامية يمكن الاستفادة منها في التعريف بالتيار وقياداته ونشاطاته، وربط العمل الإعلامي بين المركز والتنسيقيات في الداخل والخارج. وتبرز أهمية هذه التجربة في ضرورة تعزيز التكامل والتنسيق بين الجهد الإعلامي المركزي والإمكانات الإعلامية المتوفرة لدى تنسيقيات الخارج، والاستفادة منها بصورة أكثر انتظامًا في المرحلة المقبلة.
وشهدت الدورة كذلك توسعًا في حضور التيار على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وفي مقدمتها فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب ومنصة X، إلى جانب موقع «صدى الناس». وأسهم هذا الحضور في توفير وسيلة أسرع للتواصل مع الجمهور ونشر البيانات والمواقف والأخبار والتغطيات، فضلاً عن إتاحة مساحة أكبر للمحتوى المرئي والمباشر. كما جرى خلال المرحلة الانتخابية توظيف المنصات الرقمية في تغطية عدد من اللقاءات والنشاطات المرتبطة بمرشحي التيار.
وفي ضوء هذا التطور، برزت الحاجة إلى الانتقال من النشر المتفرق إلى منظومة إعلامية أكثر تنظيمًا وتكاملاً، تقوم على تقويم نشر منتظم، وتحديد مسؤوليات واضحة للمنصات المختلفة وتطوير المحتوى البصري والمرئي، وتعزيز الربط بين الجريدة الورقية والموقع الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، مع الاستفادة عند الحاجة من الترويج الإلكتروني الممول لتوسيع نطاق الوصول إلى الجمهور. كما جرى التأكيد على أهمية تطوير الكوادر الإعلامية والفنية، ولا سيما في مجالات التصميم والإخراج والإنتاج المرئي وإدارة المنصات الرقمية.

النشاط الثقافي
وعلى مستوى العمل الثقافي، شهدت الدورة نماذج مميزة من النشاط في عدد من التنسيقيات وأثبتت التجربة أن النشاط الثقافي يمكن أن يشكل مساحة مهمة لتعزيز حضور التيار في المجتمع، والتواصل مع النخب الثقافية والفكرية والأكاديمية، وتقديم المشروع الديمقراطي في إطار أوسع من النشاط السياسي المباشر.
ومن أبرز هذه التجارب ما قامت به تنسيقية الكرخ من إقامة فعاليات ثقافية منتظمة في المركز الثقافي البغدادي تحت عنوان (ملتقى رواد المتنبي الثقافي)، حيث استقطبت الفعاليات أدباء ومثقفين ومفكرين وأكاديميين وشخصيات ثقافية متنوعة، ولاقت أصداءً إيجابية، كما حظيت بتغطية إعلامية. وتمثل هذه التجربة نموذجًا مهمًا للنشاط الثقافي المنتظم الذي لا يقتصر على فعالية مناسباتية، وإنما يوفر مساحة مستمرة للحوار والتفاعل مع الوسط الثقافي.
كما برزت تنسيقية البصرة في عدد من النشاطات الثقافية، وأسهمت في الحفاظ على حضور ثقافي إلى جانب نشاطها السياسي والتنظيمي. وشاركت تنسيقية ديالى في نشاطات ثقافية بالتعاون مع أطر وفعاليات ثقافية أخرى، بما عزز الانفتاح على الوسط الثقافي المحلي وأتاح للتيار مساحة أوسع للتواصل المجتمعي. كذلك تميزت تنسيقية صلاح الدين بنشاط ثقافي متنوع، ولا سيما في مدينة سامراء، وأسهمت هذه النشاطات في تعزيز حضور التيار في المجال الثقافي والاجتماعي بالمحافظة.
وتكشف هذه التجارب أن النشاط الثقافي كان أكثر نجاحًا عندما ارتبط بمبادرة التنسيقية المحلية، وبوجود زملاء لديهم اهتمام وقدرة على التواصل مع المثقفين، فضلاً عن الانتظام والاستمرارية والانفتاح على شخصيات وأطر ثقافية من خارج التنظيم. وفي المقابل، ظل النشاط الثقافي متفاوتًا بين التنسيقيات، ولم يتحول بعد إلى سياسة ثقافية متكاملة للتيار.
يمكن تقييم مستوى النشاط الإعلامي والثقافي بأنه جيد، مع تفاوت في مستوى الانتظام والتطور بين المجالات والتنسيقيات. وقد أظهرت الدورة وجود إمكانات مهمة لبناء حضور إعلامي وثقافي أكثر تأثيرًا، إلا أن ذلك يتطلب الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى رؤية أكثر انتظامًا وتكاملاً.
وفي المجال الإعلامي، تبرز الحاجة إلى معالجة أسباب عدم انتظام «صدى الناس»، وتثبيت آلية واضحة لضمان استمرار صدورها، بالتوازي مع تطوير موقعها وحضورها في المنصات الرقمية، وبناء سياسة نشر موحدة تربط بين الجريدة ووسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى المرئي، والاستفادة بصورة أفضل من الإمكانات الإعلامية المتوفرة لدى هيئة المتابعة وتنسيقيات الخارج.
أما في المجال الثقافي، فتبرز الحاجة إلى وضع برنامج ثقافي سنوي للتيار، وتشجيع التنسيقيات على إقامة ملتقيات وندوات وحوارات منتظمة، وربط النشاط الثقافي بالقضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تشكل جوهر مشروع التيار الديمقراطي.
كما ينبغي الاستفادة من التجارب الناجحة، وفي مقدمتها تجربة «ملتقى رواد المتنبي الثقافي»، في بناء شبكة أوسع من المثقفين والأدباء والأكاديميين والفنانين المتعاونين مع التيار، مع ترك مساحة للتنسيقيات لاختيار الموضوعات والشخصيات والفعاليات التي تتلاءم مع خصوصية بيئتها المحلية.

3. . لجنة التهيئة للانتخابات
ارتبط عمل هذه اللجنة بأحد أهم الاستحقاقات التي واجهها التيار خلال الدورة، وهو الاستعداد للانتخابات البرلمانية لعام 2025، ومتابعة المتطلبات السياسية والتنظيمية للمشاركة الانتخابية، والمساهمة في إعداد التيار لخوض الانتخابات ضمن إطار التحالف المدني.
وقد أسهمت اللجنة في تهيئة الأرضية التنظيمية والسياسية للمشاركة، ومتابعة موضوع المرشحين والمعايير الواجب توافرها فيهم، والتنسيق في عدد من القضايا المرتبطة بالاستحقاق الانتخابي، بالتزامن مع جهود التيار في تشكيل تحالف البديل وخوض الانتخابات ضمن إطار مدني أوسع.
وكشفت تجربة الانتخابات، في الوقت نفسه، عن حجم العمل الذي تحتاجه القوى المدنية في هذا المجال، وعن ضرورة أن يتحول العمل الانتخابي من جهد موسمي إلى بنية انتخابية دائمة تراكم الخبرة، وتتابع التشريعات والإجراءات، وتعمل على التواصل مع الناخبين، وتبني الماكنة الانتخابية بصورة مبكرة.
مستوى النشاط: جيد، وارتفع بصورة واضحة خلال فترة الاستعداد للانتخابات.
التقييم: أنجزت اللجنة جانباً مهماً من مهمتها، إلا أن التجربة أكدت الحاجة إلى تطوير العمل الانتخابي من حيث التخطيط المبكر، والكوادر المتخصصة، والمتابعة القانونية، والبيانات الانتخابية، والاتصال بالناخبين، والماكنة الانتخابية. وقد أكد المكتب التنفيذي لاحقاً أهمية تشكيل لجان انتخابية قوية من أصحاب الكفاءة والخبرة والاستعداد للاستحقاقات المقبلة منذ وقت مبكر.
4. . لجنة العلاقات
تمثلت مهمة اللجنة في تطوير علاقات التيار مع القوى السياسية والمدنية والشخصيات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني، وفتح قنوات للحوار والتنسيق بما يخدم مشروع التيار الديمقراطي ويوسع دائرة العمل المشترك.
وقد شهدت هذه الدورة نشاطاً في مجال اللقاءات والتواصل مع عدد من القوى والشخصيات والفعاليات المدنية، كما تداخل عمل اللجنة بصورة إيجابية مع التحضيرات للتحالفات السياسية والانتخابية، وساهم في توفير مساحة للحوار حول إمكانات توحيد الجهود الديمقراطية والمدنية.
وأظهرت التجربة أهمية العلاقات السياسية والمدنية بوصفها جزءاً من بناء القوة السياسية للتيار، وليس مجرد نشاط بروتوكولي أو اتصالات ظرفية.
قطعت اللجنة شوطاً مهماً في توسيع دائرة التواصل، إلا أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو تحويل العلاقات واللقاءات إلى صيغ تعاون أكثر استدامة، وبرامج مشتركة، وتحالفات سياسية ومدنية ذات أهداف واضحة، وعدم الاكتفاء بتبادل الزيارات والمواقف.
5. . العمل الأكاديمي – (الأكاديميون الديمقراطيون)
يمثل العمل الأكاديمي أحد المجالات التي يمتلك فيها التيار الديمقراطي فرصة مهمة للاستفادة من الكفاءات العلمية والفكرية الموجودة في داخله وفي محيطه، وربط هذه الطاقات بالمشروع الديمقراطي، وإنتاج الدراسات والأفكار والمقترحات التي يمكن أن تسهم في تطوير مواقف التيار وبرامجه.
وقد تشكلت مجموعة )الأكاديميون الديمقراطيون( ووجدت أرضية للتواصل والعمل، إلا أن التجربة خلال الدورة لم تحقق مستوى التواصل والمتابعة المطلوبين، رغم وجود المجموعة وإمكاناتها. ويعود جانب من ذلك إلى ضعف المتابعة والتواصل من قبل الزملاء الذين أُنيطت بهم هذه المهمة، الأمر الذي حدّ من قدرة المجموعة على التحول إلى إطار أكاديمي فاعل ومستمر.
وبذلك فإن المشكلة لم تكن في غياب الكفاءات أو عدم وجود إطار أولي للعمل، وإنما في ضعف الإدارة والمتابعة وتحويل التجمع الأكاديمي إلى نشاط مؤسسي منتج.
يحتاج هذا الملف إلى إعادة بناء جادة، تبدأ بتحديد مسؤولية واضحة، وتحديث قاعدة بيانات الأكاديميين، وإنشاء آلية تواصل منتظمة، وتشكيل مجموعات اختصاصية قادرة على إعداد أوراق وسياسات ودراسات تخدم التيار والمجتمع، وربط الأكاديميين بالتخصصات واللجان الأخرى، ولا سيما القانونية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية.
6. . العمل المهني
جاء تشكيل إطار العمل المهني في سياق الحاجة إلى توسيع حضور التيار في الأوساط المهنية والاستفادة من الكفاءات والخبرات المتخصصة، وربطها بالشأن العام والقضايا المهنية والاجتماعية ذات الصلة.
وخلال الفترة موضوع التقرير، بدأ الإطار المهني خطوات أولية لبناء حضوره وعلاقاته مع الأوساط المهنية، كما عمل على المساهمة في دعم الشخصيات والمرشحين من التيار المدني والديمقراطي خلال انتخابات عدد من النقابات والاتحادات المهنية، انطلاقًا من أهمية هذه المؤسسات في الحياة العامة، ودورها في الدفاع عن المصالح المهنية وتعزيز الممارسة الديمقراطية داخلها. وقد شكل هذا النشاط مجالًا عمليًا للتواصل مع الكفاءات المهنية والشخصيات المستقلة والقوى المدنية والديمقراطية، وتعزيز حضور التيار في الأوساط المهنية خارج الأطر السياسية المباشرة.
ومع ذلك، ما زال هذا الإطار في بداياته، ولم يتمكن خلال الفترة موضوع التقرير من ترسيخ موقع مؤثر داخل الأوساط المهنية أو بناء شبكة مهنية فاعلة قادرة بصورة منتظمة على إنتاج مبادرات أو مواقف ذات أثر واضح. ويرتبط ذلك، إلى حد كبير، بحداثة التشكيل وقصر الفترة المتاحة لتطويره، فضلاً عن الحاجة إلى تحديد مهامه بصورة أكثر دقة، وبناء علاقاته مع النقابات والاتحادات والاختصاصات المهنية المختلفة.
ويتطلب ذلك وضع برنامج عمل مهني، وتحديد الاختصاصات المهنية ذات الأولوية، وبناء شبكات مهنية مستدامة، والاستفادة من الخبرات والكفاءات في إعداد المقترحات والسياسات وربط العمل المهني بقضايا الاقتصاد والخدمات والقانون والإدارة وسوق العمل، فضلاً عن تطوير آليات التنسيق مع النقابات والاتحادات المهنية والقوى المدنية والديمقراطية، بما يعزز حضور التيار وتأثيره في المجال المهني والمجتمعي.

7 . لجنة الشباب
كان من المفترض أن تضطلع اللجنة بدور أساسي في استقطاب الشباب وتنظيم مشاركتهم، وتطوير خطاب التيار تجاه قضاياهم، وإيجاد مساحات فعلية لمشاركتهم في النشاط السياسي والتنظيمي.
إلا أن أداء اللجنة لم يرتقِ إلى مستوى الحاجة الفعلية أو إلى الأهمية التي يحتلها الشباب في مستقبل التيار والعمل الديمقراطي. ولم يتحول النشاط في هذا المجال إلى حالة تنظيمية مستمرة قادرة على استقطاب طاقات شبابية جديدة أو بناء جيل من الكوادر القيادية.
وقد أكدت اجتماعات القيادة أهمية الدور المحوري للشباب، وضرورة تعزيز العمل الميداني والتواصل المباشر معهم، إلا أن هذا التوجه لم يتحول بالقدر الكافي إلى بناء تنظيمي مستدام.
يمثل هذا الجانب إحدى نقاط الضعف التي ينبغي أن تحظى باهتمام خاص في المرحلة المقبلة. ولا يكفي تشكيل لجنة للشباب، بل ينبغي توفير كوادر قادرة على إدارتها، ومنحها مساحة حقيقية للمبادرة، ووضع برنامج سنوي واضح، وربطها بالتنسيقيات والجامعات والفعاليات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني، مع فتح المجال أمام الشباب لتحمل مسؤوليات تنظيمية وسياسية حقيقية.
8. لجنة المرأة والعمل النسوي
يمثل تعزيز مشاركة المرأة في التيار والعمل الديمقراطي أحد متطلبات توسيع قاعدة المشاركة السياسية والتنظيمية، ولذلك كان من المفترض أن تضطلع اللجنة بدور يتجاوز تنظيم بعض النشاطات إلى بناء حضور نسوي مستدام داخل التيار وتنسيقياته.
وقد بقي الأداء في هذا المجال دون المستوى المطلوب، رغم وجود بعض النشاطات الإيجابية في عدد من المحافظات، الأمر الذي يعكس تفاوتاً بين وجود المبادرة في بعض المواقع وبين القدرة على تحويلها إلى سياسة تنظيمية عامة. وقد أشارت تقارير القيادة إلى نشاط لجنة المرأة في مدينة الكوت، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة تفعيل بقية اللجان.
المطلوب في المرحلة المقبلة ليس مجرد إعادة تفعيل اللجنة، وإنما وضع سياسة واضحة لتمكين المرأة، وزيادة مشاركتها في التنسيقيات واللجان والهيئات القيادية، وبناء نشاط نسوي مرتبط بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وتحويل المرأة من موضوع للنشاط إلى شريك كامل في صناعة القرار والعمل التنظيمي.

إن تطوير اللجان والملفات النوعية لا يمثل مسألة تنظيمية داخلية فقط، بل هو جزء من بناء تيار مؤسسي قادر على توزيع المسؤوليات، واستثمار الكفاءات، وإنتاج السياسات والمبادرات، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتقليل الاعتماد على عدد محدود من القيادات.
ومن هذا المنطلق، فإن المؤتمر الخامس مدعو إلى مراجعة تجربة اللجان بصورة شاملة، على أساس معيار واضح هو: ما المهمة؟ من المسؤول عنها؟ ما الخطة؟ ما المخرجات؟ وما الأثر؟، وليس الاكتفاء بالسؤال عن تشكيل اللجنة أو عدد الاجتماعات التي عقدتها.
وبذلك يمكن أن يصبح العمل باللجان والملفات النوعية أحد أدوات الانتقال من العمل التنظيمي القائم على المبادرة الفردية إلى العمل المؤسسي القائم على التخطيط والمتابعة والمساءلة والنتائج.


خامساً: تنسيقيات بغداد والمحافظات
تمثل التنسيقيات في بغداد والمحافظات القاعدة التنظيمية والميدانية للتيار الديمقراطي، ومن خلالها يفترض أن ينتقل المشروع السياسي للتيار من مستوى القيادة المركزية إلى الحضور المجتمعي والجماهيري، وأن تتعزز علاقاته بالقوى والشخصيات المدنية والديمقراطية، فضلاً عن متابعة القضايا المحلية والتفاعل معها.
وخلال الفترة موضوع التقرير، تفاوت مستوى أداء التنسيقيات بصورة واضحة؛ إذ تمكن بعضها من الحفاظ على قدر من الاستقرار والاستمرارية، وتطوير المبادرات والنشاطات، في حين بقي أداء بعضها الآخر مرتبطاً بجهود فردية أو بمتابعة المكتب التنفيذي ولجنة متابعة التنسيقيات، بينما لم تتمكن تنسيقيات أخرى من النهوض بالمهام الملقاة على عاتقها، الأمر الذي أدى في عدد من الحالات إلى إعادة تشكيلها أو حلها وانتخاب قيادات جديدة.
وقد أظهرت المتابعة أن عقد المؤتمرات التنظيمية أسهم في تجديد الحماس وإعادة تنشيط عدد من التنسيقيات، لكنه لم يكن كافياً وحده لضمان استمرارية العمل إذ إن التحدي الأساسي يبدأ بعد المؤتمر، من خلال تحويل المقررات والخطط إلى نشاط منتظم، وتوزيع المسؤوليات واستقطاب أعضاء جدد، والتواصل مع المجتمع والقوى المدنية، ومتابعة القضايا المحلية.
1. التنسيقيات الأكثر استقراراً وفاعلية
برزت خلال الفترة تنسيقيات استطاعت أن تحافظ على مستوى جيد من النشاط والاستقرار وأن تقدم نماذج أكثر قدرة على تحويل وجود التيار إلى نشاط سياسي وثقافي ومجتمعي.
وفي مقدمة هذه التنسيقيات البصرة، والناصرية، والديوانية، وميسان، وبابل، فضلاً عن تنسيقية صلاح الدين، التي شهدت نشاطاً تنظيمياً وثقافياً وحضوراً للقوى والشخصيات المدنية والديمقراطية. وقد أشاد المكتب التنفيذي في إحدى متابعاته بالتنسيقيات الفاعلة، ومنها بغداد والبصرة ونينوى وصلاح الدين وواسط، كما ثمّن مستوى التنظيم والحضور والنتائج التي تحققت في مؤتمري البصرة ونينوى.
وتكشف تجربة هذه التنسيقيات أن توفر قيادة فاعلة وتوزيع واضح للمهام، واستمرار التواصل مع المجتمع، والقدرة على المبادرة، هي عوامل أساسية في الحفاظ على حيوية التنظيم. كما أن نجاح المؤتمرات التنظيمية لا يقاس فقط بانعقادها وانتخاب قيادة جديدة، وإنما بقدرة القيادة المنتخبة على مواصلة العمل بعد المؤتمر.
2. تنسيقيات بغداد
شهدت تنسيقيتا الرصافة والكرخ خلال المرحلة السابقة على دمجهما نشاطاً تنظيمياً ومشاركة في عدد من فعاليات التيار، ثم جرى الانتقال إلى صيغة تنسيقية بغداد الموحدة، بما ينسجم مع الحاجة إلى توحيد الجهد التنظيمي في العاصمة وتعزيز القدرة على الحركة والتواصل.
وقد جرى الإعداد للمؤتمر الخاص بتنسيقية بغداد من خلال اجتماعات مشتركة بين الرصافة والكرخ، ومناقشة الجوانب التنظيمية واللوجستية وقوائم المشاركين والمرشحين للقيادة.
أما تنسيقية الثورة، فقد شكلت تجربة مختلفة إذ شهدت عقد مؤتمر وانتخاب قيادة جديدة وظهر فيها حضور من الكوادر والناشطين المدنيين إلا أن مستوى النشاط اللاحق ظل دون المستوى المطلوب. وبالتالي فإن وجود تنسيقية في منطقة ذات كثافة سكانية وحضور اجتماعي واسع لا يكفي بذاته، ما لم يقترن بعمل ميداني مستمر وقدرة على التواصل مع المواطنين واستقطاب الطاقات الشبابية والمدنية.
3. التنسيقيات التي احتاجت إلى إعادة تنشيط أو إعادة تشكيل
واجهت بعض التنسيقيات صعوبات تنظيمية حالت دون استمرارها بالفاعلية المطلوبة، ومن بينها واسط، وكربلاء، والشطرة، والأنبار، والمثنى، وأربيل، وديالى، فضلاً عن حالات أخرى احتاجت إلى تدخل تنظيمي ومتابعة مباشرة من القيادة المركزية.
وقد وصلت أوضاع بعض هذه التنسيقيات إلى مستوى استدعى حل التنسيقية السابقة وإعادة تشكيلها وانتخاب قيادة جديدة، بهدف استعادة النشاط وإعادة بناء العمل التنظيمي على أسس أكثر فاعلية.
وتبرز واسط بوصفها مثالاً مهماً على إمكانية استعادة النشاط بعد التراجع؛ إذ تمكنت التنسيقية بعد إعادة ترتيب أوضاعها، من تقديم خطة للعمل في المرحلة المقبلة تركز على توسيع التواصل مع شرائح المجتمع، ورفع الوعي السياسي والثقافي، وتقسيم أعضاء التنسيقية إلى لجان متخصصة وتوزيع المسؤوليات بصورة واضحة.
كما شهدت ديالى جهوداً لإعادة بناء التنسيقية، من خلال التحضير لتشكيل لجنة انتخابية وإعداد مؤتمر جديد وفق معايير شفافة، مع التأكيد على المشاركة الواسعة والالتزام بالسياقات الديمقراطية في انتخاب القيادة الجديدة.
وفي المثنى جرى حل التنسيقية السابقة وانتخاب قيادة جديدة، مع ملاحظة إيجابية تمثلت في دخول عدد من النساء الديمقراطيات إلى عضوية التنسيقية، وهو ما يوفر فرصة لتطوير المشاركة النسوية إذا جرى البناء عليها في المرحلة المقبلة.
وتؤكد هذه التجارب أن إعادة تشكيل التنسيقية يمكن أن تكون وسيلة لإعادة الحيوية إلى التنظيم، لكنها لا تحقق هدفها ما لم تترافق مع متابعة مستمرة وخطة عمل واضحة ومسؤوليات محددة.
4. مستوى الأداء العام
يمكن، بصورة عامة، تصنيف أداء التنسيقيات خلال الفترة إلى ثلاثة مستويات:
أولاً: تنسيقيات مستقرة وفاعلة، تمكنت من المحافظة على نشاطها، والمبادرة إلى إقامة الفعاليات، والمشاركة في نشاطات التيار، والتواصل مع القوى والشخصيات المدنية والديمقراطية، ومن بينها البصرة والناصرية والديوانية وميسان وبابل، مع تفاوت في مستوى الأداء بينها.
ثانياً: تنسيقيات متوسطة أو متذبذبة النشاط، حافظت على وجودها التنظيمي لكنها احتاجت إلى التحفيز والمتابعة المباشرة من المكتب التنفيذي واللجنة المختصة، ولم يكن نشاطها بالمستوى الذي ينسجم مع المطلوب منها.
ثالثاً: تنسيقيات لم تتمكن من أداء مهامها بصورة كافية، الأمر الذي استدعى في بعض الحالات حلها وإعادة تشكيلها وانتخاب قيادات جديدة، كما حصل في عدد من المحافظات المشار إليها أعلاه.
وهذا التفاوت يكشف أن المشكلة لا تكمن دائماً في وجود الهيكل التنظيمي، وإنما في قدرة التنسيقية على إنتاج نشاط مستمر ومستقل، وتوزيع المسؤوليات، واستقطاب أعضاء جدد، والتفاعل مع المجتمع، وتحويل توجهات التيار إلى مبادرات محلية.
5. تقييم تجربة المؤتمرات التنظيمية
كان لعقد مؤتمرات التنسيقيات أثر إيجابي في إعادة ترتيب الأوضاع التنظيمية وتجديد الدماء وإثارة الحماس، وقد شهدت بعض المؤتمرات حضوراً جيداً ومشاركة من القوى والشخصيات المدنية والديمقراطية.
غير أن المتابعة أظهرت أن الحماس الذي يولده المؤتمر غالباً ما يتراجع بمرور الوقت إذا لم يتحول إلى خطة عمل منتظمة. ومن هنا فإن المطلوب مستقبلاً ألا ينتهي دور القيادة المركزية بانتهاء المؤتمر وانتخاب الهيئة الجديدة، بل تبدأ بعده مرحلة المتابعة والتقييم والمساندة.
وينبغي أن تصبح لكل تنسيقية، بعد مؤتمرها، خطة عمل سنوية تتضمن أهدافاً محددة، وأولويات سياسية وتنظيمية، ونشاطات جماهيرية وثقافية وإعلامية، وبرنامجاً لاستقطاب الشباب والنساء، وآلية للتواصل مع القوى المدنية والنقابية والمجتمعية، مع تقديم تقارير دورية عن مستوى التنفيذ.
6. دور لجنة متابعة التنسيقيات
أثبتت تجربة المرحلة الماضية أهمية لجنة متابعة التنسيقيات، التي كانت من أكثر اللجان المختصة نشاطاً، إلا أن حجم التفاوت بين التنسيقيات يؤكد الحاجة إلى تطوير دورها بصورة أكبر، بحيث لا يقتصر عملها على المتابعة العامة أو نقل الملاحظات إلى المكتب التنفيذي، وإنما تتحول إلى أداة فعلية لتطوير الأداء التنظيمي في المحافظات.
ويتطلب ذلك اعتماد آلية واضحة لتصنيف التنسيقيات وفق مستوى نشاطها، ووضع خطط لمعالجة التنسيقيات الضعيفة، ومتابعة تنفيذ الخطط بعد المؤتمرات، وتقديم الدعم التنظيمي عند الحاجة، فضلاً عن اكتشاف الكفاءات والطاقات الجديدة ومساعدة التنسيقيات على توزيع المسؤوليات وعدم ترك العمل محصوراً بعدد محدود من الأشخاص.
كما ينبغي أن تكون هناك مراجعة دورية لأداء كل تنسيقية وفق مؤشرات عملية، من بينها: انتظام العمل، القدرة على المبادرة، توسيع العضوية، الحضور الجماهيري، النشاط الثقافي والإعلامي، التواصل مع القوى المدنية، مشاركة الشباب والنساء، والقدرة على تنفيذ قرارات المؤتمر.

سادساً: تنسيقيات الخارج
تمثل تنسيقيات التيار الديمقراطي في الخارج امتداداً مهماً للتنظيم خارج العراق، وتتميز طبيعة عملها عن تنسيقيات بغداد والمحافظات بحكم البيئة السياسية والاجتماعية التي تعمل فيها، وبما تتيحه من إمكانات أوسع للتواصل مع المؤسسات والأحزاب والقوى الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، فضلاً عن دورها في التعريف بقضايا العراق ومشروع التيار الديمقراطي ودعم نشاطاته.
وقد تولت هيئة متابعة تنسيقيات الخارج مسؤولية التواصل مع هذه التنسيقيات ومتابعة أوضاعها، وعقدت اجتماعاتها بصورة دورية، كما شهدت الفترة بين مؤتمري التيار عدداً من الاجتماعات واللقاءات بحضور المنسق العام وعدد من أعضاء المكتب التنفيذي، بهدف متابعة العمل التنظيمي والسياسي والإعلامي وتقييم مستوى أداء التنسيقيات.
كما جرى الاهتمام بالجانب الإعلامي من خلال وجود هيئة إعلامية لتنسيقيات الخارج، بما يوفر إطاراً للتنسيق الإعلامي وتبادل الأخبار والمواد والمواقف، وتعزيز حضور التيار الديمقراطي في الفضاء الإعلامي خارج العراق.
1- تفاوت مستوى أداء التنسيقيات
وكما هو الحال في تنسيقيات الداخل، تفاوت مستوى أداء تنسيقيات الخارج من بلد إلى آخر، تبعاً لعدد الأعضاء، وقدرة القيادات المحلية على المبادرة، واستمرارية التواصل، وتوفر الوقت والإمكانات.
وقد برزت بصورة خاصة تنسيقيات الدانمارك وهولندا وبريطانيا من خلال مساهمتها الفاعلة في دعم التيار الديمقراطي، ولا سيما في رفد موارده المالية ودعم نشاطه الإعلامي، الأمر الذي يمثل إسهاماً مهماً في استمرارية عمل التيار في ظل محدودية موارده.
كما ساهمت تنسيقيات السويد وألمانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا في عدد من النشاطات والفعاليات، وأسهمت في إبقاء حضور التيار الديمقراطي قائماً في بيئات سياسية ومجتمعية مختلفة، وفي التعريف بمشروعه ومواقفه.
ويؤكد هذا التفاوت أن قوة التنسيقية في الخارج لا ترتبط فقط بعدد أعضائها، وإنما بقدرتها على المبادرة، وتنظيم الفعاليات، والتواصل مع القوى والمؤسسات في بلد الإقامة، واستثمار الإمكانات المتاحة لخدمة مشروع التيار.
2- الأثر السياسي والإعلامي
أظهرت تجربة تنسيقيات الخارج خلال الفترة الماضية أن تأثيرها السياسي والإعلامي يفوق في كثير من الأحيان حجمها العددي. فوجود عدد محدود من أعضاء التيار في بعض البلدان لا يحول دون قيام التنسيقية بدور مؤثر من خلال التواصل مع الأحزاب والقوى الديمقراطية، والمؤسسات المدنية، والفعاليات العراقية في الخارج، والمشاركة في الفعاليات العامة، فضلاً عن إيصال مواقف التيار وقضاياه إلى جمهور أوسع.
كما تمثل هذه التنسيقيات نافذة مهمة للتعريف بالمشروع الديمقراطي العراقي، وبقضايا الدولة المدنية والمواطنة والعدالة الاجتماعية والحريات وحقوق الإنسان، وإبراز وجهة نظر التيار بشأن التطورات السياسية في العراق.
ومن هذا المنطلق، ينبغي عدم تقييم تنسيقيات الخارج وفق معيار العدد التنظيمي وحده، بل وفق قدرتها على إنتاج أثر سياسي وإعلامي وعلاقات عامة، والاستفادة من البيئة الديمقراطية التي تعمل فيها.
3- الحاجة إلى تنظيم العمل على مستوى كل بلد
أظهرت التجربة الحاجة إلى تطوير البنية التنظيمية لتنسيقيات الخارج، ولا سيما في البلدان التي توجد فيها أكثر من مجموعة أو تنسيقية. ومن المناسب العمل باتجاه توحيد التنسيقيات في إطار تنسيقية واحدة على مستوى كل بلد، بما يضمن توحيد الجهد وتجنب التشتت التنظيمي والإعلامي، ويعزز قدرة التنسيقية على تمثيل التيار والتواصل مع القوى والمؤسسات في بلد الإقامة.
كما تبرز الحاجة إلى وضع حد أدنى من العضوية عند تشكيل أي تنسيقية جديدة، بحيث لا يتحول وجود عدد محدود جداً من الأعضاء إلى تنسيقية مستقلة، مع إمكانية اعتماد صيغ بديلة للتجمع والتواصل عندما لا يتوفر العدد التنظيمي الكافي لتشكيل تنسيقية.
ويفترض أن يرتبط تشكيل أي تنسيقية جديدة بتوفر مقومات الاستمرار، من قيادة قادرة على العمل، وعدد مناسب من الأعضاء، وخطة نشاط، وقنوات اتصال واضحة مع هيئة متابعة تنسيقيات الخارج والمكتب التنفيذي.

سابعاً: التقييم العام للتجربة والاستنتاجات والتوصيات للمؤتمر الخامس
أولاً: التقييم العام للتجربة
تكشف تجربة التيار الديمقراطي خلال الفترة الممتدة بين المؤتمرين الرابع والخامس عن وجود تراكم سياسي وفكري وتنظيمي مهم، وعن استمرار تمسك التيار بمشروعه في بناء الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة والمساواة وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن قدرته على الحفاظ على حضوره السياسي والانفتاح على القوى والشخصيات الديمقراطية والمدنية وبناء صيغ للتعاون والتحالف، ولاسيما من خلال تجربة تحالف البديل والمشاركة في الاستحقاق الانتخابي.
وفي المقابل، أظهرت التجربة أن وضوح المشروع السياسي لا يزال متقدماً على حجم القوة التنظيمية والمجتمعية والانتخابية التي يمتلكها التيار. فقد تفاوت أداء التنسيقيات واللجان المختصة، ولم تستطع بعض الهياكل التنظيمية تحويل وجودها إلى عمل مستمر ومؤثر، كما بقيت مشاركة الشباب والنساء والأكاديميين والمهنيين دون المستوى المطلوب، في حين ظلت القدرات الإعلامية والثقافية متفاوتة بين المركز والتنسيقيات، ولم تتحول المبادرات الناجحة في بعض المحافظات إلى سياسة عامة ومنهج عمل متكامل للتيار.
كما كشفت التجربة الانتخابية أن قدرة التيار على خوض الانتخابات وبناء التحالفات لا تزال بحاجة إلى تطوير مستمر، ولا سيما في مجالات الإعداد المبكر، وبناء الجهاز الانتخابي، والإسناد القانوني، والإعلام، والتمويل، والتواصل المباشر مع الناخبين. وقد أثبتت تجربة التحالف الانتخابي أهمية العمل المشترك، لكنها أظهرت في الوقت نفسه أن التحالفات الانتخابية لا يمكن أن تبقى ترتيبات مؤقتة مرتبطة بالاستحقاق الانتخابي، بل ينبغي أن تستند إلى إطار سياسي وتنظيمي أكثر استقراراً.
ومن أبرز الاستنتاجات التي تفرضها التجربة، أن نهوض التيار الديمقراطي لا يرتبط فقط بتطوير أدائه الداخلي، وإنما يحتاج أيضاً إلى معالجة الإطار التشريعي والتنظيمي الذي يؤمّن وجوده واستمراره كإطار سياسي ديمقراطي. فطبيعة التيار، بوصفه إطاراً يجمع أحزاباً وشخصيات وقوى ديمقراطية ومدنية ذات متبنيات سياسية وفكرية متقاربة، تتطلب البحث عن صيغة قانونية أكثر رسوخاً تتيح له أن يتحول من إطار تنسيقي وتحالفي إلى تحالف سياسي ديمقراطي مسجل وفق القانون، يضم أحزاباً سياسية مسجلة ذات برامج ومتـبنيات متقاربة إلى جانب الشخصيات المستقلة، بما يمنحه أساساً قانونياً وتنظيمياً أوضح، وقدرة أكبر على المشاركة السياسية والانتخابية والتعبير عن مشروعه أمام المجتمع.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في ضوء ما أظهرته التجربة من أن بقاء التيار في إطار تنظيمي غير مكتمل من الناحية القانونية يحد من قدرته على التوسع، واستقطاب قوى جديدة وتنظيم المشاركة الانتخابية، وتوفير الموارد، وبناء مؤسسات سياسية دائمة. ولذلك فإن إيجاد الإطار التشريعي والتنظيمي المناسب ينبغي أن يكون من القضايا الأساسية التي ينظر فيها المؤتمر الخامس، مع الحفاظ على هوية التيار ومشروعه الديمقراطي، وعدم تحويله إلى مجرد إطار انتخابي مؤقت.
وبصورة عامة، يمكن القول إن التجربة حققت تقدماً في الحفاظ على الهوية السياسية واستمرار العمل المشترك، وتطوير العلاقات والتحالفات، والمشاركة في الانتخابات، وتنشيط عدد من التنسيقيات واللجان والمبادرات الثقافية والمجتمعية، إلا أنها لم تحقق بالمستوى المطلوب هدف تحويل هذه المقومات إلى قوة سياسية واجتماعية وتنظيمية مؤثرة وقادرة على المنافسة والاستمرار. ويعود ذلك إلى جملة من العوامل، في مقدمتها محدودية الموارد والإمكانات، وتفاوت الالتزام والمتابعة، والاعتماد في بعض المواقع على المبادرات الفردية، وضعف التخطيط طويل المدى، وعدم انتظام تقييم الأداء، فضلاً عن عدم اكتمال الإطار التنظيمي والقانوني الذي يمكن أن يوفر للتيار قاعدة أكثر استقراراً لنموه.
وعليه، فإن التحدي أمام المؤتمر الخامس لا يتمثل في إعادة تأكيد المبادئ التي يلتزم بها التيار، فهي واضحة ومتراكمة، وإنما في تحويل هذه المبادئ إلى قوة سياسية منظمة، ذات حضور اجتماعي وانتخابي وإعلامي وثقافي، وقادرة على التأثير في صناعة القرار والدفاع عن مشروع الدولة المدنية الديمقراطية.
ثانياً: الاستنتاجات والتوصيات للمؤتمر الخامس
في ضوء هذه التجربة، يقترح التقرير أن يركز المؤتمر الخامس على:
1. العمل على إيجاد إطار سياسي وقانوني أكثر رسوخاً للتيار الديمقراطي، من خلال دراسة إمكانية تسجيل تحالف سياسي يضم أحزاباً ديمقراطية ذات متبنيات وبرامج سياسية وفكرية متقاربة، إلى جانب الشخصيات المستقلة، بما يوفر للتيار أساساً قانونياً وتنظيمياً مستقراً.
2. الانتقال من العمل الموسمي إلى العمل السياسي والتنظيمي المستمر، ووضع خطة سنوية واضحة ترتبط بمقررات المؤتمر وتحدد المسؤوليات والمخرجات ومؤشرات قياس الأداء.
3. إعادة تنظيم عمل اللجان المختصة والتنسيقيات على أساس النتائج والأثر وليس عدد الاجتماعات والفعاليات، مع اعتماد المتابعة والتقييم الدوري وإعادة الهيكلة عند الحاجة.
4. بناء حضور مجتمعي أوسع للتيار، وربط العمل السياسي بقضايا المواطنين ومشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، بما يعزز الثقة بالمشروع الديمقراطي.
5. تطوير العمل الانتخابي من خلال إنشاء آلية أو جهاز انتخابي دائم يتولى الإعداد المبكر، وبناء فرق متخصصة في القانون والإعلام والاتصال الجماهيري والبيانات الانتخابية.
6. إعطاء أولوية أكبر لتمكين الشباب والنساء والأكاديميين والمهنيين وإشراكهم في مواقع المسؤولية وصنع القرار، وليس الاكتفاء بوجود أطر تنظيمية تحمل هذه العناوين.
7. وضع سياسة إعلامية وثقافية متكاملة للتيار، والاستفادة من التجارب الناجحة التي أظهرتها بعض التنسيقيات، وتحويل المبادرات المحلية المتميزة إلى برامج قابلة للتعميم.
8. تطوير العلاقات مع الأحزاب والقوى المدنية والديمقراطية على أساس برامج ومصالح مشتركة وآليات تعاون مستدامة، وعدم حصرها في اللقاءات والمناسبات أو الاستحقاقات الانتخابية.
9. تعزيز دور تنسيقيات الخارج والاستفادة من إمكاناتها السياسية والإعلامية والثقافية والمادية، مع وضع آلية أكثر انتظاماً للتواصل والتنسيق بينها وبين قيادة التيار.
10. اعتماد مبدأ ربط القرار بالتنفيذ، والنشاط بالنتيجة، والوجود التنظيمي بالحضور المجتمعي، بحيث تصبح عملية التقييم جزءاً ثابتاً من عمل التيار وليست إجراءً يأتي في نهاية كل دورة تنظيمية.

اللجنة العليا
للتيار الديمقراطي العراقي
9/10/2026



#علي_مهدي (هاشتاغ)       Ali_Mahdi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشيوعيون والحرب: بين الموقف المبدئي ومتطلبات السيادة الوطني ...
- انتقال القيادة في إيران: بين النص الدستوري ومرونة الواقع الس ...
- نحو تشريع يضمن احترام الإرادة الانتخابية في تشكيل الحكومة ال ...
- ورقة تقييمية لنتائج الانتخابات وأداء التيار الديمقراطي
- البلاغ الختامي عن اجتماع اللجنة العليا للتيار الديمقراطي الع ...
- ما يميز الدولة القانونية عن الدولة الاستبدادية والبوليسية
- بلاغ صادر عن اجتماع المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي العراق ...
- بيان ادانة للعدوان الامريكي الاسرائلي على ايران
- التحولات في كتابة الدساتير في العراق (1925–1970): من تمثيل م ...
- اتفاقية خور عبد الله: بين الالتزامات الدولية واحترام حكم الم ...
- الذكرى المئوية لصدور القانون الأساسي العراقي لسنة 1925: من ا ...
- بلاغ عن ورشة البيئة المتكافئة لانتخابات مجلس النواب العراقي ...
- إنجازات وإخفاقات الوزارة في تحقيق الأهداف التشريعية
- عام 2024 استمرار للأزمات والحروب والاستحقاقات الديمقراطية
- بلاغ عن اجتماع المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي العراقي
- مسودة التقرير السياسي المقدم للمؤتمر الرابع للتيار الديمقراط ...
- التقرير الانجازي للمؤتمر الرابع للتيار الديمقراطي العراقي
- القصور القانوني عند خلو منصب رئيس مجلس النواب
- انتخاب المحافظين بين رغبات القوى المتنفذة وإرادة الناخبين
- في موضوعة حل الحزب السياسي


المزيد.....




- مسؤولون: ترامب اختار كاتي زكريا متحدثة باسم البيت الأبيض وطل ...
- نجا بأعجوبة.. رجل يركض هرباً من ضربة مسيّرة روسية في أوكراني ...
- ترامب: بوتين وافق على تصدير الديزل خلال اتصال هاتفي
- مساعد نتنياهو العسكري السابق يفجر مفاجأة بشأن تحذيرات سبقت ه ...
- لماذا يتهم إيلون ماسك أغنى رجل في الهند بعرقلة إطلاق خدمات - ...
- المكسرات ليست مدمرة للحمية.. إليك ما تفعله فعلا بجسمك
- خلاف بين نتنياهو وزامير بشأن مؤشرات هجوم محتمل على إسرائيل
- الدفاع الروسية تنشر مشاهد توثق استهداف نقاط انتشار جنود أوكر ...
- دميترييف: اتصال ناجح بين بوتين وترامب والتعاون في الطاقة سيع ...
- الولايات المتحدة ترفع القيود عن بيع وتسليم وتفريغ واستيراد ا ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي مهدي - مناقشة الوثائق التي ستقدم للمؤتمر الخامس للتيار الديمقراطي العراقي